قدم صديقنا الحاج ، ولنسمه (( محمدا )) الى هذه البلاد بنية أداء نسك الحج ، والتطهر من ذنوبه والتحلل من آثامه . . وكان قدم اليها فيما مضى ، مؤديا فريضة حجه ، فذاق الامرين اذ ذاك ، فى ظعنه ومقامه ، ورأى أهوال المتاعب فى كل شئ ، وما كاد يصدق أنه نجا منها حتى قدر له بعد لأى وبعد مدة مديدة تتمثل فى ثلاثة أشهر ، أن يعود الى جدة حيث امتطى احدى البواخر ، الى بلاده ، فأقام بها اقامة طويلة ، وكلما جاء أوان الحج ، ورأى الناس يستعدون للرحيل الى هذه البلاد المقدسة من بلاده النائية غلبه الشوق والحنين الى مرافقتهم . فصاحبنا مؤمن بالله ، شديد التدين ، وهو الى ذلك موسر ، ومن ذوى الغنى الطويل العريض ولكنه لا يلبث ان يرتد حسيرا عن انفاذ ما جال بخاطره وتلجلج به ضميره ، وخالج جوانحه من أشواق حارة لرؤية معالم هذه البلاد المحببة ، وكان ذلك منه اضطرارا لا اختيارا ، فقد خبر المتاعب والمشاق
التى صادفته حينما قدر له ان يجئ الى هنا من قبل . . والله تعالى يقول فى كتابه الحكيم : (( ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة )) واى تهلكة أشد من الخوف والقلق ، والنهب والسلب ، والسير فى طرق كلها مخاوف وغبار قاتم ، وسموم لافح ، أياما ذوات العدد ، تبلغ فيما بين مكة وجدة اليوم واليومين ، وفيما بين مكة المدينة الاثنى عشر يوما . .
وظلت لواعج صاحبنا الحاج محمد تراوده سنة بعد سنة ، كلما حان وقت الحج ، وكلما اشرأبت الاعناق الى بلد الله الحرام ، ولكنه مشدود بآلامه التى طالما اجترها ، فهو لا يستطيع أن يقحم نفسه المخاطر من جديد كما كان فى عهد الشباب .
وفى ذات يوم جاءه الوجد الطاغى ، فازمع الرحيل الى الحج وليكن ما يكون فقد امتلأ قلبه بالحنين والوجد الى مشاهدة بيت الله والى الوقوف بعرفات
مع ألوف الواقفين من المسلمين ، فامتطى باخرة مع زمرة من مواطنيه وقطعت الباخرة عرض المحيط حتى رست على ميناء جدة . . ودهش صاحبنا اذ رأى غير ما كان يعهد من قبل . . فهذا مرسى عميق واسع داخل فى جوف البحر كمضيق عظيم بين بحرين ، وباخرته وبواخر أخرى بجانبها ملقية مراسيها على المرسى . . مرتبطة به فى سلاسل ضخمة ، وها هو وكيل المطوف يدعوه الى النزول ، فاذا به ينزل من ظهر الباخرة رأسا على ظهر اليابسة رأسا ومن غير أن يستعين الراكبون بالافلاك الصغيرة التى كانت تشد الى الباخرة بأمراس من كتان وغير كتان فيهبط اليها الحجاج هبوطا عموديا مترجحا خطيرا بعض الاحيان وغير خطير بعض الاحيان . . فاذا استقروا فى جوفها الضيق الكارب وهى تميد ذات اليمين وذات الشمال بفعل الامواج الشديدة الهيجان بقرب جدة حيث ترقد الصخور والشعاب ، فانهم منتظرون أيضا تحميل أمتعتهم بهذا الفلك أو بمثله ، ثم تمضى الافلاك فى طريق متعرج مضيا شاقا عنيفا لأنها تشق طريقها بين الصخور والشعاب ، ولا غرو اذن أن يحدث الدوار لبعض الصفراويين من الحجاج ، ولا غرو أن تحدث المتاعب للجميع قبل بلوغ اليابسة . . فما يصل الحاج ، كما حدث لصاحبنا ، الى جدة الا وهو مرهق الاعصاب ، معنى صحيا وفكريا تم تتلقفه بيوت جدة المتلاصقة ، ويشرب من مياهها المقطرة الضئيلة فلا يرتوى ، ولا يجد غير ماء البحر
الملح ما يتوضأ به أو ينظف به ملابس احرامه . . ويبقى فى جدة ما شاء الله أن يبقى ، لا يتنسم هواء نظيفا ولا يرتوى من ماء نظيف . . ولا يرى شوارع واسعة نظيفة .
