آذنت الشمس بالمغيب ملقية أشــــعتها العسجدية وراء الآكام وجموع الشياه في في مسايا تمازجت أجراسها مع أصواتها فأحدثت نغما صاخبا يؤذن بشيء غريب . وما هى الا لحظات انطلق بعدها أزيز الرصاص ليحشو سماء قلقيلية البلدة الآمنة في الضفة الغربية من الاردن .. لم يجزع الصبية الصغار الملتفون حول عواد وصندوقه لشراء الترمس .
- يا أولاد اذهبوا لبيوتكم بدأ الضرب .
* الضرب ؟ أتعني الرصاص ؟ - صحيح ربما تصيب رصاصة طائشة أحدكم .. أسرعوا
* وهل تعهدنا نخاف الرصاص او القنابل ؟ - ) مشفقا ( : يا أولادى أنتم صغار أسرعوا لبيوتكم .
* بل سنسرع لميدان المعركة .. يا شباب استعدوا - نحن مستعدون .
* قررت فرقة التدمير الحربي مشاركة المجاهدين - سمعا وطاعة .
* هيا بنا نفذوا الخطة ( ٣ ) أثناء المسير . وانطلق الصبية الصغار أعضاء فرقة التدمير الحربى ، منفذين للخطة ( ٣ ) القاضية بالجري السريع مع احناءة رأسية ووقوف عند نافذة كل زقاق مطل على خنادق
العدو ، ومن ثم الانطلاق واحدا واحدا ، زحفا على الصدور لقطع نافذة الزقاق .
تعجب عواد لجرأة الصغار وسرعان ما أخرج حصيلة بيعه فاذا بها قروش معدودة فالصندوق ما زال يطفح بالترمس وعلى عجل وضع النقود في (( الجارور )) وأحكم قفله ووضعه أمانة عند الحاج عاشور .
- لم وضعته عندى يا عواد ؟
* أمانة لفترة وجيزة ! - أمانة ! ( مستغربا ) سأغلق الدكان للصلاة ! أين أضعه ، ليس له محل ؟
* أوجد مكانا له يا عاشور ! - ولمه ؟ أين أنت ذاهب والرصاص يغمر البلدة ؟
سأذهب الى المعركة .. الصبيان ذهبوا ..
- سامحك الله ! انك لا تبصر عن قرب .. ماذا ستعمل ؟
* أعمل الكثير .. اننى مشتاق للحرب - الحرب الحرب .. وفي نهاية المطاف تدور علينا الدائرة ..
* اننا جاهدنا وما النصر الا من عند الله .. وداعا ..
تجمعت الدموع في محاجر عاشور وأخذ يقلب كفيه ، وتناول الصندوق ليدخله الدكان فلم يستطع لضيق المساحة ، فطلب معونة أحد المارة . - يا سعيد ! تعال ساعدني لادخال الصندوق .
* ( وعلى عادة سعيد فانه يحب المداعبة ) - صرت بياع ترمس ؟ - يا سعيد الوقت ضيق .
* أظن الترمس كله لا يملأ بطنك ؟ - هلم يا سعيد حان وقت الصلاة وعواد ..
* أين ذهب ؟ أذهب ليتوضا ؟ - لا .. ذهب الى المعركة ..
* معركة .. الشباب لم ينفعوا حتى ينفع عواد ؟ ..
وتقدم سعيد وعاوز عاشورا ووضع الصندوق بداخل الدكان . وأسرع عاشور وسعيد لأداء صلاة المغرب وقد جن الليل وتكاثف الرصاص وبدأت القنابل تجلجل وتأخر المصلون في المسجد يدعون ربهم أن ينصر المجاهدين ، والصبية الصغار قطعوا شارعا طويلا وهم الآن في خنادق المجاهدين . - من هنا ؟ ما سر الليل ؟
* أنا حسن قائد فرقة التدمير الحربى .. الهمة يا أحمد ! - يا حسن ما الذى جاء بك الى هنا ؟
* جئت أنا وفرقتي لمساعدتكم - مساعدتنا .. أنت تهذي ! ارجــــع للبيت وجماعتك حالا .
