الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

قصة عربية :, الفارس الملثم

Share

اننا نعجب من مظهر القصة العربية التاريخية وندرة ما فيها من مفاجآت تهتز لها قلوبنا ومشاعرنا غير انها رائعة وممتعة وجميلة وربما تكون في بعض الاحايين مخيفة أشبه بالأساطير . .

وجميل بنا الاهتمام بقصصنا العربية التاريخية والتي لا نعطيها جل اهتمامنا كما نعطي أختها الغربية مع علمنا انها تصور لنا حياة غير حياتنا وعادات غير عاداتنا وتقاليد هى في الواقع بعيدة عنا كل البعد وكتب التاريخ غنية بالقصص العربية الواقعية التى تمثل لنا حياتنا الاجتماعية الماضية أجمل تمثيل وتعطينا صورة واضحة من نواحي ذلك المجتمع الزاخر . .

وان أنس لأنس قصة عربية قرأتها قبلا في كتاب " الاغاني " وغيره من كتب التاريخ ولا تزال حوادثها تتراقص أمامي ، كلما تصورتها فى مخيلتى . . كما اذكر ايضا انها قد تعرضت لبعض المآخذ ) ١ ( وقد رأيت ان اجلوها كما قراتها او تمثلتها مع بعض تصرفات بسيطة استدعاها المقام مع الاحتفاظ بجوهرها الاصيل .

وقيل الدخول في تفاصيل القصة سأقدم لمحة خاطفة عن المرأة : التى

قامت بتمثيل دور البطلة لعل ذلك يمهد لنا الطريق ويساعدنا على معرفة القصة فأقول :

كانت أم البنين جنت عبد العزيز ابن مروان وزوجة ثانى الخلفاء المروانيين ذات شخصية قوية ، وكانت تندفع مع زوجها اندفاعا لا يليق . ومظهر ذلك الرجل العظيم وصاحب التاريخ المشرق . . فقد استطاعت ان تسيطر عليه بجمالها الساحر واسلوبها العذب وفكاهتها الحلوة

مما جعله يفضى اليها بأحزانه وآلامه حتى شاع عنه ذلك الاندفاع ، وقد رأي الحجاج بن يوسف الفرصة مواتية في بعض المناسبات فقال : دع عنك يا امير المؤمنين مفاكهة النساء فانما المراة ريحانة وليست قهرمانة ) ٢ ( وعرض الوليد على زوجه ما دار بينه وبين الحجاج لعل ذلك يكبح من جماحها بعض الشئ . .

وعلمت أم البنين انها المقصودة بذلك التعريض ما دام القائل من أعاظم رجال ذلك العصر ، وأدركت أن قوله هذا صدى مدو في نفس الخليفة والمجتمع ، ورأت أم البنين ان لا بد لها من عمل حاسم

تقضى به على عبارة الحجاج المنمقة فيها :

فقالت : " حاجتي اليك يا أمير المؤمنين أن تأمره غدا يأتيني مستلئما " أى شاكى السلاح . وما أن راته ماثلا أمامها حتى وجهت اليه أعنف تقريع سمعه الحجاج في حياته فقد عرضت له بالهزائم التى توالت على يديه ايام عبد الرحمن بن الأشعث وذكرته بغزالة زوجة شبيب الخارجي وقول الشاعر فيه : " أسد على وفي الحروب

نعامة " ثم قالت : أما والله لولا أنك شر خلفه ما ابتلاك الله برمي الكعبة الحرام ولا بقتل ابن ذات النطاقين وأول مولود في الاسلام ) ٣ ( ثم امرت باخراجه وكان الوليد ينتظر تلك المقابلة وما تسفر عنه من نتائج وما أن رأى الحجاج حتى قال : ما كنت

فيه يا حجاج ؟ فقال : ما سكتت حتى ظننت نفسي قد ذهبت وحتى كان بطن الارض أحب الى من ظهرها وما علمت أن امرأة تحسن فصاحتها وبلاغتها ، فأجابه الوليد معتزا : انها بنت عبد العزيز

ومع هذه القوة وهذا المنطق والبيان نجدها فكهة حلوة يبلغ بها الادب والمجون حد التحرج . دخلت عليها عزة معشوقة الشاعر كثير فسألتها ام البنين عن معنى قول كثير