وأما اليوم فقد هاله اختلاف الحال عن الماضى اختلافا بينا ، واضحا لا لبس فيه ولا ايهام . . فقد نزل من الباخرة رأسا الى اليابسة وأنزل معه أمتعته وحقائبه فى سهولة ويسر ما بعدهما سهولة ويسر ، وأقبلت عليه حافلة ضخمة جديدة جميلة . . فأقلته هو ومن معه وما معه فى سهولة ويسر الى مدينة الحجاج ، ورأى فى الماء النمير العذب وفرة تذكره بانهار بلاده الغدقة الفياضة ، وتذكر عندها حركة العربات ( الكرو ) المزعجة التى كانت تقل الموسرين من الحجاج الى بيوت الوكلاء بجدة ، وتذكر الحمالين ، وتذكر البغال والحمير , فأطل ذات اليمين وذات الشمال فما شاهد شيئا من هذه الوسائل القديمة المرهقة . . وانما رأى صفوفا متراصة من ألوان السيارات الصغيرة والحافلات الكبيرة المريحة تقف بجوانب الميناء العظيمة الممتدة فى داخل البحر كلسان طويل عريض ، وتقوم على حافاتها مبانى الجمارك العامة ، وأماكن رجال الامن والاسعاف والحج . .
ولقد استغرب صاحبنا جدا من هذا التطور الذى ما كان يظن أنه يحدث بالحجاز فى ظرف مائتى عام . فاذا به يحدث فى عشرة أعوام . .
ولذلك رأى أن يستأذن صاحبه فى زيارة معالم جدة . . فأحضر له وكيل
مطوفه سيارة صغيرة من نوع ( الفورد ) من موديل ١٩٥٦ ، وأمر السائق أن يتجول به فى سائر أنحاء جدة القديمة والحديثة . . وقد هال صاحبنا أن يرى ( جدات ) جديدة لا جدة واحدة . . فقد اتسعت جدة طولا وعرضا حتى صارت عروس بلاد البحر الاحمر وأصبح فيها قصور حديثة من أروع طراز ، وأصبح بها فنادق عديدة فخمة ، وشوارع واسعة هى بسبيل السفلتة ، غير ما سفلت منها بالفعل . وهاله أكثر وأكثر هذه الحدائق النضرة التى تعمر كل قصور جدة الجديدة تقريبا . . وكان يعهد جدة بلدة صغيرة ناضبة قاحلة . يبحث الانسان فيها عن شربة ماء عذب فلا يجد الا قلة لا تملأ الكف مملوءا نصفها من ماء مقطر ليس بالملح ولا العذب ، أو مملوءة بماء الصهاريج المخزون المملوء بالدود والعفن والحيوانات المائية وغير المائية . . يشتريها الحاج متلهفا بقرشين أو ربع ريال فيفرغها فى جوفه . فاذا هو يستعر فيأخذ أخرى وأخرى حتى يكاد ينفق ما يجيبه من تفاريق . . ولما ينفد ظمؤه الكارب .
أما اليوم فالماء فى جدة وافر . . فهذه ماء العين العزيزية العذب يدخل كل بيت . . انه لقد فهم من سائقه ان هذا الماء ينصب فى دور جدة ودكاكينها وسائر مرافقها من أنابيب حديدية مدفونة تحت الارض . وأنه كاد يكون فى كل بيت ، وسعره رخيص ، وهو مضمون العواقب لأنه معقم من قبل أن يصل المدينة .
وسار صاحبنا طويلا . الى الجنوب
فاذا أحياء كبيرة منظمة واذا عمارات الاذاعة والتليفون اللاسلكى ، واذا بالمشارب الجميلة ( الفيلات ) المنشأة على أحدث طراز عصرى . .
وتساءل : مم يبنى كل هذا ؟
فعجب عجبا بالغا حينما قال له مرافقه السائق ( صابر ) أن البناء الآن حديث بكل معنى الكلمة . . فالاسمنت هو مادة بناء كل شئ الآن فى بلادنا ، وقد أهمل البناء بحجارة البحر والبر لما فيها من مشقة وعناء ولأنها لا تستقيم كما يراد ، أو كاستقامة البناء بالاسمنت المطواع على الاقل . .
