( اشخاص الرواية )
حاكم البلدة مدير البوليس الدكتور براك - استاذ الاخلاق فى كلية البلدة وتـــــــــــــــــــــــــونى - احد تلامذة الاستاذ براك وجورجيت - خطيبة تونى وسكرتيرة فى مكتب الحاكم . وكارل - مدير السجن وطبيب البلدية -
" الهرب من الليل " قصة فى اربعة مشاهد ، تجرى وقائعها فى بلدة هادئة فى البلقان عرفت بوداعة أهلها وتضامنهم وحبهم للحرية
( فى الحديقة العامة . وقد جلس الدكتور " براك " استاذ الاخلاق فى كلية البلدة على مقعد تكتنفه الزهور والرياحين . وهو رجل نحيف الجسم فى حدود السبعين ، قد كل الشيب رأسه الا أنه بقى محتفظاً باكثر نشاطه ، ذلك النشاط الذى يضئ فى عينيه الزرقاوين الكبيرتين ... يمر مدير الشرطة بكتفيه العريضين وبسمته المشرقة ، وهو صديق قديم للاستاذ ... )
المدير : طاب مساؤك يا استاذ ..
براك : طاب مساؤك يا حضرة الضابط ، انه طقس جميل تطيب فيه النزهة ويحلو التجول فى معارج الحديقة العامة ... تفضل اجلس ... لقد أنست بهذا المعقد منذ من اكثر من عشرين عاما واصبح عندى بمثابة زاوية من بيتى ...
المدير : آه ... منظر بديع حقا ... ويقال ان الفضل فى تجميل هذا المكان يرجع
اليك .. فقد غرست اكثر الورود والرياحين في هذه الزاوية وتعهدتها فى جميع الفصول .
براك : وقد شاركنى فى ذلك تلامذتى الذين تعودت المجيء بهم الى هنا لمراجعة الدروس ، وطالما استعضنا عن غرفة الدرس بخميلة الزهر . فتضاعف السرور والفائدة
المدير : وهكذا يظهر لى يا أستاذ أنك تغرس الورد ايان كنت وحينما حللت فى لحديقة او فى الجامعة . ان تلامذتك يحملون رسالة المبادىء القويمة التى تغرسها فى فوسهم ويخدمون البلاد خدمات لا تنكر ..
براك : شكراً يا حضرة المدير . وكيف حال الشرطة ... فى هذه الايام . ؟؟ وكيف حال الأمن تحت حكومة العهد الجديد ؟؟؟
المدير : اننا نعيش فى ايام شريرة يا استاذ و بالرغم من الهدوء الخارجى الذي يسود اكثر الاماكن فهنا مخاوف ووساس فى كل مكان ... ان سيف التطهيرات الذى
تسمع بوقعه فى العاصمة لم يصل بعد الى بلدتنا السحيقة ولكنه قد يحل بيننا فى وقت من الاوقات .
براك : لا تتشاءم زيادة عن اللزوم يا حضرة المدير اننا نقوم بواجبنا لنشر الحق فاذا لحق بنا الظلم نتابع القيام بواجبنا حتى يفنى الظلم أو يفنينا ...
المدير : انت على حق يا استاذ ، لقد اصبح التشاؤم كالوباء السارى فى هذه الايام قلما نجا منه الا الاقلون امثالك ... وهو المسؤول عن تقاعس الكثيرين من المصلحين .. ولكن ما لنا استغرقنا فى الحديث ، عليَّ ان اسرع قبل ان يدرك زوجتى التشاؤم ويبرد طعام العشاء ... طاب مساؤك يا أستاذ ...
( الاستاذ يستغرق فى التفكير وقد برز القمر من وراء التل وبرزت الحمائل واكتسبت اشكالا تميزها عن بعضها ... يمر به شاب وفتاة .. )
الشاب والفتاة ( مقتربين ) : مساء الخير يا أستاذ ...
براك : مساء الخير ؛ اهلا وسهلا توني .. تفضلا .. اجلسا .. لم يسبق لي شرف التعرف على هذه الصبية
توني : يا استاذ : هذه خطيبتى جورجيت .. وهى تشتغل فى مكتب الحاكم الجديد ...
براك : اهلا وسهلا . تشرفنا يا عزيزتى . توني . أرى انك قد احسنت الاختيار ان خطيبتك تنافس الورود فى صباها الغض وجمالها النادر ...
جورجيت : انه ضوء القمر يا استاذ لا يبدى الا المحاسن ، شكرا على هذا الاطراء الجميل ..