قضى كل ذى دين فوفي غريمه

وعزة ممطول معنى غريمها

فقالت عزة : وعدته بقبلة وتحرجت منها . . فقالت أم البنين : وددت أنك قضيتها واثمها على ) ٤ ( ويقال انها كانت تستاء كل ما ذكرت هذه الكلمة التى هى فى الواقع ليست بشئ في ذلك العصر المشرق بفنون الشعر والادب فقد انشد جرير الشاعر سكينة بنت الحسين بيته المشهور :

طرفتك صائدة لقلوب وليس ذا

وقت الزيارة فارجعي بسلام

فقالت سكينة : هلا قال : " نفسى فداؤك فادخلى بسلام " هذه هي أم البنين قدمتها لك يا سيدي القارئ فى لمحة خاطفة قبل الدخول بك الى تفاصيل القصة التى اليها نهدف .

جلست أم البنين ذات يوم تترنم بقول الشاعر النميري في زينب أخت الحجاج :

تضنوع مسكا بطن نعمان اذ مشت .

به زينب في نسوة عطرات

تهادين ما بين المحصب من مني

وأقبلن لا شعثا ولا غبرات

مررون بفخ ثم رحن عشية

يلبين للرحمان معتمرات

تقسمن لبى يوم نعمان انني

رأيت فؤدى عارم النظرات

جلونا وجوها لم تلحها سمائم

وورد ولم يسفعن بالسبرات

ثم استعرضت شعر عمر بن ابي

ربيعة فى عائشة بنت طلحة وشعر قيس بن الرقيات في ابنة عمها ) ٥ ( وقالت في نفسها : ولماذا لا يقول الشعراء في ، شعرا كهذا لتسير به الركبان ويلحنه الملحنون ويتناقله الرواة ؟ ألست جميلة كهؤلاء ؟ وأميرة يشعر بمكاني المجتمع ؟ او لست بنت عبد العزيز بن مروان ؟ وأخت عمر وزوج الوليد ؟ ! وبعد تأملات عبرت بها أفاق الفيافى دبت نسمة

أمل خفيفة ، الى نفسها فاذا بذلك الكابوس الجاثم على صدرها ينزاح عنه شيئا فشيئا ، ولم تشرق شمس ذلك اليوم حتى كان القصر - يتحدث عن عزم أم البنين لأداء فريضة الحج وعرف الوليد رغبة أم البنين الجامحة وما يجول بخواطرها فاصدر أمرا حاسما ينذر كل شخص من مقابلة أم البنين أو ذكرها في شعره وانه سيقدم رأسه ثمنا لذلك الشعر أو لتلك المقابلة ، وخرجت أم البنين

في موكب فخم يرافقها مجموعة من ربات الحجال ، حيث تركت وراءها حياة القصور الرتيبة لتستمرئ الحرية وتشاهد الطبيعة والجمال يتحليان فوق كل رابية ووهد ، وبعد رحلة طالت أكثر مما يجب اشرفت على موطنها الاصيل وقد اخذت بها الذكرى كل مأخذ وظلت تتأمل كل ما حولها وتسأل كل ما تود السؤال عنه وبين الازدحام وقع بصرها على شخص يضع لثاما على وجهه المشرق

وسألت عن ذلك " الفارس الملثم " فقيل انه " وضاح اليمن " وظلت تلح في معرفته والسبب في التزامه اللثام فى هذا الموقف وقد أخبرتها احدى الوصيفات ان وضاحا هذا هو من مولدى اليمن وأمه فارسية وابوه عربي ، وربما كان من قريش وبعد وفاة والده وزواج امه من رجل آخر توجه بنو عمومته للمطالبة به . .