ثم مضى الى الشمال فاذا هو يرى فى الشمال العجب . . الفنادق العظيمة ، فندق قصر الكندرة ، فندق جدة ، فندق قصر قريش , فندق الشرق ، فندق التيسير ، وغير ذلك من الفنادق المبثوثة فى جدة وفى أطرافها . .
والحاصل أن صاحبنا الحاج محمدا قد أمضى ثلاثة أيام ممتعة فى جدة . على غير ما كان يخال . . وصدق المثل العامى الذى يقول : (( ان الذى تخاف منه ما يجيئك أحسن منه )) . . فقد خاف صاحبنا من مزعجات الليالى ومرهقات الايام فى جدة . . بسبب رطوبتها ، وتضايق شوارعها . . . ولكن الذى سره الآن أكثر هو الكهرباء . . فقد استضاءت جدة وأصبحت فى كل ليلة عبارة عن شعلة وهاجة ، وتيسرت المكيفات بها ، فزال ضغط
الجو ورطوبته عنها . . وحمد صاحبنا الله على ذلك كثيرا .
وما أن عن له أن يتوجه الى مكة ، حتى داخله روع قديم . . انه كان قد ركب الجمل الوئيد الخطى من جدة الى مكة فى وقت صيف قائظ ، فكاد جلده ينتزع من فوق عظامه بسبب هذا الحرور . . وكان راكبا كوخا من غرائر وحطب لا يحجب الشمس ولا يمنع لفحات السموم . . وهو ما يسمونه ( بالشقذف ) . . وقد أمضى فى هذا العناء ثمانى ساعات فى حمارة القيظ ، ولكن صاحبه الوكيل يطمنه ويقول له : لقد تغير كل شئ . . ان الرحلة الى مكة من جدة هى اقصر رحلة ممتعة من بلد الى بلد . . سنحضر لك ولزملائك حافلة جديدة وثيرة واسعة عالية السقف مبطنة بما تمنع لفح الحرارة . . وتمضون فيها ساعات ، فتصلون الى مكة بعد ساعة ونصف ساعة فقط ان شاء الله . .
فعندها اطمأن صاحبنا وهدأ باله ، وحمد الله على ما حدث للبلاد المقدسة من تطور وتقدم أراح حجاج بيت الله الحرام . . وأزاح عنهم العناء والويلات والكروب . . هذا الى امن مستتب شامل لا يوجد له مثيل فى اى قطر من أقطار العالم ، وهذا بعد أن كان الحرمان وما بينهما مثوى اللصوصية المجرمة الطاغية . . فى عهود مضت . وكان صاحبنا الحاج محمد قد حج فى آخر بعض تلك العهود الماضية .
وكذلك صنع بصاحبنا ، وما أن دخل جوف الحافلة ( الاوتوبيس )
حتى أثنى على الله جل ثناؤه ، بما يسر له اليوم من عبادة وطاعة ، مع راحة ورفاهية نادرتين . ولكنه وهو فى طريقة الى مكة ، قال فى نفسه لنفسه : أترى أم القرى قد داخلها بعض هذا التطور الذى رأيت آثاره فى جدة وفى مرساها ومينائها وفى دورها وشوارعها وفى مرافق الحياة فيها ؟ . . أم ياترى لا تزال على العهد بها . . دور عتيقة متهالكة متلاصقة تقوم على أزقة متعرجة شديدة التعرج ، لا يمرق الشقذف الواحد من بينها الا بشق الانفس . . وتذكر عندها أنه كان نزل بالمحلة المعروفة بالشامية فى شمال مكة . . وتذكر ان منزله كان لا يصل اليه الا بدليل من شدة تعرج الازقة وضيقها وتداخلها مع بعضها . وتذكر أن هذا المنزل كان يصعد اليه بسلم من حجر متاكل عتيق تنزلق فيه الاقدام ، وانه كان قد سقط ذات مرة والتوت قدمه من جراء تلك السقطة . . فالتفت الى السائق قائلا له : أين منزل مطوفنا ( فلان ) ؟ . . قال له : ان فلانا قد كبر وشاخ فارتاح ، والقائم بأعماله الآن هو ابنه ( فلان ) وقد انتقل مطوفكم من المحلة التى تعهدها وابتنى له قصرا حديثا شامخا ذا حديقة غناء على طرف شارع المنصور . . وسيكون منزلكم هناك لديه ، والسيارات وفيرة عنده والحمد لله ، فطب نفسا وقر عينا . . وكلما اردتم الصلاة فى المسجد الحرام والطواف بالبيت الحرام أقلتكم سيارة صغيرة من سياراته وستظل فى انتظار أوبتكم أيضا . . وقد سفلتت الشوارع بمكة وعرضت واتسعت ،
