العين بصيرة واليد قصيرة
" أرجو يا سعد ان لا تكون الرمال اساسا لهذه القصور التى تبنيها . . فالرياح تذرو هذه الأسس هباء! "
قالها الأب الشيخ وفي أعماقه بسمة أمل لهذا الفتى الواقف أمامه . . أجابه الابن :
- ابت ، أنت تعلم ان الانسان في مرحلة الشباب بتمنى أن يكون شيئا . . يتمنى ان بفعل شيئا . . يريد ان يبقى طوال الدهر ولو ذكرا طيبا على الالسن! . . الا تحب أن يكون ابنك كما يريد ان يكون . . ان يكون شيئا ما في حياة امته العظيمة ؟ . .
ان يستحق لقب انسان وهو أعز شئ لديه في حياته ؟
أنت تعلم يا ابت ان الاماني في النفس ولو لم تتحقق زهرة طيبة الرائحة في قلب صحراء الحياة . . وان تحققت واصبحت نابضة بالحياة فانها ثمرة يانعة لتلك الأماني ؟ ٠٠
قالها الابن وفي أعماقه آمال كثيرة . . وفي مخيلته صور عديدة . . بهيجية
الالوان . . مشرقة الجوانب . . تملؤها نفثات روحه الفتية . . قالها ثم نظر إلى أبيه الشيخ وقد استدار الى جهة القبلة حيث تصاعدت دعوات حارة من داخل نفسه لابنه الفتى . .
وفي لمح البصر تسلل سعد من غرفة أبيه الى حيث يجد لأحلام يقظته المتسع من الحرية . . الى غرفته الصغيرة . . أو صومعته المتواضعة حيث تراصت مجموعات متنوعة من الكتب على أرفف خشبية . .
دخل سعيد الغرفة ليتناول كتابا صغيرا بدت هيئته رثة . . فهذه بقعة شاى تخلفت عن سقوط كوب شاى عليه . . ثم هذه بقعة حبر كبيرة منتظمة الشكل ولكنها من صميم عنوان الكتاب . .
أخذ سعد الكتاب . . ونظر فيه برهة وجيزة . . فعاودته ذكريات طريقة . . واسترجع فى ذاكرته صورة ذلك البائع الذي اشترى منه الكتاب . . ذاك الذي قال له : عسى أن أراك وقد أقمت مصنعا للحبر يا بني . . فلعلك تستفيد من هذا الكتاب
حينها أجابه سعد بكل أمل : - ان شاء الله يا عم !
ثم يتحول بناظره الى جهة من الغرفة حيث رأى صورة للمسجد النبوى الشريف وسرعان ما ارتبطت في ذهنه صورة أخرى بها . . يذكر حين كان في طريقه الى المدينة المنورة قبيل عام نقطة ، يومها رأى أثناء الطريق جبالا غريبة الالوان . . فمنها الاحمر ومنها الاصفر والازرق والاخضر . . حينذاك تذكر انه بامكانه الاستفادة من تربة هذه الجبال في صنع الالوان بمختلف انواعها . . لقد كانت فى نظره كنوزا ، وثروة أمام العين . . ولكن الأيدى لا تمتد لها . . نراءت له في هذه الجبال صور المستقبل مشوبة بألوان هذه الصخور الحمراء والخضراء وإزرقاء . . رأى انه حتما سيحقق أمنية ذلك البائع وسيصبح صاحب أول مصنع للحبر فى بلاده . . وللآلوان كذلك . . انه يتمنى . . ولكن كلمة أبيه تلك تفزعه وتخيفه من أن تكون الرمال أساسا لقصوره التى يبنيها !
( مكة المكرمة )