والقاضي الذي حكم به لأعمامه هو الذي أطلق عليه هذا الاسم وظل ملتصقا به . . قالت أم البنين : انك لم تخبريني عن اسباب التزامه لهذا اللثام ؟ فقالت المرأة : أما السبب في التزامه لهذا اللثام فسببه مشيخة قريش الزموه بذلك قسرا في مثل هذه الأيام لئلا تفتتن به النساء ويفسد عليهن حجهن . . وأضافت الى ذلك انه شاعر يجيد الغزل ، وان

كثيرا من أمثاله من فتيان قريش يعترضون النساء للمغازلة والحديث معهن وعددت لها كثيرين من امثال خالد بن عبد الله القسرى وابن ابي عتيق وزعيمهم عمر بن ابي ربيعة ولم ترض أم البنين عن قسوة مشيخة قريش فقالت : ان المرأة لها من دينها وشرفها ما يجعلها أسمى وارفع مما يتصوره الرجال واضافت : ولكن لم ار احدا من هؤلاء الفتيان الذين يعترضون الركبان بالاحاديث المثيرة ولاذت الفتاة بالصمت لانها لم تشأ ان تجابه الاميرة بالامر الذي اصدره

الوليد ولكنها غيرت مجرى الحديث ووجهت نظرها الى منظر الأباطح وهي تسيل بأعناق المطيى التى يتسنمها فتيات عربيات تخب بهن خبا وظلت أم البنين تردد : " كلمة شاعر يجيد الغزل " لعله يقول فيها شعرا ما دامت ستجزل عطاءه وطلبت احضاره وما ان مثل بين يديها حتى قال : الله الله في دمي يا بنت عبد العزيز : فقالت وما ذاك ؟ فأخبرها ان زوجها الوليد قد اصدر أمرا حاسما ينذر كل شخص يريد مقابلتها أو يذكرها في

شعره بأنه سيقدم رأسه ثمنا لتلك المقابلة أو لذلك الشعر ولكنها طمنت الرجل وقالت : لا عليك بأس فارفع لثامك لنرى هل انت جميل كما يقال ؟ أم انهم هنا لا يعرفون الجمال ؟ ورفع وضاح اللثام عن وجه كأنه البدر سناء وتأملته أم البنين طويلا ، ثم تحولت عنه وهي تتمتم بكلمات مبهمة ثم تعود وتنظر اليه مرات ومرات ولسان حالها يقول في تلك اللحظة المفعمة بلواعج الحب والهيام :

يزيدك وجهه حسنا

         إذا ما زدته نظرا

وأجزلت عطاءه وأمرته بالانصراف وخرج " وضاح " وهو لا يدري ماذا وراءه . لقد تغيرت مجرى حياتها الهادئة المطمئنة من النظرة الاولى الى حياة غير هادئة ولا مطمئنة وظلت تصارع ذلك الشئ القوى الذي لاطاقة لبني الانسان بتحمله ألا وهو الحب

الذي يقال انه يصرع الكبير والصغير والملك والصعلوك على حد سواء ، الحب الذي هو كأشعة الشمس يخترق النوافذ . . الحب الذي هو نسمة باردة يتبطن القلوب ويغوص فى اعماق النفوس والخوف من الحب هو الحب . . وانتهت أيام الحج وام البنين لا ترى الا ذلك الوجه الجميل الذي قد لازمها ملازمة الظل وطلبت

" وضاحا " عند ظعنها وأمرته ان يحبر قصيدة من شعره ويلحق بهم الى دمشق لانشادها الخليفة كغيره من الشعراء وعليها أن تقوم هي باتمام الباقى . وانشأ وضاح قصيدة كما امرته الاميرة وتوجه بها الى الشام ولعلها تلك القصيدة التى يقول فيها :

القي ابن مروان الذي قد هزه

عرق المكارم والندى فأقله

وربما كانت غيرها من قصائده الكثيرة في الوليد ) ٦ ( وفي يوم من الأيام دخل الوليد على أم البنين يحمل بين انامله قصيدة وضاح وما ان سمعت باسم وضاح حتى خفق قلبها بيد انها أخفت مشاعرها اذ ان للمرأة قوة خارقة على اخفاء عواطفها ومهما كان الرجل قويا فليس في استطاعته الوصول الى مكنون قلبها وبالعكس يكون ذلك متى أرادت المرأة ، وأملت القصيدة كما هى عادتها ، وكانت تقف طويلا امام كل بيت من أبياتها

وتصوره أحسن تصوير . وثناء المرأة على الرجل هو عبارة عن أنبوبة تطعيم بيد أنها ضنينة بهذا الثناء غالبا ، اذ ان لها اسلحة كثيرة تستعملها لغاياتها ورغباتها ، فرب دمعة سخينة أو بسمة ندية تتوصل بها إلى ابعد الحدود . . وليس هوى قلوب النساء هواء . .

