الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

قصة رمزية, *( الهاتف المجهول )*

Share

كان الشاب يسير فى ضباب المصباح الملون بزرقة السماء متجها الى الجبال التى تبدو عند الافق ونبضات قلبه تتجاوب مع الحياة فى كل ما حوله وقد امضى فى سيره هذا ساعات لم يشعر خلالها بشىء من الهموم والآلام التى ينوء بها البشر فى الحياة ، بل ما كان يختال فى سيره ، ويضرب الارض بقدميه كأنما يريد أن يخرقها ويرتفع برأسه كأنما يريد أن يبلغ عنان السماء، وقد نسى أمه المريضة التى تركها وحدها فى كوخها بعد ان اغتصب كل ما كان تدخره من المال لشيخوختها ولكن ذكرى هذا المنظر المؤلم لم تكن تثير فى نفسه السخرية فقد نسيها ليستغرق فى ذكرى فاتنة لبه الغانية ( . . . ) التى يقع مسكنها وراء الجبال القائمة عند الافق .

وكانت الغانية قد اشترطت عليه أن يحمل اليها ثلاثة آلاف مارك اذا اراد أن يزورها فى مقرها وان تقابله بحب وتقدير . . وها هو ذا يحمل اليها المبلغ بعد أن اختلسه من أمه المريضة ولم يبق عليه الا أن يجتاز الغابة القائمة على سفح أحد هذه الجبال بعد أن يتسلق هذا الجبل وينحدر منه قبل أن تغرب الشمس فلا تمضى ساعة حتى يكون مع فاتنته فى منزلها . . وسار يقصدها . . ولما بلغ مدخل الغابة سمع صوتا يهتف

به قائلا : ( لا تدخل الغابة ايها الشاب العاق والا فانك سوف ترتكب جريمة قتل ) وكان الصوت بعيدا كل البعد ولكنه كان واضحا كل الوضوح فوقف الشاب مندهشا واخذ يتلفت حوله ولكنه لم ير احدا بالقرب منه فهز كتفيه وقال لنفسه : ( لابد أننى واهم ) ثم انطلق فى طريقه ودخل الغابة وهو يحدث نفسه بانه لن يتراجع عن بلوغ غايته حتى لو أدى به ذلك الى أن يرتكب جريمة قتل كما يزعم الهاتف المجهول . . ! ومضى يجتاز الغابة فى حذر واستعداد لمقابلة كل خطر يمكن ان يعترض سبيله . .

فلما انتهى الى الجانب الآخر جلس تحت شجرة هناك ريثما يرتاح قليلا وفيما هو يعد نفسه للدخول اذا به يسمع مرة اخرى ذلك الصوت الواضح البعيد يهتف به للمرة الثانية ( ايها الشاب عد الى أمك قبل أن تموت وقبل أن ترتكب خيانة رهيبة ضد بلادك وتغرق مواطنيك فى بحار من الدماء ) ووقف الشاب يتلفت حوله ثم أرسل ضحكة ساخرة ووثب الى الامام واذا بنحلة جميلة ترسل طنينها بالقرب منه وما شعر بنفسه الا وهو ينطلق وراء النحلة محاولا امساكها وهو يتمتم : اخشى أن الروح الخفية التى تعبث بمشاعرى تكون متقمصة جسمك أيتها النحلة

وقد افلتت منه النحلة وطارت نحو الشرق فلم يسعه الا تركها تذهب حيث تشاء ومضى يصعد الجبل وهو يزداد شعورا بالعزم والاصرار وبالسخرية من ذلك الهاتف المجهول وما كاد يصل القمة الصخرية العارية حتى سمع للمرة الثالثة صوت ذلك الهاتف وهو يقول له فى نبرات ملؤها التحدى والتهديد : ( هذا هو الانذار الثالث أيها الشاب المغرور العاق عد الى أمك والتمس رضاءها والا فسوف تعرض نفسك للموت وللعذاب ! ) وفى هذه المرة لم يسعه الا أن يجلس متهالكا على صخرة قريبة من القمة وقد ملأ نفسه الشعور بالفزع والاضطراب ، وكانت الشمس قد مالت الى المغيب وبدأت جحافل الليل تسدل على الوجود استاره السود . .

