كان الوقت قبل العصر وقد رجع مع رفيقه من رمى الجمار الى خيمتهما الصغيرة المنصوبة على جانب من جوانب سوق العرب . . كانا يريد ان التهجاع لفترة قصيرة بيد ان حرارة الخيمة ، وتوهجها لم يسمح لهما بما ارادا .. وبقى كل منهما مضطجعا سابحا فى خضم من الافكار البعيدة والقريبة ولو ظلا فى هدوئهما مدة طويلة لتسلل النوم الى اجفانهما ، ولكن خادمهما - وكان رجلا ثقفا لقبنا- قام واعد لهما شايا جميلا منعنا فاعتدلا في الجلسة وبدأا فى تناوله ومن لوازم شرب الشاى لا سيما بين الاصدقاء والاصحاب التحادث والتنادر ، فالتفت احدهما الى الآخر وقال :
نحن الآن في ايام التشريق وهي أيام اكل وشرب وعبادة ، وقد انتهينا من رمى الجمار وسنقوم بعد قليل لصلاة العصر . . فحدثنا- ونحن نشرب الشاى - حديثا ممتعا خفيفا على القلب والسمع مجردا من المبالغات والزيادات والتحسينات
فقال له الآخر - انها شروط قاسية قد لا استطيع الوفاء بها فيما لو انشأت الحديث من تلقاء نفسى ولذ اقترح عليك ان تختار موضوعا وتسألنى فيه .
قال الاول - اذن دعنى اوجه اليك
هذا السؤال : لماذا سميت هذه الايام بأيام التشريق ؟
قال الآخر : سميت هذه الايام بأيام التشريق لان العرب كانوا يشرقون اللحم بعد تقطيعه وتقديده أى يعرضونه للشمس ، وهناك رأي آخر أخذ به ابو عبيد القاسم ان هذه الايام تبتدئ من بعد شروق الشمس فانسحب عليها كلها اسم التشريق ولكن القول الاول اشهر وارجح ، وازيدك علما ان لكل يوم من ايام التشريق اسما خاصا فاليوم الاول يعرف بيوم القر ( بضم القاف ) واليوم الثاني يوم النفر الاول ويعرف كذلك بيوم الرؤوس واليوم الثالث هو يوم النفر الثاني او يوم الاكارع .
قال الاول - احسنت ، ولماذا اسميت هذه البقعة ( منى )
قال الآخر - سميت منى لما يراق فيها من الدماء من منى ( بفتح النون ) يمنى (بكسر النون ) أى اراق ومنه قوله تعالى ( من نطفة اذا تمنى أى تصب وتراق
وهناك قول آخر وهو ان جبريل لما اراد ان يفارق آدم قال له تمن فقال آدم اتمنى الجنة فسميت مني لامنية آدم ، وهذا القول على ما يظهر ضعيف
قال الاول : وهل لمنى حدود ؟ قال الآخر : نعم حدودها كما ذكر
عن جريج انه قال لعطاء : أين منى ؟ قال : من العقبة - أى جمرة العقبة - الى وادى محسر ويروى عن عمر رضى الله عنه ، انه كان يبعث من يدخل الاعراب من وراء العقبة حتى يكونوا بمنى وكان يقول : لايبيتن احد الحجاج وراء العقبة .
قال الاول . اما سميت ونحن نرمى جمرة العقبة خياما كثيرة من ورائها الى ناحية مكة ؟
قال الآخر : انهم - لا شك - اضطروا الى ذلك لانهم لم يجدوا محلا لهم دون العقبة .
قال الاول : ان الناس لاسيما فى أيام منى - إذا اجتمعوا على احاديث كاحاديثنا - لتزجية الوقت - يفكرون كثيرا فى الطرق التى تؤدى الى تنظيم شئون الحجاج وسير مواكبهم والى توسعة المحلات والطرق . . فلو سئلت انت عن طريقة تساعد على توسعة مني توسعة لا يضطر بعدها احد من المبيت خارج حدودها فماذا يكون جوابك وما هو اقتراحك فى هذا الشأن ؟ . .
قال الآخر : نعم عندى فكرة او اقتراح ولكنه اقتراح خيالى او حلم من احلام اليقظة ، يتطلب من المستمع ان يكون على جانب عظيم من طول البال وان لا يعجل ويقول هذه اضغاث احلام او هذيان سادر .
قال الاول : سأستعين بالصبر حتى تنتهي من اقتراحك فهات ما عندك .
قال الآخر : يقول بعض الفقهاء
فى وصف منى : " ومنى شعب طويل نحو ميلين وعرضه يسير والجبال المحيطة به ما اقبل منها فهو منى ، وما ادبر فليس منى " ( بفتح النون ) وبناء عليه لنا متسع كبير فى الصـــــفايح والقابل .