امر الوليد وضاحا بعدم مغادرة القصر ، فسيكون من هذا اليوم " شاعر البلاط " المفضل مادام هو الشاعر الذي لم يتعرض لمهاجمة أم البنين وظلت الاتصالات البريئة مستمرة بينهما كلما اشتاقت الى رؤيته . وفي يوم من الايام أهدى للخليفة عقد من الجواهر الثمينة فقدم الهدية لزوجته مع احدى الخدم واقبل الخادم يعدو الى مولاته وما ان دفع الباب المؤدي إلى ساحة الدار

حتى رأى شخصا يتحدث مع أم البنين وفتحت صندوقا قريبا منها وأمرته ان يتسلل الى داخله وقدم الخادم لمولاته الهدية وقال : هبيني جوهرة من هذه الجواهر وأغلظت ام البنين في رده وخرج الخادم يزم شفتيه وعرفت مايجول بخاطره وظلت تفكر في طلبه وترى أن جوهرة ليست بشئ إذا اعطتها خادما أمينا ثم قالت لنفسها : أليس العقد كان آنفا بين يدى الخليفة يعدد حباته

واخراج جوهرة منه يستلفت النظر بل ويختل نظامه فلربما يسألها الوليد عن ذلك فهل تكذب سليلة المروانيين وهي لم تتعود الكذب ؟ أم تعترف بالحقيقة المرة ؟ كلا انها محقة في رفض طلبه ما دامت ترى انها لم تعمل شيئا سوى نظرة عابرة تروى بها فؤادا مستعرا ، وبينما هي

غارقة في لجج من أفكار متضاربة اصاخت لوقع اقدام تقترب من حجرتها تشبه وقع أقدام الخليفة وكم كانت دهشتها عندما رأت الوليد مقبلا تعلو شفتيه ابتسامة غير ندية ، وقامت لملاقاته وهو يسعى حتى جلس على صندوق الى جانبها فقالت له : ان هذه الزيارة غريبة حيث لم أشعر بقدومك حتى أستعد لمقابلتك ؟ قال :

نعم لأني اشتقت اليك ورأيت ان تكون الزيارة مفاجئة فقالت على الرحب يا مولاى ! وساد السكون لمحات وجيزة استشفت فيها ام البنين كل ما يجول بخاطر الوليد ولكنها فضلت الصمت . .

قال الوليد : أراك تفضلين هذه الغرفة دون سواها عن سائر الغرف ؟ قالت : نعم تجمع ثيابي وحاجاتي . أتناول منها ما اشاء دون سواها ولهذا فضلتها كما ذكرت . فقال : لى طلب واحد وأرجو ان لا تمانعي في اتمامه ؟ فقالت : ان طلب مولاي نافذ

على ولا بد من الوفاء به فقال : هبيني هذا الصندوق وكان جالسا عليه كما وصف الخادم ، فقالت : خذ غيره من الصناديق لأن لي فيه أمرا لازما فقال الوليد : اما قلت انك ستمانعين في اتمامه فقالت : خذه فدعا بعض الخدم لحمل الصندوق ونقله الى مجلسه الخاص وأمر بحفرة عميقة حتى بلغ الماء ) ٧ ( فقرب الصندوق ودلاه إلى الحفرة وقال موجها خطابه الى الصندوق : بلغني عنك شئ فان كان ما بلغني حقا فقد دفنا عارا الى الأبد وان كان غير ذلك فقد دفنا صندوقا ولا اسف عليه ثم دعا الخادم

المخبر لانزال الصندوق فى داخل الحفرة واطار رأسه بضربة واحدة ليأخذ الثمن كاملا وعاد من ساعته الى ابنة عمه فلم ير عليها علامة الاستياء ولم يعرض لها شئ مما بلغه او أجراه . . فمن هو يا ترى يستحق اعجابك . . هل هو ذلك الوجه الجميل الذي رضي بهذه الميتة الرخيصة ؟ أم هو ذلك الرجل الذي لم يسئ الى نفسه أو زوجه ؟ أم هي تلك المرأة الواثقة بنفسها والتي تلقت الصدمة بمزيد من الارتياح ؟

جازان

اشترك في نشرتنا البريدية