واخيرا نهض الشاب من مكانه متحديا الهاتف المجهول وقد اطلق ضحكة عالية ثم ضرب صدره بيده فى قوة وهتف قائلا : ( أيتها الروح الشريرة اننى لا أخشاك ولا شك أنك كاذبة ) ولما كان الليل قد ارخى سدوله السود ارتأى من الخير الا يغامر بالهبوط فى الظلام حتى لا تزل قدمه فيسقط فى احدى الهوات العميقة ،

وعلم هذا اضطجع فى موضعه على الصخور الجرداء فى انتظار الفجر . .

ومضت عليه ساعة هناك والقلق يملأ جوانح نفسه ثم اخذ يتساءل : لماذا تأخرت عن الهبوط حتى أقبل الليل ولماذا سمحت للخوف أن يقعدنى عن

مواصلة الهبوط فلطالما هبطت من هذه القمة فى وضح النهار وفى لجة الظلام ؟ . . وهنا سمع صوت الهاتف المجهول يقول له : ( أنا لم أكذب عليك ايها الشاب . . فأنت قد ارتكبت جريمة قتل وانت تجتاز الغابة اذ قتلت بحجر ذلك العصفور الملون الذى كان يغرد فى قلب الغابة غافلا عنك وعن آثار امثالك فحرمته من حقه فى الحياة دون أن تفكر فى مصير افراخه واليفه . . وانت قد ارتكبت جريمة قتل اخرى بمطاردتك تلك النحلة الجميلة فوق الجبل فقد غيرت بهذه المطاردة خط سيرها . .

وسارت نحو القصر الامبراطورى ودخلت مخدع الملكة المريضة النائمة من احدى النوافذ فحطت فجأة على وجهها وجعلتها تستيقظ من نومها فى فزع شديد ، لتصاب بنوبة قلبية تقضى عليها وتقضى على الجنين الذى تحمله فى احشائها فلا يكون هناك وريث لعرش الامبراطور العادل على مصالح رعاياه وهكذا يؤول عرش البلاد من بعده الى ابن عمه الاحمق المتعطش للدماء فيدفع البلاد فى سلسلة من الحروب الفاشلة تأتى على وحدتها وزهرة شبابها . . )

فازداد الشاب اضطرابا ، ولكنه هز كتفيه وقال فى نفسه : وما ذنبى أنا اذا صح هذا كله أيتها الروح

الخبيثة ؟ . . لست أنكر أن أفظع الاحداث قد تنشأ من اتفه الاسباب ولكن لماذا يقع هذا الوزر على عاتقى دون غيرى ؟ واجابه صوت الهاتف المجهول قائلا : ( ذلك لأنك شاب عاق ابيت الا أن تطيع شيطان هواك وبدلا من أن تستمع لتحذيراتى وتعود لأمك المحتضرة لتلتمس منها الصفح والغفران مضيت فى طريقك الآثم غير عابىء بشىء والآن قد ماتت أمك ناقمة عليك ولم يبق الا أن تموت أنت أيضا وستلقى جزاء ما قدمت يداك )     وهنا وثب الشاب واقفا متحديا وهتف قائلا : أيتها الروح الخبيثة انك كاذبة وانا اتحداك وهانذا اهبط الآن الى الجانب الآخر غير منتظر انبلاج الفجر وسأصل سالما الى حبيبتى . .

وشرع الشاب ينحدر فى الممر الخطير ولكنه عبثا حاول أن يسخر من مخاوفه وان يسيطر على اعصابه . .

وفجأة تعثرت قدمه واذا هو يتردى فى هوة عميقة بعض الشىء تلك هى

التجربة الاولى ، غير انه استطاع أن يثبت نفسه بالتشبث والتعلق بحجر يمثل حنون كل أم بارة بولدها سواء كان الولد بارا بأمه أم عاقا لها وكان ذلك الحجر على جانب الهاوية التى لقنته ذلك الدرس الخالد وراح يبذل كل جهده لكى يرفع جسده المدلى الى مستوى الطريق ولكن أى طريق يذهب منها انها طريق الردى . .

وقد باءت كل جهوده ومحاولاته بالاخفاق وتصبب العرق على جبينه وايقن بالهلاك فصاح قائلا : ايتها الروح الخفية انقذينى سأعود الى أمى لقد آمنت الآن ، وعندئذ دوى فى السماء ما يشبه الرعد وتزلزلت الارض والجبال وهوى الشاب الى الاعماق المظلمة السحيقة فى الوقت الذى كان فيه ذلك الصوت البعيد القريب يهتف به قائلا : لقد فات الأوان . .       « حازان »

اشترك في نشرتنا البريدية