كان ( المدلل ) الغالى فى بيته .. بين اخوانه جميعهم .. يأمر فيطاع ويبكى فتبكى لبكائه الام والعمة والخالة ، ويضحك فتضحك له الدنيا بأسرها .. وكذلك الجيران والجارات جميعا .. فنشأ نشأة اعتزاز وكبرياء تلبى جميع رغباته .. وهذا بالذات ما جعل اخوته الذين ( من أمه ) .. يضمرون له السوء والأذى .. ويتربصون به الدوائر .. وخلف والدهم جميعا أملاكا واسعة شاسعة خلف العمارات الضخمة .. كان من أولئك الاقطاعيين الذين لم يكونوا يخافون مسئولية اقطاع الحكومة التركية الاراضى الاميرية للافراد .. فالبعض كان يتخوف مسئولية هذا الاقطاع خوف دفع الضرائب والاعشار فكان هو يتقبل من ( الوالى ) كل مسؤولية كهذه .. ! وعندما خرج الاتراك وحل محلهم الانجليز كان صاحبنا الافندى الوحيد فى شمالى فلسطين .. لأنه يملك ثمانى (ضيع) أو قرى بأكملها ..
وتوفى الافندى .. وقامت مشكلة (التركة) بين الورثة .. الذى يعدون بالعشرات .. فقد كان افندينا مزواجا مطلاقا ..
وكان هذا الابن ( حمدى ) معروفا بين اخوته بدماثة الخلق ولين العريكة وتخطى دور الكهولة دون أن يتزوج ولذلك كان مطموعا به من أخوته واقاربه .. كانوا جميعا يتمنون لو لم يقدم قط على التفكير بالزواج .. حتى إذا ( ولى ) ورثوه .. ! وكانت الاراضى والاملاك فى أول العهد مشاعا بين الورثة .. ثم جاء دور دائرة تسوية الاراضى لفرز الاملاك والاراضى المشاعة واعطاء كل ذى حق حقه .. فعهد بأمر المطالبة بحقه والدفاع عن قضيته فى محاكم تسوية الاراضى المحام ( قدير ) .. ولثان .. وثالث وكلهم ( قدير ) وكان كل منهم يطمع بأن ينال حصة الاسد .. وكأنه يريد
لو يصبح شريكا له فيما سيملك .. وكان كل منهم يرهقه بتقدير الاتعاب وتقدير ( الرشوات ) التى ينبغى أن تحسب سلفا للقضاة والكتبة والسعاة وكان حمدى مفلسا بكل ما فى هذه الكلمة من معنى .. وكان معروفا عنه أنه رجل خفيف الظل .. دمث الخلق ذو بديهة حاضرة .. ولكن الافلاس يخيم عليه من كل جانب .. لأن اخوته الأقوى منه والاشد شكيمة والاعز نفرا .. كانوا يغتصبون أراضيه ويستثمرونها لانفسهم كل عام ويقتسمون انتاجها بينهم وبين الفلاحين الذين لا يخضعون الا للقوة ولا يطيعون الا الاشد سيطرة ونفوذا
ومع كل هذا .. أخذنا نجد أن هذا الرجل المفلس الذى يملك الثروة المشاعة الضائعة .. ولا يملك المال بيده .. وجدنا أن جميع أهل بلده قد تغيرت معاملتهم له بمجرد سماعهم بالثروة الهابطة عليه من السماء .. بمجرد سماعهم أن تسوية الاراضى سترد له حقه الضائع .. وتعيد له أراضيه المغتصبة .. وانه بين عشية وضحاها سيصبح مليونيرا أو نصف مليونير على الاقل .. أصبح الخياط مستعدا لتفصيل البدل الجديدة ( على الحساب ) التى تليق بمركزه الجديد
وبائع الاثاث مستعد لاعطائه الاثاث الذى يرغب فيه ( على الحساب ) أيضا وصارت كذلك تحيات الناس له بحرارة وبابتسامات عريضة .. وصار يدعى للحفلات العامرة .. وصارت ( بطاقات ) الوساطة التى يرسلها لمدير البوليس .. ومدير الاراضى .. ومدير البريد .. مقبولة الشفاعة .. نافذة المفعول ..