وولى عهد الحمير والبغال والعربات الكرو الكاربة الى غير رجعة . . . فحمد الله على ما سمع ، وتمنى ان يصدق الخبر ، وعما قريب تظهر الحقيقة واضحة للعيان . . وما أن وصل صاحبنا مداخل مكة . . فى هذا الطريق المسفلت اللاحب الذى تسير فيه حافلته ومئات غيرها مثلها سيرا حثيثا وكأنها واقفة لا تريم مكانها من حسن تعبيده واستوائه وتساويه . . ما أن وصل صاحبنا الى هذه المداخل حتى شاهد ما هاله وأدخل برد السرور على نفسه . . فقد امتد العمران الى مسافة نائية . . هذه حديقة حافلة بالنخيل والمياه الثرة ، على جانبه الايمن . وهذه دور وقصور حديثة الطراز . . وتذكر سريعا أنه رأى خلال الطريق ما أدهشه ايضا فقد اتصل العمران بين مكة وجدة فغمرت الطريق بالدور والمقاهى والقرى التى تكاد تكون مدنا . . وهكذا تحولت هذه الصحراء التى كان يعهدها قاحلة تبعث الرعب فى النفوس الى قرى وعمران . .
ودخل مكة ومال به السائق ذات اليمين فاذا شارع لاحب مسفلت تقوم على جوانبه القصور الحديثة والمعارض الانيقة ودوائر الحكومة . . والدكاكين الجميلة . . ووقفت بهم الحافلة أمام قصر شاهق ذى خمس طبقات مبنى بالاسمنت ، ومبيض بالجص . . وتطل منه نوافذ حديثة كما يعهد فى بلده الحديث تماما . . وقال لهم السائق : هنا منزل مطوفكم القديم . . ولايزال ولله الحمد حيا يرزق ولكن العمر المديد
لجأ به الى اختيار الراحة لا سيما وان ابنه الشاب ( حسن ) يحمل عنه طائعا مختارا راضيا مرضيا كل أعباء المهنة . . فنزل صاحبنا من السيارة ودخل المنزل الفخم المضاء بالانوار الكهربائية . . والمكيف الهواء بالكنديشن ، والذى يطل على حديقة نضرة مملوءة بالازاهير الملونة الفواحة . . وكم حمد الله صاحبنا على هذه النعمة التى لا تقوم بثمن . . وبعد برهة أحضرت له سيارة صغيرة خاصة فنزل بها الى المسجد الحرام وصلى وطاف وسعى . . وتحلل من عمرته . وقد راعه التطور العظيم الذى شاهده أثناء سيره فى السيارة فى الشوارع التى مر بها بالدور والدكاكين وبكل شئ . . فآثر أن يتحين الفرصة ، فى غد ، ليطلب من ابن مطوفه ذى الاخلاق الرضية ، وخريج الجامعة . . أن يأذن له بالتجول بالسيارة على معالم مكة ساعة من نهار فان الفرصة مواتية ، والحج باق على اقباله بضعة أيام . . وجاء الغد المرتقب وهمس صاحبنا فى أذن صاحبه بما يرجوه منه . . فقابله ببشاشة وانطلاق جبين وقال له : (( غال طلب رخيصا )) . . وحياه واستحسن هذا منه ، فانه يدل على اسلامية عميقة ، فمحبة مكة وتقدير ما حدث لها من تطور حميد دليل على سلامة الطوية وعراقة الايمان . . وما ان أفطر صاحبنا ثانى يوم حتى أقبل عليه ابن المطوف النبيل . وقال له فى تواضع جم ولطف كريم : (( هيا يا عمى تفضل . . فقد احضرت لك السيارة على الباب )) . . فارتدى صاحبنا ملابسه ، واخذ عصاه التى
يتوكأ عليها بيده اليمنى ، وأقبل على الباب فاذا سيارة صغيرة من نوع ( الشفروليت ١٩٥٦ ) واقفة على الباب كالعروس المجلوة ، تنتظر الحاج محمدا . . وقد فتح له السائق المؤدب الباب ، ودخل السيارة فرحا منشرحا تعلو جبينه بسمة الفرح والسرور . . وقال له : أين تأمر ؟ قال الحاج : الى المحلات والشوارع التى ترى . . قال السائق : فأنا تحت أمرك على كل حال . . ومضى منطلقا بالسيارة كالسهم الى ناحية الشمال حتى بلغ بالحاج محطة كهرباء مكة . . فترجل الحاج وتجول فى عمارات المحطة مبتهجا . . وعجب كل العجب من هذا الذى كان . . أمكة المكرمة تضاء بهذه الكهرباء العمومية الضخمة وما كان يعهدها تضاء الا بمصابيح الغاز التى لا تضئ حتى نفسها . . . مضى بعد ذلك عائدا الى ناحية الشرق الشمالى فوقف به السائق على السد الحديث . . فراعته ضخامة السد وقوته ومانته . . ثم ذهب الى ناحية الجنوب فرأى مكة جديدة وعاد الى ناحية الشرق فرأى العمارات التى بنيت على أبدع طراز ، ثم شاهد الفنادق وغيرها .