تونى : آسف يا استاذى ان الوقت ليس وقت مجاملات . لقد كنا نفتش عنك منذ اكثر من ساعة . فلدينا أمر لا يقبل التأجيل نريد رأيك فيه .. هل يمكنني الكلام هنا ؟؟
براك : دعنى أرى ... أظن اننا فى منجى من المتلصصين المستطلعين .. هات ما عندك يا عزيزي تونى ..
تونى : حدثيه ياجورجيت بما تعرفين . قلت لك ان جورجيت تشتغل فى مكتب
الحاكم وقد اطلعت مصادفة على رسالة فى منتهى الخطورة حدثى الاستاذ بما قرأت يا عزيزتي .
جورجيت : لقد عثرت على الرسالة مصادفة وهى من البريد السرى الذى يقرؤه الحاكم رأساً ولا يسمح لاحد من الموظفين بالاطلاع عليه والرسالة من وزارة الداخلية فى العاصمة تدعو الى تطهير الادارة والبوليس فى بلدتنا هنا ممن لا يدينون بمبادىء الشيوعية ليحل مكانهم موظفون دربوا خصيصى لهذه الغاية فى موسكو .. وستبدأ الاعتقالات حالما يعود اولئك الاشخاص من مخيمات التدريب
براك : لقد كنا نتوقع ذلك منذ اصبحت بلادنا تحت النفوذ الشيوعى والظاهر ان تأخر حدوثه ناجم عن قلة الخونة ..
جورجيت : وليس هذا كل شئ .. بل ان ما يسمونه بالحملة التطهيرية سيشمل المدارس والكليات والجامعة التى تدرس فيها ...
توني : وهذا ما اهاب بنا لنسرع ونخبرك بالامر لعل عندك حلا مرضيا لهذا المشكل.
براك : حلا مرضيا ؟ كأن الأمر مسألة حسابية .. وهل من حل لمشكلة الليل إذا خيم ؟ نحن ازاء هؤلاء الناس اشبه بالشياه احاطت بها الذئاب واصبح مصيرها رهن نزوات هذه الوحوش الكاسرة ..
جورجيت: بامكانك يا استاذ ان تدارى هؤلاء السفهاء وتدعي ولاءهم ريثما تفرج الكربة وتزول الغمة .
براك : معاذ الله يا بنيتى . ان الخادم العام مثلى اشبه بالجندى . اذا نزع عنه لباسه انحط الى درجة الجواسيس وحل اعدامه واذا تغير امثالى مع كل ريح فاى مثال نعطى للنشء الجديد الذى ربى على الاقتداء بنا .. ؟
توني : ولكن مضيك بالتغنى بالكرامة الفردية وحرية المجاهدة بالآراء والمعتقدات يعرضانك لاشد انواع العقاب وربما للموت .
براك : حسنا قلت اذ قلت " ربما " . ولكن ممالأة اولئك الناس معناها
الموت الأدنى المحتوم .. لذلك انا اختار اهون الأمرين معللا النفس بربما ..
جورجيت: والآن قد أدينا رسالتنا علينا بالعودة لننبه الآخرين .. طاب مساؤك يا استاذ.
براك : طاب مساؤكما ايها العزيزان وشكرا على هذه الخدمة
توني : العفو . هذا واجبنا يا أستاذ .
المشهد الثانى
( بعد مضى أسبوعين فى احدى غرف السجن ؛ الأستاذ براك جالس فى العتبة : يدخل مدير البوليس ) ( تسمع أصوات مفاتيح )
المدير : مساء الخير يا أستاذ
يراك : مساء الخير يا حضرة المدير .. ماذا أتى بك؟؟
المدير : ان المدير يريد منك اعترافاً صريحاً بصحة جميع ما ينسب اليك من تهم .
براك : قلت لك تكرارا ليس عندى ما أقوله زيادة عما ذكرته امام المستنطق ...
المدير : ولكنك تعلم كل ما ينتظر كل من يلتجىء الى العناد . ان لدى الادارة الجديدة اساليب للتعذيب لم تعرفها القرون الوسطى .
براك : وماذا يريدون منى ان اعترف ؟...
المدير: خذ هذه لائحة الاتهامات . عليك اولا ان تعترف بأن الدول الغربية قد وشتك لتسميم عقول الشبيبة ، وتزرع فى نفوسهم بذور الثورة على النظام الحديد .
براك : جوابى على هذه التهمة اننى انادى بحرية الفكر وكرامة الفرد دون حاجة الى من يدفع لى اجوراً أو رشوة ...
