قيض الله له ان يحج في عامه هذا . . كحجه فى عديد من سوابقه . .
وصعد الى مني . . وهبط محسرا
ومر بمزدلفة . . واعتلى جبل الال - عرفة
وعاد ادراجه من حيث الطريق الاول الذي سلكه . .
وبين الغدو والرواح . . تراءت له الحياة . . وانقشعت امامه سحابة ما بعد الحياة . . فبدأ له الافق ناصعا الا من قول " اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا . . واعمل لآخرتك كانك تموت غدا " . .
والتمس واقعه الذي هو فيه . . فعجب واستعظم ما هو فيه . . فبين وهاد تلك المشاعر المحببة للقلوب . .
ومن خلال ذلك الزى الموحد الناصع البياض . .
وفي ظلال تلك الكتل البشرية والآلية التى عج بها الحجيج . .
في ثنايا ذلك كله . .
تفرعت المرئيات أمامه كحدث كائن . . ف " من " عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها " . .
وتوحدت كأجل مكتوب . . كل نفس ذائقة الموت " . . وتلاحقت المرئيات . . فكان يستحثها السير آنا . . ويرجوها ان تمهله آونة اخرى . . وكان يقف اغلب الاحيان وعندما يعز عليه لحاقها . .
فيتروى فيما عرضته افراديا . . وينيب الى الله فيما بسطته اجماليا . .
وتكاتفته الحقائق . . وآلمت به عوامل المد والجزر . . فقبع يرضى من ذات نفسه أو بغير رضاها يحصى ما اتى . . ويفند ما جني . . واختار ان يسلك الطريق من أوله .
فتخيل طفولته الغضة . . وشبابه اليانع . . ومن ثم رجولته القائمة . . حتى كهولته المقبلة . . ولحده المحتوم لم يفته نظره . .
واسترسل في المشاهدة . . وتضخمت الحقائق والارقام . . فعجز عن متابعتها .
فقال : لاختر أسهل الطرق واكتف بما رأيت وشاهدت . واضع النتيجة الختامية
أو كما يقال " خلاصة الحساب " . . ترى ماذا وجد ؟ . . وجد انه مع كل ما بلاه في حياته ضئيل فقير الى رحمة الله ورضوانه واحسانه وغفرانه .
وطغي عليه شعور روحي فانتفض وردد في أعماقه . .
لبيك اللهم لبيك . . انا عبدك جئتك بذنوب كثيرة التمس غفرانك وتبت اليك ، . .
واختلط رجاؤه وتوسله باصوات وهمسات من يلبون ويستغفرون ويسترحمون . . وتشابه النداء . .
ودفعه عامل نفساني لأن يميز ما يعتمل في صدره . . ويتردد في أعماقه . .
فقال . . وهو اكثر عزما وقوة ؛
" لك الحمد يارب والنعمة لك والملك لا شريك لك * . .
ورجع اليه صدى تلك الاصوات المؤمنة الخاشعة يحمل نفس ما ذكر واعترضت ذاكرته الآية الكريمة :
" يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتي الله بقلب سليم " .
فقال : كلهم لبوا نداء الله عز وجل بقلوب سليمة وافئدة واعية مطمئنة لرحمة الله وعفوه وغفرانه بعيدة عن الفوارق والطبقات . . سواسية كأسنان المشط . .
وحل المساء . . واقبل الليل البهيم . .
وسمع المؤذن يدعو للصلاة حتى قال :
" اشهد ان لا اله الا الله وأشهد ان محمدا رسول الله " . فنهض مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم يريد صلاة الجماعة .
وفي الطريق صادف رجلا مسجى على
الارض مرتديا الاحرام الناصع البياض . فى عينيه ترتسم امارات الرضى والطمانينة . . وآخر قائما يذكره ويدعوه لان يقول : " اشهد ان لا اله الا الله . . وأشهد ان محمدا رسول الله * . .
وقفزت الى ذهنه الآية الكريمة : " وجوه يومئذ ناعمة لسعيها واضية ، فى جنة عالية ، لا تسمع فيها لاغية ، فيها عين جارية ، فيها سرور مرفوعة ، واكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة " . .
وطفرت من عينه دمعة ساخنة . . وتمني ان يكون ذاك . . وعاود السير وهو يردد الشهادة . . ويقول تلقائيا :
" ان الابرار لفي نعيم ، على الارائك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم .
وبين الغدو والرواح . . عادت الحياة تطل براسها من جديد . . وانقشعت أمامه سحابة ما بعد هذه الحياة . . فبدأ له الافق ناصعا مسجلا فيه بأحرف من نور . .
" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " .
وانتهت ايام التشريق . . وعاد لداره واهله في زى جديد . . بل واكثر من ذلك فقد عاد اليهم - والعود أحمد - وهو يحلم بذلك المصير الذي لقيه ذلك الرجل المسجى ويعد له ما استطاع من صالح العمل الذي يسال الله العلى القدير . ان يمده به . . ويهيئه للقيام بأوده . . ويساعده على اتيانه . . هو الهارب من الذنوب والخطايا . . الملتجيء الله . .