فلما انتهى من ذلك قال للسائق : أريد أن أرى قلب مكة . . عن كثب ، فدخل به قلب مكة . . ولشد ما اندهش صاحبنا من الشوارع الجديدة التى افتتحت حول المسجد الحرام . . حيث كانت بقاعها مكتظة بالعمارات المتخربة القديمة المتهالكة المتداخلة . كما اندهش من مشروع توسعة
المسجد الحرام . . فهذا مشروع عالمى عظيم . . وأما المسعى فقد راع صاحبنا انه اتسع واستقام واقيم عليه سقف مرفوع من الاسمنت والحديد ، وهو ما يسمى فى هذه البلاد الآن بالاسمنت المسلح . . وكان صاحبنا بذكر المسعى معوجا ضيقا بما اخذت منه الدور المجاورة والدكاكين التى على شاطئيه . . وكان المسعى يموج بالصراخ والصياح . . صراخ الباعة وصياح الصيارفة . فلقد انصرفوا كلهم عنه الآن الى غير رجعة وخلا المسعى من السكان ليكون لمحض العبادة فهو مشعر من مشاعر الحج ، وصار الحاج اذا وقف على الصفا أو المروة يشاهد البيت الحرام كما كان عليه الحال فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام . . وعجب ان تزال كل هذه القصور العتيقة والاربطة المجاورة والدكاكين المجاورة فى طرفة عين . . وأعجب من هذا ان تفتح شوارع جديدة من اهمها الشارع الذى يصعد بالمارة من فوق الصفا ليفضى بهم رأسا الى الغزة ، فتبتعد المارة والسيارات عن طريق الساعين فى المسعى دفعة واحدة . .
وبقى صاحبنا الايام الاولى من ذى الحجة فى منزل مطوفه . مكرما معززا مرعى الخاطر ، فلم يشعر عنده مطلقا انه فى غربة بل انما هو فى منزل خير من منزله . . واوفر راحة منه ، واهنأ بالا واسعد حالا . فما بالك به وهو فى مكة المقدسة مع كل ذلك . .