المدير: وعليك ان تدل الحكومة على مخبأ اموال الكنيسة الارثوذكسية .. فلدى الحاكم ما يثبت ان امين الاوقاف قبل هربه قد استأمنك صندوقاً يحتوى على اموال وحلى وتحف تقدر بالملايين ...
براك : كان ريعها يستعمل قبلا للانفاق على المشروعات الخيرية ..
المدير : والآن أين الصندوق ؟؟؟
براك : لنفرض اننى لا اعرف مكان الكنز فلن يصدقنى الحاكم فهو باشد الحاجة للمال لمكان انصاره .. واذا كان الصندوق عندى فان من واجبى ان لا ابوح بمكانه مهما كف الامر ... هذا خير ما يرجى من رجل يحترم نفسه ...
المدير : ( يمشى الى الباب ) : لا تقل اننى ما انذرتك يا استاذ . ان عاقبة تمردك وعنادك ستكون وخيمة حقاً . وسيؤلم اصدقاءك وتلامذتك ان يروك تحارب فى هذه المعركة الخاسرة . لا تقل انتى قصرت فى واجبى ... والآن وداعاً .
( يخرج المدير من الزنزانة إلى مكتب مدير السجن ... )
المدير : طاب نهارك يا كارل ..
كارل : طاب نهارك .. ولا تنس ان تنادينى بالرفيق مرة ثانية .. ان للجدران آذانا وعلينا بمداراة حكام الزمان .
المدير : لست أدرى الى أى حد يسمح لى ضميرى بالمضى فى هذه المهزلة .. تصور انهم اوعزوا الى بتعذيب الاستاذ حتى يعترف ...
كارل : وهل فعلت ذلك ؟
المدير : ان هذا فوق مقدرتى .. ان الرجل كان لي بمقام الوالد . وله على شباب هذا البلد فضل لا يمكن نسيانه فكيف نكرانه. يستحيل علي ان امد يدى اليه .. يستحيل .
كارل: ولكنك فى هذه الطريقة تعرض نفسك والاستاذ للخطر ...
المدير : أعرف ذلك . ولا اكتمك انى كنت فكرت مرارا بالهرب إلى الحدود والالتجاء الى احدى الدول الاخرى قبل ان يستفحل الامر . ولكن ضميري لم يسغ لي ذلك . وقد قررت البقاء بوظيفتى لاستعملها فى تخفيف وطأة العقاب عن الضحايا ... لقد خضنا الحرب الماضية ضد النازية فقهرناها . أفنجبن الآن امام خطر الشيوعية ؟؟
كارل: ولكن المسؤولين سيكتشفون الحقيقة عاجلا أو آجلا ... فماذا ستفعل عندئذ؟
المدير : اترك ذلك للظروف . ان طبيب البلدية معنا قلباً وقالباً وبانتظار النتيجة
المحتومة ، دعنا نوهم الحاكم واعوانه اننا ننفذ اوامرهم بالحرف ، فى اضطهاد وتعذيب كل تسول له نفسه مخالفة النظام ...
كارل : امرنا لله ... انها لعبة خطرة تطلب كثيرا من الدهاء والحيطة .. وستجد عندى كل ما تريد من مساعدة ..
المدير : شكرا يا عزيزى ... والآن سامضى بالتقرير الى " الرفيق " الحاكم ...
المشهد الثالث
( فى قصر الحاكم بعد مضى شهر تقريباً .. وقد جلس الحاكم مع بطانته وطائفة من الموظفين بينهم مدير البوايس ومدير السجن وطبيب البلدية ) ... الحاكم : لقد دعوتكم لأروى لكم حادثا اشبه بالخيال .. لقد ضاعت اتعابنا واصبحنا مهزلة لدى المسؤولين فى العاصمة بعد ان اخفقت جهودنا فى حل أى مشكل او كشف القناع عن سر واحد ..
المدير : ربما كنا بحاجة إلى زيادة من الوقت ومزيد من رجال الشرطة ...
الحاكم : ان عناد ذلك الاستاذ ضيع علينا فرصتنا الذهبية . ان الاموال التى اودعت عنده كان يمكن ان تكفل رضى المسؤولين ليس فى عاصمة البلاد فقط بل فى الكرملين ايضاً ..
كارل : ولكننا لم نقطع الامل حتى الآن ...
الحاكم : وما رأى مدير البوليس فى الامر ؟ لقد عرف بالدهاء وحسن المشورة .
