الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

قصة صبى ومتصابية

Share

كان رجلا موفقا في عمله يساق له رزقه فيه ، تجده اثناء النهار واطراف الليل  قابعا فى دكانه لا ينفك عن الحركة . . فهذا صائح به : زن لى سكرا وشايا

وهذا مستجد اعطاءه شيئا ، وآخر يطلب اليه ان يأخذ مرتبه من الخبز . . انه يمثل هو ودكانه ومريدوه من الزبائن دوامة واسعة من العمل والبيع والشراء . .

وكان له ابن بقى على قيد الحياة يرفل  فى حلل الطفولة السعيدة بعد ان اختطف  المنون اثنين بعده مع والدتهما  اذ زف فيما بعد الى اخرى  من ذلك الطراز الذي يجني على المجتمع وعلى حياة الاسر السعيدة . . ترى دار الرجل دائما وابدا زاخرة بالنساء وكان اجتماعا  نسائيا على مستوى عال يبرم فيه يوميا ،  الامر الذي يحتم عليها الظهور بينهن بمظهر  العجوز المتصابية التى ترتدى افخر الثياب  واغلي الحلى

هذه هي الصورة المجسمة لمنوال حياتهم  ونظام معيشتهم ودارهم وممولهم - الدكان  الصورة التى كانت بدايتها موفقة الى ابعد  حدود التوفيق

وروتين حياة ثلاثتهم هذه لم يشط  عنها سوى الصغير الذي اخذ يكبر واخذ  يتطلع للحياة على انها غير تلك التى عاشها  ردحا من الزمن لا يفقه فيها غير قوله فى  لكنة محببة : بابا . . ماما . . الحياة

التى اخذ يدب فى اتونها الذي كثيرا  ما جرف بتياره اشخاصا ورفت بالظلال  المديدة . . ادخله والده المدرسة وقبع  يلاحظه ويسبغ عليه عطفه ووقته يبصره   بالحياة وينبؤه بحقائق الزمان الذي عاشه  فى اسلوب بدائي لا يتعدى طاقة ادراكه ، وخصص له مصرفا يوميا لا يتعدى اصابع اليد من القروش الى جانب تأمين الكتب والدفاتر المدرسية المقررة .

فى هذا النظام وفي هذه التربية المثالية  تجاوز الفتى المرحلة الاولى من تعليمه وبدأ يهيئ نفسه لدخول المرحلة الثانية حتى اذا تم له ذلك تراءى له انه كبر عما كان عليه ولم يعد يجلس بجانب والده يشاطره  الرأى والنصح والمشورة واخذت نعرة

الاستهتار بتلك المثل وتلك النصائح التي كان والده يلقنه اياها تجد إلى نفسه سبيلا كان ينسبها فى منطقه وحدسه انها لا تصلح لزمان متقدم متطلع يعيش فيه ويرتاده . . زمان فيه المجتمعات والنزهات والرحلات الى جانب اوجه نشاط الرياضة العديدة . . وكان له فى هذه المجالات اكبر نصيب بحكم البيئة والعرف المحاط به الامر الذي حتم عليه ان يصرف في بذخ ليقف بجانب زملائه واصدقائه ، وربما رغب فى أن يضاهيهم ويفوقهم لشعوره  الدفين بالانتقاص عنهم نتيجة ضعف مركز  والده المادي والمعنوى عن آبائهم فكان  يختلس من رصيد والده بادىء الامر  قروشا ثم ريالات وفيرة .

في هذا الجو الموبوء الذي اختطه الفتى لنفسه بدأ العام الدراسي الجديد الذي انصرف عنه كثيرا بملذاته وكأنه اراد بهذا ان ينتقم من زوجة ابيه ويفوقها فى بذخها على نفسها . . وينتقم لنفسه من ابيه الجاحد فى نظره الذي لم يسبغ عليه عن طيب خاطر هذه المادة التى يراها متوفرة فى ايدى اقرانه . . ومرت الايام تتلوها الايام حتى  لاحظ ابوه انحرافه وتحرى عنه فعرف  المسلك الذى ولجه فوقع من وحيده ومطالب  زوجته العديدة فى هم وحزن فاراد ان  يصرفه عن هذا الطريق مستعملا فى ذلك شتى الوسائل ولكن اني له وقد غرق الفتى الى اذنيه . .