وقد اقبل اليوم الثامن واشتدت حركة الحجيج ينزحون زرافات ووحدانا الى عرفة ، وصاحبنا يرى افواجهم تمر امامه فى هذا الشارع المسفلت المتمدد امامه ( شارع المنصور ) فاذا أقبل الظهر يجيئه المطوف ويحييه ويرحب به ، ويؤذنه بان الرحيل الى عرفة سيكون فى الساعة الثامنة بالتوقيت المحلى لمكة من ذلك اليوم . . وقد أعد سيارة خاصة صغيرة تقله معه ومعهما ابنه المهذب الذى يقوم بأعماله . . ويثنى الحاج على الله جل وعلا فى قرارة نفسه بما مهد له من عبادته مع راحة ورفاهية واضحتين . . ويمتطى معهما السيارة بعد ان يتناول معهما طعام الغداء الشهى اللذيذ . وكان الماء مثلجا بالثلاجة الكبيرة الماثلة فى سفل البيت . . وكانت الفواكه كذلك مثلجة ولذيذة . . وقد التهم صاحبنا الحاج منها ما لذ وطاب , وارتوى من الماء النمير البارد , وحملت السيارة معهم ثلاجة صغيرة تكفى لريهم وبعض الفاكهة
وفى طريق صاحبنا الى عرفة يرى العجب العجاب . . فقد كان الطريق الى منى طريقين اثنين احدهما يسمى درب المسكين للمشاة والآخر درب الركاب ، وكلاهما كان يعج بالغبار الذى يرتفع الى غبار السماء . . من وقع اقدام الوف المارة ومناسم الجمال وحوافر الحمير والبغال . . واما الآن فكل الطريق قد سفلت فلا غبار . . بل ان الطريق الى عرفة اصبح طرقا عدة تخترقها الوف السيارات المتنوعة من كبيرة وصغيرة فى سرعة خاطفة
ونظام دقيق ، واعجب ما ادهش صاحبنا هذا الطريق اللاحب المسفلت حيث شقت الجبال الشاهقة من داخل منى وقبلها ، فلما انتصفت المسافة فيها بالنسبة للارض سفلت الطريق ونظم ، فصار السائر فيه اذا اراد ان يرى ما بحواليه من شواهق الجبال المشقوقة لابد له ان يرفع رأسه الى فوق رفعا واضحا تاما . . انه لمشروع جبار خالد ، وضع لتأمين راحة الحجاج فى ترحالهم من منى الى مكة ايام الحج والنفرة .
وقد مضى صاحبنا ، الى منى وما هى الا دقائق واذا هو فى وسطها ، ولم يدر انه وصل الى منى الا بعد أن افاقه صاحباه فقد اعترته سنة من النوم ، اثناء سير السيارة الصغيرة وسط الجموع المتزاحمة الزاخرة ، ورأى فى منى ما جلب دهشته ، ايضا ، فمن أصبحت مخططة تخطيطا فنيا ، وقد ازيلت عشرات الدور والدكاكين والعمارات بها التى تعترض الشوارع فيها وفتحت شوارع عديدة بها ذوات تقاطعات مرتبة ، وهكذا دخلها التجديد والتنظيم وزال عنها الضيق الكارب . . كما جهزت بشتى المرافق الصحية والتابعة للامن العام وادارة الحج والاذاعة ، لتأمين رفاهية الحجاج وصحتهم وسلامتهم . . وقد ازيلت الدور التى تضايق الجمرات حيث ازدحام الحجاج شديد ، بل ان جبلا بتمامه يحجب جمرة العقبة ، ويضايق رماتها قد ازيل فيسهل الرمى على الحجاج ولم يكن هناك اى ضيق عليهم كما كان من زمان . .
ثم انطلقت السيارة بالصحاب الثلاثة الى مزدلفة فى طريق معبد واسع ، ورأى فى مزدلفة ما ادخل برد السرور على قلبه . . فهذا خزان عظيم للمياه العذبة ، وتلك تخطيطات لارض مزدلفة ، وتلك الشوارع تخترقها وهذه الشوارع معبدة ومريحة وواسعة ، وتلك الطرق الذاهبة الى عرفات تحف بمزدلفة من كل الجهات . . وكل هذه الطرق على ما يرام من التنظيم ومراعاة حسن السير وراحة السائرين . .
وفى عرفات يشاهد مثل ما شاهد فى منى ومزدلفة ، من تنظيمات حديثة تسر الناظرين . . وتلك كتخطيط المنازل للحجاج ، وتنظيم الشوارع ، وسفلتة الشوارع والطرق ، وتوفير المياه العذبة الصحية للجميع . .
ويقضى الحاج الصالح مناسكه قرير العين ، مسرور الفؤاد ، ويعود الى مكة فيعتمر ، ويمكث بضعة ايام فى دار مطوفه ، مكرما معززا ، مرعى الخاطر ، ويستبد به الشوق الى زيارة المسجد النبوى . . فقد اتم نسكه ، وبقى عليه امر يهمه جدا وهو زيارة ذلك المسجد والسلام فيه على سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ، وعندها يتذكر ما كان قد قاساه من المشاق . . مشاق السفر المرهق على الجمال الثقيلة الخطى جاثما ليل نهار فى كوخ صغير من الغرائز والحطب ، يضاف الى ذلك خوف محيق به من كل النواحى من
صولات لصوص الاعراب فى هذا الطريق الملتهب الطويل . . المرهوب ولكنه الآن وقد شاهد بعينى رأسه ولمس بنفسه آثار التطور فى الحجاز يمضى فى عزمه على الزيارة قرير العين وقد فهم من المطوف ان الطريق الى المدينة قد ناله مثل ما نال طريق جدة - مكة ، من التعبير والسفلتة فهو مريح الآن الى الغاية . . ومن نافلة القول ان الامن مستتب .