المدير : إننا كما قلت نحتاج إلى مزيد من الوقت والصبر ايها " الرفيق " ان الاشخاص الذين نعاملهم اقوياء الشكيمة شديدو العناد .
الحاكم : وما رأى مدير السجن فى الامر ؟ وهو العليم بالاساليب الفعالة لانتزاع الاسرار من الصدور ...
كارل : رأيى رأى مدير البوليس ، ان الصبر والوقت كفيلان بحل أكثر المشاكل يا حضرة " الرفيق " الحاكم .
الحاكم : وما رأى طبيب البلدية الذى كان يشرف على صحة السجنى الذين تستعمل فى استنطاقهم بعض اساليب الشدة الضرورية ؟
الطبيب : ليس عندى ما أزيده على كلام زميليَّ : مدير السجن ومدير البوليس ، أيها " الرفيق "
الحاكم : لعلنا كنا نغالى فى استعمال الشدة والعنف . لعل اللطف يفيد اكثر مما تفيد الشدة مع اولئك السجنى .
المدير : أرى أنك على حق يا حضرة الحاكم فالجماعة يحاربون فى سبيل مبادئ لا يتزحزحون عنها .
الحاكم : وما رأيكم لو جربنا العفو واطلقنا سراح بعض المعتقلين كالاستاذ مثلا ؟
كارل : هذا قول حكيم ، والاستاذ رجل يحبه اهل البلد جميعا واطلاق سراحه يجذب اكثر الاهالى الى تأييد النظام الجديد .
الحاكم : ( يضحك مقهقهاً ) ... لقدن آن لهذه المهزلة ان تنتهى . . لماذا تظنون اننى جئت الى البلد ؟ الكى أقيم تماثيل للخونة وانظم خلايا لدعاة العصيان ؟ أو تظنون اننى لم أكن على علم بخيانتكم منذ قدومى الى هذه البلد ؟ ولكننى تظاهرت باغماض عيني عن العابكم الصبيانية لاعرف الخونة واحداً واحداً .. وقد عرفتهم وعرفت شركاءهم ... لقد دسست الرسالة امام عين تلك السكرتيرة البليدة لتتصل بكم؛ وليتصل بعضكم ببعض فلا يبقى خائن الا واعرفه .
كارل: ولكننا يا حضرة الحاكم
الحاكم : إخرس لقد حان كشف القناع ... إن الجش قد استولى على البلد ويجرى الآن تفتيش منازل جميع المشتبه بهم وعلى رأسهم أنتم .
الطبيب : ولكن هذت غير مشروع لم تثبت الجريمة على واحد منا . اننا ابرياء ...
الحاكم إخرس أنت ايضاً ... إن الاموال التى اودعت فى هذا البلد ضرورية للحزب وسنحصل عليها حتى لو ادى الامر الى انتزاع ارواح جميع السكان كباراً وصغاراً . ان مصلحة الفرد لا قيمة لها .. ايها الحارس ادع الجنود ..
المشهد الاخير
( فى قاعة السجن : وقد اكتظت بمئات الموقوفين على مقربة من غرفة الاستاذ براك )
المدير : وهكذا ترى يا استاذ اننا لم نطق صبرا ًعلى فراقك فاتينا لنأنس بحديثك اللطيف أليس الامر كذلك يا كارل ؟؟
كارل : اننى بوصفى كنت مدير السجن حتى عصر اليوم .. اطالب ببعض الامتيازات من خلفى إذ لي الفضل عليه فلو لم اعتقل لما فاز بالوظيفة الجديدة ...
الطبيب : وهذا بعض ما انتظره من الطبيب الذى خلفنى ، فلعله يعطينى زيادة من المخدر حتى لا اتألم عند وقع السياط ...
تونى : وهكذا ترى يا استاذ ان الاكثرية هم من تلامذتك فهل لك ان تلقى علينا بعض الدروس ؟
الاستاذ : لا معلم كالتجارب ولا مثقف كالآلام .. ومن يرهب الألم الجسدى فهو لا يعرف وطأة الضمير .. ومن لا ضمير له ، لا هو يسعد ولا يشقى .. وهنيئًا لمن يحتفظ بالحساسية الدقيقة فله الشعور الاكبر بلذة التضحية فى سبيل المبادئ ...
جورجيت : لقد بلغنى انه سيجرى اعدام الموظفين السابقين بعد منتصف الليل ..
الاستاذ: وماذا بلغك عنى يا عزيزني جورجيت ؟
جورجيت : انت ثمين لا يمكنهم التفريط بك حتى تطلعهم على سر اموال الكنيسة... فتشدد لما ستلقاه من عذاب ...