قال الاول : ومــــا هـــما الصـــــــــــفايح والقابل ؟
قال الآخر : الصفايح الجبل الذي يقع مسجد الخيف فى سفحه والقابل المقابل له من الشرق ، انه فى الامكان ان يذلل هذان الجبلان وتشيد عليهما بنايات مستطيلة فى شكل مظلات - بالاسمنت المسلح - تمتد من أول حدود منى من ناحية وادى محسر الى آخر الحد من ناحية جمرة العقبة . . وتقسم هذه المظلات الى اقسام بوضع حواجز يسع كل قسم اربعة اشخاص أو خمسة ، وتكون على ثلاث درجات درجة قريبة من الارض والثانية اعلى منها والثالثة اعلى منهما ، ويخصص لكل قسم او لكل مجموعة من هذه الاقسام دورة مياه بها مرحاض وحمام على الطريقة البلدية ، وتعبد الطرق اليها تعبيدا فنيا يمكن الناس من الطلوع بالسيارات الصغيرة والوصول الى ابعد نقطة من هذه البنايات ، وتعد اسطحة هذه المظلات لاجتماعات الحجاج والصلاة والنوم ويراعي في هذه المبانى ان تكون كافية لايواء اكبر عدد من الحجاج القادمين عن طريق البحر والجو ويخصص لكل جنس ناحية ، وقد
ورد فى بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم انزل الناس منازلهم فقال : " لينزل المهاجرون ههنا " . . واشار الى ميمنة القبلة " والانصار ههنا " واشار الى ميسرة القبلة " ثم لينزل الناس حواليهم " . .
وترتبط هذه المجموعات الخاصة لكل جنس بمراكز الاستعلامات والشرطة والمستوصفات الصحية تلفونيا اما وسط الوادى فيترك للحجاج القادمين عن طريق البر من الداخل والخارج اهل الدواب والابل
قال الاول - وماذا تعمل في الماء ؟ قال الآخر - مشكلة الماء تحل بتشييد عدة خزانات كبيرة على رأس الجبلين وتمد منها انابيب الى كل قسم كما يزود كل قسم بنور من الكهرباء وتشيد محطة كبيرة للكهرباء بين منى والمزدلفة للاستفادة بها هنا وهناك . ثم سكت قليلا . . ليتأكد من صاحبه هل هو على استعداد لاستماع بقية حلم اليقظة ام ساوره السأم والملل ؟ وقد ادرك رفيقه ما يرمى اليه صاحبه من السكوت فقال له : استمر الى آخر ما عندك فكلى اذان وكلى اصغاء . .
قال الآخر : وثم عامل مهم فى تضييق مساحة منى الواسعة الا وهى السيارات الكبيرة من الحماليات والنقليات والاوتوبيسات والاتو كارات والوايتات ، فمن المستحسن جدا لمعالجة ازدحام منى وضيق اراضيها ان يستبدل بهذه السيارات الضخمة
كلها خط حديدى ضيق ذو درجتين اولى وثانية ويكون سيره فى شكل دائرة من مكة الى منى من ناحية جمرة العقبة مخترقا وسط منى الى المزدلفة فعرفات ويعود من هناك الى مكة عن طريق المسفلة ، ويبتدئ هذا الخط فى العمل من أول ذى الحجة بهذا الاتجاه حتى مساء يوم عرفة ومن بعده يعكس السير ويسير من عرفات الى المزدلفة الى منى فمكة ويدخلها من المعابد ويخرج الى عرفات من المسفلة
وتسيير هذا الخط الحديدى يقضى على كثير من مشاكل المرور والازدحام الذي يلاحظه الناس فى الافاضة وفي الانحدار الى منى من المزدلفة ليلة العيد .
ولا يسمح مع وجود هذا الخط لاى سيارة كبيرة بدخول منى اما السيارات الصغيرة فلا بأس من دخولها ويخصص لها شارعان احدهما من الناحية الشرقية والآخر من الغرب ، ويترك الشارع العام الاوسط للمشاة والخط الحديدى .
قال الاول : لقد صدقت وكنت مصيبا عندما طلبت منى فى بدء كلامك التذرع بالصبر والاناة لان كلامك هذا لو بدأت فيه حال وصولنا إلى الخيمة لساعدنا على جلب النوم . .
قال الآخر : ولذلك قلت لك ان تكون طويل البال .
قال الاول : وماذا عندك غير هذا من الاقتراحات او الافكار ؟
قال الآخر : هل لديك نشاط للاستماع ؟
قال الاول : نعم سأستمر معك فى الاصغاء حتى تغلب على سنة من النوم وعندئذ استميحك العذر فى تناول الوسادة والاستسلام للنوم . .
قال الآخر : لا بأس ، هناك فكرة اخرى وهى فكرة اقامة مظلة واسعة ممتدة من مكة الى عرفات وتكون مزودة بانبوب من الماء وصنابير فى المسافات البعيدة كالتى بين المزدلفة وعرفات فاذا عطش احد شرب منه وتخصص هذه المظلة للمشاة .
اما في عرفات فلا استحسن الا ان وزارة الزراعة تجلب خبيرا فى الغابات واشجارها العظيمة التى تمتد فروعها فى وضع هندسي متباعد لان الغرض
من هذه الاشجار الاستظلال لا انشاء غابة ، ويستفيد المشاة والفقراء ومن تاه عن جماعته وخيمته بهذه الاشجار الوارفة الظلال . .
كما تحل مشكلة المراحيض في عرفات وفي منى والمزدلفة بحفر اخاديد لوضع الاقدام مع صب كميات كبيرة من المطهرات لمنع الروائح .
والمزدلفة يكتفى فيها باضاءة عامة قوية في السهول والجبال المحيطة بها لان مشاكلها ، اذا كان هناك مشاكل لا تأتى الا من الظلام . .
وهنا شعر بان رفيقه فتح فـــاه متثائبا فادرك ان مبادئ النوم بدأت تغزو اجفانه فاستحسن الوقوف عند هذا الحد وتناول الاثنان الوسائد واسلما للنوم . .