* والله لن أرجع حتى يأذن الله لى .. - يا حسن !
* اقطع عنك الهرج .. ( واستدار لجماعته الصغار ) تقدم يا طـــلال وعاطف وعثمان وزياد وعاهد وأنور ) - الى أين ؟
* تفرقوا عند المجاهدين - سمعا وطاعة .. وماذا نعمل ؟
* نفذوا الخطة ١٥ ( وتقضي الخطة ١٥ بأن يقوم الصبية الصغار بتعبئة الرصاص في الأمشاط ومناولتها للمجاهدين ) . وقام الصبية بدور فعال ارتاح لهم أخوتهم الكبار . ولكم غمرتهم البهجة حيث لم تفزع الرصاصات الابطال الأيقاع ، وكانت تتناثر هنا وهناك بالقرب من رؤوسهم وأجسامهم وخنادقهم بل انهم يسخرون من تفاقم الوضع ، وحسن قائد الصبيان يقوم بأدوار ثلاثة : يسعف الجرحى ، ويعبئ الامشاط ، ويتفقد أفراد فرقته مشجعا .
- لا تظهر رأسك يا حسن !
* لم لا ؟ - الرصاص ينهال كالتراب
* العمر بيد الله - لا تظهر رأسك امتثل للأوامر
* سمعا وطاعة .. سدد طلقاتك كل طلقة بدخيل صهيونى .. امتثل للأوامر - سعما وطاعة .. وانفرجت عن أسارير حسن وقائد المجاهدين ضحكة ممزوجة بنشوة النصر واستدار حسن ليرى شبحا يعبر من خلف
* قف من تكون ؟ - أنا عواد
* ما الذى جاء بك الى هنا ؟ أجئت لتبيع الترمس ؟ - أأنت حسن ؟
* نعم . - لأساعدكم .
* تساعدنا ؟ يا للحميه . - ( وانتبه قائد المجاهدين ) : ومـــن يكون يا حسن ؟
* انه عواد بائع الترمس .. - السعودى المجاهد في حرب ١٩٤٨ ؟ * نعم .. لنسرع بادخالــــه خـــوف الرصاصات .
وأسرع حسن زحفا على صدره .. وسرعان ما وصل عوادا وسحبه الى أقرب خندق وسار به حيث أعضاء فرقته يقومون بتنفيذ الخطة ١٥
* انتبهوا لعواد ، ماذا تحب أن تعمل ؟ - أقرأ لكم القرآن وأدعو الله أن يحميكم وأخذ عواد يردد سورة ( قل هو الله أحد ) وسورة ( الناس ) وسورة ( الفلق ) والجزء الأخير من سورة ( ياسين ) ويدعو الله أن ينصر الأهالى . والتهب حماس الصبية الصغار بوجود عواد صديقهم ، وسرعان ما انتهت المعركة وتراجعت قوى العدو الى مواقعها مجررة أذيال الخزي ، ورجع عواد والصبية الى الحارة عند دكان عاشور . وفي نشوة النصر أخذ عواد يوزع عليهم الترمس :
- كلوا .. كلوا .. هذه حلوى النصر * خسارة عليك يا عواد .. - الدنيا فانية يا ولدى .. كلوا
* ولكن ما الذى دفعك للقدوم وأنت قد كبرت ؟ - يا بني : أعجبت بقلقيلية فآثرت أن أقضي بقية عمرى فيها على خط الجهاد ..
* أنت عزيز علينا يا عواد . - وحينما تحدث معركة وكل معركة أجد دمى يفور اشتياقا للدفاع عن البلدة التى أحبها ..
* أجل معاملته طيبة ويستحق كل خير فهو يشتري من دكاني ويسدد الحساب بانتظام - وطبل عواد ومطرقته .. يكفيه فخرا انه يوقظنا في ليالى رمضان .