الاستاذ : وماذا سيفعلون بالنساء والاحداث ؟؟
جورجيت : سيرحل افراد اسر المعتقلين الى مخيمات الاعتقال حيث يقاسون البرد
والجوع والقسوة حتى يقضي الله امرا كان مفعولا ... انهم ينهجون سيراً معروفاً الى شل قوة التفكير فى كل بلد ، فيعدمون المفكرين ويقضون على الرؤساء حتى لا يبقى سوى السائمة والضعفاء صغار النفوس ..
المدير : بعد نصف ساعة سيحل القضاء المحتوم فليخل كل منا بنفسه يحاسبها عن ذنوبها ويطلب من ربه الغفران ...
الاستاذ : اللهم رحمتك وغفرانك ...
( تسمع صوت اجراس وضجيج فى الخارج )
المدير : ما هذه الضجة وقد قارب الليل الانتصاف .؟.؟.؟
كارل : لعلها مظاهرة لأعضاء الحزب الشيوعي ؟. تطالب بالاسراع باعدامنا ...
( تقترب الضجة )
المدير : انظر يا كارل من النافذة واصدقنا الخبر ، ماذا ترى ؟
كارل : أرى البلد قد زحفت عن بكرة ابيها ومشت الى باب السجن تحمل المشاعل وأرى شرذمة قد أحاطت برجل مكشوف الرأس مشعث الشعر وكانها تستعمله ترساً تتقى به رصاص الحرس سبحان الله ! انه الحاكم بعينه ... ان الحاكم يصدر أمره فيفتح الباب ويدخل مع الشرذمة المحيطة به وتبقى الجماهير بالانتظار ... ان الموكب يقترب ...
( يسمع جلبة وصوت اقدام )
- نريد غرفة الاستاذ أولا .. - هنا الاستاذ ..
الحاكم : افتح الزنزانة ايها الحارس .. افتح جميع الابواب واطلق جميع السجنى
الطبيب . ما هذا يا حضرة الحاكم ؟ هل عدنا إلى سياسة التفاهم واللطف ؟؟؟
الحاكم : لقد عصى الجند أوامرى بعد ان زرعتم فى صدورهم بذور العصيان . هذا يومكم .. ولكم اصبروا حتى تأتى النجدات غداً .. فتندمون حين لا ينفع الندم .. اخوجوا ... أنتم احرار ... اخرجوا ... ( سكوت ثم حركة بين السجنى )
الطبيب الى اين نخرج ... وهل هناك مهرب من الليل ؟ اننا فئة قليلة فى أمة هانت بلا عز ، واستبدت بها قوى الطغيان ، فلم يبق فيها ملاذ يعتصم فيه الانسان ويأمن فتك الذئاب .
كارل . يمكننا ان نتخفى ويذهب كل منا فى جهة
الطبيب: ونعيش فى جو من الخوف والذعر لا نهاية له هذا عقيم .
الاستاذ : عندى رأى توصلت اليه فى الايام الاخيرة ان الليل لا مهرب منه ، ولكن له نهاية فاذا تمكبا من الالتجاء الي مخبأ نرصد فيه الفجر ونتهيأ له ، نكون قد خدمنا انفسنا وبلادنا ...
المدير : وماذا تقصد بذلك يا استاذ ؟؟؟
الاستاذ : نقطع الحدود ونلجأ الى احدى الدول الاخرى ونعمل هناك استعداداً لتحرير بلادنا ... الطبيب: ولكن الطريق طويلة ومحفوفة بالمكاره ...
كارل : وبقاؤنا داخل الحدود اطول واكثر خطراً ... اننى معك يا استاذ ..
الطبيب: من يكفل ان الدولة المجاورة ستقبلنا فقد يكون مصيرنا مصير من هرب من الدب فوقع فى الجب !
الاستاذ: عندى براهين قاطعة على ان تلك البلاد قد قبلت الوف اللاجئين ...
المدير . لا مكان للتردد .. هيا بنا ..
كارل : وماذا نفعل بالحاكم ؟ ..
المدير: نأخذه معنا رهينة حتى نعبر الحدود : انه زوج ابنة وزير الداخلية ويعز على الوزير ان تترمل ابنته .. هيا بنا ..
الاستاذ : ان النفس تتوق الى الحرية كما تتوق الزهور والرياحين الى ضوء الشمش المحيي هيا بنا الى الحرية الفردية .. اشبه بزهور الشمس التي تتبع وجهة النور ..
الجميع : هيا بنا ...
( انتهت )