واجتمع حوله ثلة من المتملقين .. ( ماسحى الجوخ ) .. من الصائدين الماهرين الذين يشمون بأنوفهم كل ثروة هابطة .. فينصبون الحبائل .. وفى يوم أو يومين يصبحون أصدقاء ذويها .. الملازمين لهم فى الليل والنهار .. وفى الليل خاصة .. حين تنصب الموائد .. وينثر عليها وحولها كل مالذ وطاب من المحرمات الجسدية والحيوانية .. والسائلية التى تلعب بالرؤوس وتفتح أبواب المعاصى بابا فبابا .. وكان لابد لحمدى وسط هذه الدوامة العنيفة الدوران المضطربة الانواء والاهواء .. من أن يجرفه التيار الذى لا يدرى الى أين سيصل به .. فالكل يتحدث بثروة لا يرى منها سوى السراب .. فهؤلاء محامون يخدعون .. وهؤلاء أخوة يتنمرون له ويضربون محاميه بمحامين اقدر .. وقد بلغ الكيد باخوته أنهم حاولوا شراء ذمة كل محام يوكله اخوهم
حمدى .. فضلا عن أنهم استعملوا كل وسائل التهديد والوعيد .. ورشوة الفلاحين للتمرد عليه .. والتظاهر باحداث فتنة واطلاق بعض الاعيرة النارية .. التى تصيبه احداها ( عن غير سابق عمد واصرار ) . . فيفقدون أخا لهم ( خطرا ) .. صمم على أخذ حقه واسترداد أرضه المغتصبة مهما كان من أمر .. فكان يفكر حمدى فى الوصول الى حل .. كان يستعجل الزمن ويستحث الايام لتحكم له أو عليه ، ولكن كان التأجيل والتسويف والمماطلة طابع محامى أخوته والمحكمة معهم .. لان كل تسويف يكون فى صالحهم فيستغلون الاراضى أطول مدة ممكنة على حساب خراب اخيهم حمدى واحتراق اعصابه .. واستمرت القضايا تقام من كل طرف ضد الآخر سنين كثيرة دون الوصول الى نتيجة حاسمة .. أو اتخاذ قرار نهائى .. فما كان من حمدى خلال هذه المدة التى طالت وطالت .. الا أن أدمن الكأس المحرمة التى يخدع المرء بانها تنسيه الهموم ، ولكنه نسيان مؤقت لا تلبث بعدها حتى تتكاثف وتتناسل بسبب هذه الكاس بالذات .. وأصبح فى وضع يريد أن ينسى فيه هذه الحال المعقدة أطول وقت ممكن .. فكان يرى ثملا مخمورا .. طول نهاره وليله .. فلم يكن بد لهذا السائل الذى يشتعل بالحرارة من أن
يشتعل داخل جوف حمدى وأن يؤثر الاشتعال فى أى عضو ضعيف فى الداخل .. فكان ذلك نصيب احدى الكلى التى اخرجها الطبيب مفتتة مهترئة .. نتيجة انصباب هذه الكميات الضخمة من ( السبيرتو ) بدون حساب ..
وكان هناك لغط يدور بين اخوته وزوجاتهم وأولادهم .. ويعدون بالمئات .. كيف يمكن أن يكون لاخيهم ( حمدى ) ( وحده ) من الميراث ما لأخيه الذى يعول على الاقل ثلاثين شخصا .. أو لأخيه الثانى الذى يعول أربعين .. أو الثالث الذى يعول ما يقارب هذا العدد .. لان كلا من اخوته حين تزوج وأنسل أعقب النسل .. وتفرعت الاسرة الواحدة الى عشر أسر أو عشرين .. وأما هو فلا يزال واحدا يدور حول نفسه .. وأوشكت هذه الدعاية أن تؤثر فى أروقة القضاء .. وتعدت الدعاية الى القول بأن من الخير لهذا الرجل أن لا يتزوج .. لان كل الدلائل تدل على أنه غير صالح للزواج والانسال لانه مدمن الشراب وقد فتك بكثير من أعضائه الداخلية .. واذا تزوج ..