وفعلا كرس عواد وقته لخدمة البلدة بقدر ما يستطيع ، ففى ليالى رمضان يجوب شوارع قلقيلية ، منبها النائمين للسحور ولم يكن يترك قريضة الا أداها في المسجد . وانصرف الجميع مستسلمين لأطياف الاغفاءة ، وتبددت سحب الليل للسحور وسطعت الشمس وترددت في الأفق أنباء اصابات لبعض المواطنين وتحققوا منها نهارا فقد استشهد عدنان الصالح تاركا وراءه أرملة وصبيا في الرابعة ، وتربط عواد بهذه الأسرة رابطة كبيرة ، ففي ليالى رمضان كانت زوجة عدنان تناوله بعض النقود .
وأحب الغلام عوادا وكان ينتظره حتى اذا ما طرق باب الدار أسرع الغلام للترحيب بعواد ويصر على أن يمشي معه ليلا من أول الزقاق الى آخره حاملا معه مطرقة ثانية يدق بها على طبل عواد ، وألف عواد عادة الغلام ..
غمر اليأس قلب عواد لوفاة عدنان ، فهو فقير كغيره من المجاهدين في البلدة ورثى لحال الزوجة وأشفق على الصبي الذى كان يشتري من عواد كل يوم بقرشين أو أكثر
من الترميس ، واستمر على حاله بعد وفاة والده الا أن عوادا رفض أن يأخذ منه شيئا .
* عواد أعطني من الترمس بقرشين - حاضر ( ويكيل له بأربعة قروش )
* خذ القروش يا عواد - اليوم لا أريد منك قروشا
* لماذا ؟ أمى تضربنى . خذ ! ويضطر عواد لأخذ القروش .. ( وتمر الأيام ولا يظهر الصبى كعادته لشراء الترمس ويقف قبالة بيتهم صائحا ) : - الترمس .. الترمس .. بليلة يا ترمس ..
وليس من أحد يجيبه واعتراه القلق .. ماذا حل بزوجة عدنان ؟ أساءت بها الحال فرحلت ؟
ويمر رمضان الثاني ويقف قبالة البيت صائحا وضاربا طبله : - يا نائم وحد الله .. لا اله الا هو
لم تظهر زوجة عدنان ولم يظهر الغلام .. وخارت قوى عواد وسقط أرضا ينتحب تماما كالأطفال .. أنه لا يريد النقود ، يريد مشاهدة الغلام لم يغيب عن أنظاره شهورا طويلة ؟ وطرق الباب ليلا اكثر من مرة وعويله توافق مع طرقات الباب .. وسرعان ما فتح ..
- أنت موجودة ؟ ( قالها مستغربا وقد غمرته مسحة فرح ) ..
* نعم يا عواد . - ولكن لماذا لا تفتحين الباب ؟ لم يعد معي نقود لأساعدك ، انني أخجل أن أقطع عادتي .. - نقود .. نقود .. أنا لا أريد شيئا .. ولكن الغلام أين هو ؟
* ( وأشاحت بنظرها ) تعال يا محمد وسرعان ما قدم الغلام محمد وارتمى في حضن عواد يقبله ، واحتضنه عواد وتمازجت دموع عواد مع دموع الغلام محمد - ولكن لم تحرميني من رؤية الغلام ؟
* لم يعد بوسعنا أن نشتري له ترمسا لا بقرش ولا بقرشين - أنا لا أريد شيئا ( وتناول عواد من جيبه ربطة مليئة بالترمس ) : خذ يا محمد أخذ الصبي يلتهم الترمس .. واستدار عواد محدثا زوجة عدنان : - رحمة الله تتغمد عدنان
* ألله يرحمه - ماذا تعملين الآن ؟ وهل من مورد للأسرة ؟
لا مورد وانني والغلام محمد رهن الفقر - سأحضر لك آلة خياطة * ولكني لا أخيط - تعلمي لتدفعي غائلة الجوع عنك وعن محمد وسرعان ما التهم الغلام الترمس وطلب المزيد :
* عمي عواد ، معك ترمس ؟ - يا ليتني أحمل المزيد سأحضر لك كل يوم .. قام عواد نشيطا يصحبه الغلام محمد حتى نهاية الزقاق ينقر طبله ، ورجع الغلام محمد وتابع عواد مسيره ..
