الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

قصة ذات حلقات, عهد ووفاء

Share

- الحلقة الثانية - مع القافلة

برح جابر مكان جلوسه واستراحته مواصلا سيره ، وكاد كل ما حوله ينطق . . يقول وداعا يا جابر . . ولكن الى لقاء ولو من بعيد وعبر الرسائل . .

أما ليلى فظلت واقفة واجمة مكانها في ساحة دارها كالمذهولة تراقب بنظراتها الحادة جابرا وقد مشى في طريق سفره بعد أن أومأ لها ايماءه بريئة تعنى في مفهومها : الوداع . . الوداع . . يا أختاه ولكن الى لقاء قريب . . قريب جدا . .

غاب جابر عن ناظر ليلى ، ولم تعد ترى سوى طيفه الذى سيظل مؤنسها الوحيد . . ومداعب مخيلتها ، فبرحت مكانها وحرقة الوداع وألم الفرقة يأكلان كبدها بعد أن دعت لجابر بالتوفيق والعون من الله والعودة من سفره سالما غانما .

استوى جابر في خط سيره وأخذ ينهب بالارض نهبا فى عزم واقدام وشجاعة حتى اقترب من قافلة كانت قد قامت من عشيرتهم قاصدة المدينة . . المدينة التى ينوى جابر أن تكون مقرا لبحثه عن عمل ومكانا لاستقراره.

لم يوفق جابر الى رفيق من فتيان الحي لمصاحبته فى سفرته هذه رغم بحثه ومحاولته فالطريق لا تحلو بدون رفيق مخلص وأمين يشارك فى الآلام والآمال . وقبل اقترابه من القافلة انتزع شبابته من جعبتها واسترسل فى ألحانه العذبة الشجية لكى يعرفه قائد  القافلة معه ، فصوت شبابته وألحانه يعرفها معظم العشائر ويعرفها قادة القوافل التى ترتاد المدينة للاقتضاء لأنه كثيرا ما

كان رفيقهم في أسفارهم من البنادر واليها كمؤنس أو أجير

سمع قائد الفافلة صوت شبابة جابر وترانيمه التى ألفها من قبل فأخبر من معه ان جابرا لاحق بهم ، وكان الوقت حينئذ ليلا ، وكان السكون يخيم على الآفاق ، وكان القمر يرسل أشعته الفضية الهادئة على كل درب وكل صقع وواد . فوقف سليمان قائد القافلة وأوعز لرفاقه بمواصلة السير وقال لهم انه سينتظر جابرا على قارعة الطريق وسيلحقان بهم ، وما هى الا هنيهة حتى وصل جابر . وفي أثناء سيرهما دار بينهما الحوار التالي :

سليمان : حيا الله جابرا جابر : ابقاك الله سليمان : من أين والى أين ؟ جابر : من الديرة الى المدينة

سليمان : هل حدث بينك وبين عمك ما يوجب هذا السفر ؟

جابر : لا . . لم يحدث شئ . . ولكنى بلغت مبلغ الرجال وبقائى الى جانب عمى وهو رجل فقير ومعدم لا يجددى نفعا بل يزيد الطينة بلة .

سليمان : يفهم من هذا انك تريد البحث عن عمل لكى تساعد عمك ؟

جابر : بكل تأكيد . سليمان : هل معك زاد ودراهم ؟

جابر : معي هذه الاداوة للماء وعشرة دراهم وقرص الملة هذا ؟ وهذا سيكفينى مؤونة سفرى ان شاء الله .

سليمان : هل لك اقارب في المدينة ستنزل عندهم حتى تجد العمل المنشود ؟ جابر : لى الله ، ثم امرأة لا أعرفها قال لى عمى انها كبيرة في السن ، تسكن حي

الشارع المهجور من المدينة وربما نزلت عندها ان وجدتها ؟

سليمان : وفقك الله في حلك وترحالك ويسر أمرنا وأمرك وجعل سفرك حميدا ان شاء الله .

جابر : احسن الله اليك وسمع منك . سليمان : على فكرة يا جابر : هل تقرأ ؟ جابر : مع الأسف فأنا أمي ولكن نفسى طموح ، وبعد حصولي على عمل بالمدينة سأدرس ليلا وان كنت كبيرا فطلب العلم فريضة . . وقيل : اطلب العلم من المهد الى اللحد .

ولحق جابر وسليمان بالقافلة وتبودلت بينهم التحايا القبلية ، وظلوا سائرين على أنغام شبابة جابر ، وبات صوتها العندليبي يشنف آذانهم حتى مضى الهزيع الاول من الليل فأمر قائد القافلة القافلة بالتوقف وتبريك الجمال لتناول طعام العشاء ومن ثم مواصلة السير.