وبعد ان تناول طعام الافطار مع مطوفه الشيخ الحبيب همس فى اذنه قائلا : انى لا استطيع ايفاءكم حقوقكم من الشكر والتقدير بما قابلتمونى به من ترحيب وعطف واكرام , والآن قد بلغ بى الحنين الى رؤية مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والسلام عليه فيه مبلغا عظيما . . فأرجو ان تأذنوا لى بالسفر ، مع ان قلبى لديكم دائما .
فيقول له المطوف : خير ان شاء الله . . اننا تحت رغباتك يا حاج . . ولكن ستدخلنا وحشة من فراقك يا سيدى . . وعلى كل فالاعتماد على المحبة المغروسة فى أعماق القلوب . . فسامحنا اذا نحن اخطأنا من غير عمد فى حقك وواجبك .
قال الحاج اللطيف : استغفر الله لم يحصل منكم الا كل فضل . . فارجو ان تعفوا انتم عنى إذا هفوت أو كلفتكم . . وقد كلفتكم كثيرا .
فيجيبه المطوف النبيل : حاشا
وكلا ، ما قمنا الا ببعض الواجب نحو ضيف من ضيوف الله ، فى بلد الله الحرام . .
ويهيئ له المطوف سيارته الصغرى ويمتطيها فى أصيل ذلك اليوم بعد ما هيأ له المطوف الماء المثلج والزاد الوفير . . ويودعه ويودع ابنه فى تأثر وامتعاض من ألم الفراق . . وتمضى به السيارة الصغيرة تتهادى فى طريقها المعبد السوى الى المدينة المنورة . . وما تكاد تمضى خمس ساعات ونصف الساعة على سيره من مكة الا وقد بدت له فى ضوء القمر الساطع رؤوس مآذن المسجد النبوى الشريف . . لقد ارتقى التل المعروف باسم ( المفرحات ) فشاهد ما شاهد فرقص قلبه طربا ، ودخل المدينة بعد العشاء ، وصلى بالمسجد النبوى الشريف ، وسلم على رسول الله عليه السلام وعلى صاحبيه رضوان الله عليهما ، ومكث فى المدينة لدى الدليل الذى يقوم بشؤون حجاج مطوفه . وكان هذا الدليل ايضا مثل المطوف مثال الاخلاق الرضية ، والمعاملة الحسنة . والدعة والنزاهة والاستقامة وقد سر صاحبنا الحاج من مشروع توسعة المسجد النبوى . وراعه جمال هذه التوسعة الجديدة وضخامتها
وشكر القائمين بها وبزميلتها توسعة المسجد الحرام ودعا لهم من صميم قلبه . . وبعد ما امضى بضعة أيام هنالك وتجول فى انحاء المدينة ورأى معالم الهدى واحس ببرد اليقين وراحة الضمير فى تلك الربوع الطاهرة . . وشاهد معالم التجدد والتنظيم فى بلد الرسول الكريم عاد الى جدة مبتهجا مغتبطا ، وفى اربع ساعات ونصف الساعة كان فى منزل وكيل المطوف بجدة فاستقبله بترحاب واكرام . . ومكث عنده ثلاثة أيام فلما آذنه بان السفر سيكون غدا بالباخرة . . فضل الطائره على الباخرة لسرعتها وهذا عصر السرعة فعمل له وكيل المطوف الترتيب اللازم لهذا التعديل المفاجئ . . وقبيل سفره الى بلده جوا رأى من الحسن ان يعتمر ومن الوفاء ان ينزل يوما واحدا لدى مطوفه الكريم . . فاتجه الى مكة وطاف وسعى ونزل ليلة سعيدة لدى مطوفه ، وفى صبيحة اليوم التالى توادعا وداعا حارا وعاد الى جدة حيث امتطى فورا طيارة ، من طراز ( اسكاى مستر ) وسرعان ما هبطت به الى بلده البعيد . . كان ذلك فى سبع ساعات على قيامها من مطار جدة .

