قال الراوى : ومكثت غير بعيد عنها ، والسماء صافية الاديم - فى ليلة مقمرة - تحت خمائل الورود . والجو شاعرى حالم . . ولسانى يردد : هاتها صرفا من خمر الرضاب . .
وغشيتنى من النظر اليها - الى جيدها - غاشية لهفة . . ومعها تأمل لقدرة الله . .
وقد ازينت بها ، بحبات منها ترسل بريقا خاطفا كدت من شدة ومضاتها ان اطفئ انوار منزلى ، غير اننى رحت اتأملها ثانية وثالثة وارانى متعطشا الى النظر اليها حتى تظن بى سوءا . . ليتها تدرك سر نظراتى الى جيدها ! .
قال صاحبه : وماذا رأيت ؟ وتسألنى ؟ . . ألم تفكر قليلا فى صنع الله كيف يخلق ما يشاء ، كيف تسير هذه الكائنات التى خلقها الله . . كيف يكون من الجماد حياة ؟ . . يلى ! كيف يقدر الامور ويدبر هذا الكون وتعالى الله ربى جلت صفاته ؟ . .
قال صاحبه : انه خالق هذا الكون . . ومقدر فى الازل نظامه ، حتى يقضى ما يشاء كما يشاء . .
ولكن يا صاحبى كيف بهرت بجيدها ، وماذا تراه عليها ؟ حبات من ارتشاح الجسم فى فصل السنبلة . . ام قطرات ندية من ماء الاغتسال لا تزال تلمع فوق جيدها . . ماذا اصابك ؟
قال صاحبه : يا سبحان الله . . انها حبات من اللؤلؤ المنضود ازينت بها وهل تصغى الى قصة نشأتها ؟
اننى معك وكلى آذان فقل : قال صاحبه : يتكون الدر واللؤلؤ فى
بحر الهند وبحر العرب ، وان الاصداف الدرية لا تكون الا فى بحر تصب فيه الانهار العذبة فاذا اتى الربيع كثر هبوب الريح فى البحر ، وارتفعت امواجه واضطرب . . فاذا كان الثامن من نيسان ، خرجت الاصداف من قيعان هذه البحار ، ولها اصوات ، وقعقعة وفى وسط كل صدفة دويبة صغيرة ، وصفحتا الصدفة لها كالجناحين ، وكالسور ، تتحصن به من عدو مسلط عليها وهو : (( سرطان البحر )) فربما تفتح الصدفة اجنحتها لتشم الهواء ، فيدخل السرطان مقصه بينهما ، ويأكل الدويبة . أو ربما يتحايل السرطان فى أكلها بحيلة دقيقة ، وتلك انه يحمل فى مقصه حجرا مدورا كبندقة الطير ، ويراقب دابة الصدفة حتى تشق عن جناحيها فيلقى السرطان الحجر بين صفحتى الصدفة ، فلا تنطبق ، فيأكلها . . ( قال صاحبى : لكل حيوان حيلة . . )
وفى اليوم الثامن عشر من نيسان ، لا تبقى صدفة فى قعر البحر المعروف بالدر واللؤلؤ الا وتطفو على وجه الماء وتتفتح الاصداف ، حتى يصير وجه البحر ايضا كاللؤلؤ ، وتتجسم قدرة الله عيانا لكل افاك أثيم .
قال صاحبه : وماذا يحدث ؟ قال الراوى : تأتى سحابة ممطرة عظيمة ثم تنقشع وقد وقع فى جوف كل صدفة ما قدر الله من القطر ، اما قطرة واحدة ، واما مائة الى ما يزيد . . ثم تنطبق الاصداف وتلتحم وتموت الدواب التى كانت فى أجوافها فى الحال . فتنحدر الاصداف بقطراتها الى قاع البحر ، وتلتصق به ، وينبت لها عرق كالشجرة فى قاع البحر حتى لا يحركها الماء فيفسد ما فى بطونها ، لتلتحم صفحتا الصدفة
التحاما تاما حتى لا يتسرب ماء البحر فيصفره .
قال صاحبه : ثم ماذا ؟ فاذا ماتت الدويبة صارت الصدفة فى طور الجماد ، وما كان قطرة فى جوف الصدفة تعد لؤلؤة يتيمة لا تقدر بثمن وما زاد على ذلك يتصاعد الثمن حتى يهبط الى مستوى الصفر .
قال صاحبه : ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار . .
قال الراوى : وفى نيسان فى نفس التاريخ فى ذات اللحظة ، تخرج فراخ الحيات التى ولدت فى تلك السنة وتسير من بطن الارض الى ظهرها ، وتفتح افواهها كالاصداف التى رأيتها وشرحت لك قصتها ، فما ينزل من قطر الماء فى فم الحيات ، تطبق فمها عليه وتدخل فى جوف الارض ، فاذا تم حمل الصدف فى البحر درا ولؤلؤا ، صار ما دخل فى فم فراخ الحيات داءا وسما . فالماء واحد والأوعية مختلفة وما فى الاوعية غير متفق ، وقدرة الله على كل شئ دليل .
قال صاحبه : رب ! لقد ظلمت نفسى فأغفر لى ، انك الغفور الرحيم . .
ارى الاحسان عند الحر دينا
وعند النذل منقصة وذما
كقطر الماء فى الاصداف در
وفى جوف الافاعى صار سما
تأمل يا عبد الله فى قدرة الله جلت صفاته عن الكيف والكم ، تعالى الله جل وعلا . . فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم .
.(الرياض)