وبعد استراحة ليست طويلة تناولوا العشاء وارتشفوا القهوة العربية واستأنفوا السرى الى أن نرلوا بأرض وادى الثمام أقرب واد للمدينة ، فأمر قائد القافلة بالبيات فيه فلم يبق من الليل الا ثلثه الاخير ، وقد حطوا رحالهم فى الوادى الجميل وأخذ كل منهم مكانه من الارض وناموا جميعا أللهم الا جابرا ، فقد فارق النوم جفونه منذ ابتعد عن ليلى ، وغلبت على عينيه دموع آلام الغربة وحرقة الفرقة ، وراح في أودية من الذكريات والشجون .

وقد استمر جابر في عزفه المنفرد الهامس فتنبه له قائد القافلة ، وقال له : أرى أن تكف عن هذا يا جربر لياخذ القوم قسطهم من النوم فهم جد متعبين .

قال له جابر : مرحبا ، سأكف عن ملامسة أوتارى الى حين .

سليمان : ارجو ذلك ففيه راحة لك ولنا معا .

عاد سليمان الى نومه العميق ، ونام جابر ، ويشاء القدر ، عند بزوغ أول خيط من خيوط الفجر الاولى ، أن تتسلل حية جبلية رقطاء الى جابر ، فتلدغه فى احدى أصابع رجله اليمنى ، فينهض من نومه مناديا : لدغت يا قوم لدغت . . وقام النوام قائلين بصوت واحد : ماذا دهاك ؟ ماذا دهاك ؟ هل لدغتك حية ؟ . . وقد فتشوا عنها ووجدوها متقوقعة قرب مبرك جمل من جمال القافلة فأردوها في الحال .

وربط القوم رجل جابر حتى لا يتسرب السم الى بقية الجسم وأطعموه ثوما وحملوه على ظهر أحد الجمال المشهورة بالسير السريع ورافقه قائد القافلة وثلاثة معه للمدينة ، لادخاله المستشفى ، ووصلوا المدينة في الصباح المبكر وأدخلوا جابرا ، المستشفى وقدمت له الاسعافات اللازمة حتى خف عنه الألم .

وعندئذ قال قائد القافلة لرفاقه : اذهبوا لبقية الرفاق واقضوا أشغالكم وبيعوا بضائعكم وعودوا لمضاربكم ولا تذكروا لعم جابر ما حدث له ، وسأمكث أنا مع جابر حتى يتماثل للشفاء

بعد أسبوع من دخول جابر المستشفى تحول مكان اللدغة الى جرح عميق بدأ يستشرى فى بقية الرجل ورغم قوة العلاجات فانها لم تجد تفعا ، وأخيرا قرر الاطباء على انفراد عن جابر وبحضور مرافقه سليمان قطع رجل جابر بمقدار الجرح خشية من استفحال الجرح وامتداده لأجزاء أخرى

فبكى سليمان وضاقت به الارض بما رحبت وأخذ يفكر في الامر جديا أيطلع جابرا على حقيقة ما قرره الاطباء بشأنه ، أم يرسل الى عمه الذى ستكبد لا محالة مشاق السفر وهو فقير كادح .

وتمخض تفكير سليمان الى اطلاع جابر على جلية الامر والاكتفاء بذلك ، فتقدم اليه وأخيره بما قرر طبيا في شأنه .

قال له جابر فى ايمان قوى بالله : أنا غير موافق يا سليمان على بتر رجلى ولو أدى ذلك الى موتى ، فالسم قد فسد ، والجرح سيبرأ باذن الله ، وان طال المدى . . والذى أريده منك أن تذهب فتبحث فى المدينة وفي حى الشارع المهجور عن المرأة العجوز التى قلت لك انها من أقاربنا ، فان وجدتها فلا تقل لها شيئا عنى وعد الى ، بعد أن تعرف بيتها معرفة جيدة ، وأخبر الاطباء عندئذ أننى راغب في الخروج من المستشفى على مسؤوليتى على أية حال .

قال له سليمان : حبا وكرامة . وذهب الى الشارع المهجور وسأل عن المرأة العجوز قريبة جابر ، فأراه الجيران بيتها وألفاها لا تزال على قيد الحياة واذا هي امرأة صالحة تزاول الطب العربى من الكى والتمريخ . . وعندئذ رجع سليمان الى جابر فرحا مسرورا وأخبره بما شاهد وبما علم فبادر جابر الى طلب الخروج من المستشفى ، لأنه لا يوافق على بتر رجله ويفضل الموت المحقق على ذلك ، وقد مانع مدير المستشفى ، الا أن جابرا أصر وهدده بالخروج عنوة ، فما كان من مدير المستشفى الا أن أخذ منه

قرار بأن خروجه من المستشفى تم على مسؤوليته ، ومن ثم سمع له بالخروج

اشترك في نشرتنا البريدية