وجاء ميعاد دفع اجرة الدكان والمنزل والخادم والبقال والجزار فذهب الوالد لرصيده يتحسسه وليسدد به بعض هذه الديون ،  فهاله مارآه من نفاده ، فاشتدت آلامه  وتفاقمت احزانه وبدا ينحدر بنفسيته وكيانه الى اتون تلك الحياة المتوقد حتى اصبح هائما فى شرود ذهنى كطيف ملتف بمعطف حول جسمه مضطجع فى

مجلسه يدمدم لنفسه وبهز رأسه وقد  التوى شارباه الاشيبان وتلاعبت الريح  بشعره . يذكر منظره هذا بشجرة اصابتها الصاعقة فى فصل الخريف الذي اجتث اوراقها وازهارها ونضرتها .

وكان للوالد اخ لم يحظ في صغره بقسط  وافر من التعليم نتيجة عوامل قسرية  المت به فسلك طريق الوظيفة في تسلسل  بطئ حتى وصل الى درجة مفتش فى احدى المرافق الحكومية وكان ان رزقه الله وهو في  شرخ شبابه ببنت نجيبة شعرت منذ   صغرها بجفوة العيش فارتادت طريق العلم  والمعرفة تنهل منها بما يفوق استطاعتها حتى التحقت باحدى جامعات الطب . . وما هى الا  سنوات حتى تخرجت بامتياز وفتحت لها عبادة اشتهرت بين الاوساط حتى كانت قبلة كل اسرة من اسر الحي وملاذ كل ضعيف  وفقير

وكان الاب وابنته الى حد ما في شغل  شاغل عن اخيه واسرته بحكم ظروف الحياة  التى يواجهانها حتى بلغ الحال الى الحلقوم وشعرا به فطلبت ابنة العم من ابيها ان يكلم اخاه فى شأن ابن عمها لكى يعمل لديها فى ادارة العيادة واستقبال المراجعين باجر   يضمن لهم بحبوحة العيش . وان يشتغل  والده في صيدلية العيادة مساعدا لمديرها  . . وتم الامر واستجابا له وبدأ الوالد والفتى يخطان طريقا غير الذي كانا فيه . . غير ان الفتى لم يرقه رغد العيش وكأنه كتب له  ان يكون شقيا ، فبدأ يحز في نفسه نجاح  ابنة عمه الانثى ، وبدأ ينظر الى واردها  اليومي نظرة الانانى الذي يشتهى كل شئ  لنفسه . . ولو كان له الى هذا طريق لطرقه ولما تراجع فيه . . ولكن اني له ذلك والحسابات  منظمة فى محاسب قدير يتسلم ويصرف .  لذلك استبدل بنظرته هذه نظرة اخرى

فيها شئ من الانسانية ، نظرة فيها الامل ، نظرة  فيها الاغفاء في وجوم وتفكير وشرود يقارن  فشله بنجاح ابنة عمه وواقع اسرته من واقع  اسرتها وما اصابوه وحققوه وما وقع وتردى فيه فبدا وكأنه يناجى الرمال   ويهمس للريح فيحملان مناجاته وهمسه  ويلقيانه على الفيافى الجرداء ، وعلى نتوء الجبال فتعيد صداهما الى نفسه وجسمه  وعقله فترديه فى صليلها . . وتدهورت  صحته شيئا فشيئا واخذت النار تشتعل فى صدره حتى اصيب بمرض عضال فنقلوه  الى المستشفيات ومنها الى مثواه الاخير - دار  الآخرة - وأثرت الصدمة فى والده ولم يكن  حاله منها باحسن من حال ابنه وان اختلفا

في المصير . . وبقيت تلك العجوز المتصابية ) زوجة الاب ( التى عادت لدار احد اقربائها  تقاسمهم العيش فى تطفل وشظف .

واخذ اهل الحي يكشفون النقاب شيئا فشيئا عن حياة هذه الاسرة الزائلة . وعند  اجتلائهم لمكنوناتها جعلوها مثالا يقصونه على من جانب الطريق من ابنائهم ويحثونهم  على ارتياد طريق ابنة العم . . وبمرور السنين كان التجاوب بين الابناء واسرهم يتسع مداه حتى اصبح الحي وكل ابنائه  متعلمون مثقفون فى شتى المجالات وصنوف العلوم واكتفى الحي بابنائه اكتفاءا ذاتيا . .  فيالها من مأساة استفيد من واقعها الاليم  فى تنشئة اجيال صالحة عبر القرون .

اشترك في نشرتنا البريدية