حم الولد تلك الليلة وبقيت والدتـــه بجواره يذوب قلبها كمدا وعلى الموعد في الليلة المقبلة قدم عواد وصاح : - يا نائم وحد الله .. لا اله الا هو ولم تظهر زوجة عدنان ولم يظهر الغلام محمد وتعجب عواد وسقط أرضا خائر القوى وأخذ ينتحب .. وظهر الشفق
وسرعان ما بزغت الشمس فقام متثاقلا الى بيته لا يبرحه ، واحتار أهالى قلقيلية .. ماذا دها عواد ؟ أهو مريض فأقعده مرضه ؟ وقدم جيرانه لزيارته وتفقد أحواله .. طرقوا بابه ولم يجدوه فقد رحل الى بلدة مجاورة تدعى ( عزون ) ليقضي بقية أيامه فيها ..
- يا سعيد ! عواد رحل الى عزون - ولم يرحل ؟ هل ضايقه أحد ؟ - حبذا لو بقي في بيتي يأكل ويشرب - وفي بيتي وبيوت كل الأهالى
وعرت وجوه الناس حيرة .. وفي البلدة الجديدة عزون بينما كان يجوب الشوارع باحثا عن غرفة صاحت في وجهه امرأة ودخل رنين صوتها الى أعماق أذنه وتلفت :
- زوجة عدنان .. زوجة عدنان .. ماذا تعملين هنا ؟
انني عند أهلي - أنت من عزون ؟
* نعم - أجل رحلت من الليلة التالية * رحلت يا عواد ؟ - وكيف الغلام محمد ؟
* محمد .. محمد أعطاك الله عمره ( قالتها ممزوجة بمسحة من الأسى وزخة من الدموع ) - مات ... قالها مستغربا وسقط أرضا مغشيا عليه .. وأسرعت أم الغلام وهونت عليه .. وتساقطت دمعاتها في حلقه وشعر بتلك الدمعات تخفف جفافه .. - وماذا عملت به ؟
* دفنته في البيت وزرعت بجواره ياسمينة - ألا ترين أن نزوره ونزور والده ؟
* لم لا وانني أعيش هنا جسدا بلا روح فقد تركت روحي هائمة مع طفلي محمد - يا أم محمد أتتزوجينني ؟
* وما الفائدة ؟ فأنت كبرت وأنا ليس لى حظ في الدنيا ، مات زوجي ومات طفلي وأصبحت كالشجرة العارية الوحيدة في الصحراء . - ولكن هناك روابط تجمعني بك : صداقتي مع المرحوم عدنان والغلام محمد كنت أفكر أن يكون خليفتي في ايقاظ الناس في ليالى رمضان
* حبذا لو عاش ليبيع الترمس ولينبه الناس للسحور وصار جدال بينهما ووافقت أخيرا على الزواج ورجعا الى بيتها .. فتحت الباب فاذا بالياسمينة قد أورقت وبقية الأشجار تعرت وكأن الياسمينة قد حنت على الغلام - يا سلام أنظرى الياسمينة حانية .. مورقة
* ولدي حبيبي سأسقى الياسمينة من دموعي - هذه صفيحة مليئة بالقروش ستكفينا بعض السنوات
* ولكنك فقير مثلنا من أين لك هذا ؟ - هذه القروش التى كنت تعطيني اياها في ليالى رمضان وقروش الحبيب محمد التى كان يشتري بها الترمس .