ولم ينسل فمعنى ذلك أنه يشرك ( غريبة ) عن العائلة بالتركة الضخمة وتؤول حصته الى هذه الغريبة .. أما اذا اختار واحدة من العائلة .. فمن
أى فخذ من عمومته سيختار وكلهم مسئ له حاقد عليه .. بلغه هذا الطعن حتى فى رجولته .. فأقسم ليتزوجن من غير عائلته .. وبناء على الآمال العراض .. والحظ الذى سيبتسم يوما ما .. خطب حمدى من عائلة قريبة لعائلته .. بينهما صلات نسب قديمة .. وكانت فتاة قوية الشخصية .. رضيت به على شرط واحد .. هو أن يقلع عن الشراب .. وكانت واسعة الثقافة .. كثيرة الاطلاع .. ذات مكانة اجتماعية مرموقة .. أجمع أهل البلد جميعا على اكبارها واحترامها .. فأقسم أنه لن يذوق طعم الخمر قط اذا هى رضيت به بعلا .. وتزوج .. وكان كلما حاول أن يحنث بيمينه يجد أمامه شخصية جبارة لا تلين قناتها .. مستعدة دائما للتخلى عنه .. وترك بيته خرابا بلقعا .. وضن هو بالتخلى عن هذا العيش الراتع .. فهو قد رأى بينه محط القاصدين .. رأى لاول مرة بحياته بيتا نظيفا مليئا بالتحف والنفائس ، رأى بيته يقصده طبقة مختارة من الناس .. رأى نفسه غير محوط بالمستغلين والادنياء (والزعران) .. رأى إلى جانبه امراة ترشده لأن يحصل على حقه دون أن يثير عداوة أحد . . رأى إلى جانبه
انسانة تنتزع احترام اخوانه وأولاد عمومته جميعا انتزاعا .. رأى أن الكفة تتحول لصالحه دون ضجة أو صخب أو جدال عقيم .. وأخيرا .. حكمت المحكمة لصالحه ..
وأصبح يملك أربعمائة فدان .. من الارض .. بعضها قرى مأهولة عامرة بأسرها .. وبعضها بساتين مشجرة .. وبعضها وديان تمر بأرضه فتروى الفاكهة والخضرة .. واشجارا من نخيل وأعناب .. و .. وأوشك أن ياخذ ( كواشين الطابو ) أو صكوك تملك الاربعمائة الفدان هذه ..
فحلت الكارثة .. واحتل الصهاينة أرضه .. وبلده ووطنه .. ودافع مع من دافعوا من المجاهدين حتى آخر رمق .. حتى آخر طلقة .. وترك بيته .. كاملا .. بما فيه من تحف ونفائس .. وخرج وزوجه فى حندس الليل .. مع آلاف من خرجوا .. هائمين على وجوههم من الوديان والجبال .. يطلبون السلامة العافية ..
وحلوا ( ضيوفا ) لاجئين الى دمشق موئل العروبة الحصين ..
والان .. هنالك .. لا يملك صاحبنا المال ولا العلم .. حتى ولا صكوك الاربعمائة فدان .. وامرأته تملك العلم والشهادات .. والكفاءة ووزارة المعارف تفتش عن هذه الكفاءات بين اللاجئين لتستخدمها وتضعها فى خدمه سورية .. ورفع مستواها العلمى ، وسورية استخدمت كل كفاءة علمية بين اللاجئين .. وتقدمت بطلبها لوزارة المعارف وفى أسبوع كانت استاذة تعلم فى احدى المدارس الثانوية .. وكان لديها متسع من الوقت لتعلم فى مدرسة أخرى .. فى وقت فراغها .. ففعلت وبعد اسابيع معدودة .. كانت تشترى كرسيين وطاولة .. وملعقتين وشوكتين وسكينين .. وصحنين .. لتناول طعامهما فى غرفة متواضعة .. وبعد سنة كان بيتهما عامرا ببعض النفائس والتحف .. وكان حمدى
الرجل المهدم .. شارد الذهن أغلب الوقت ينظر نظرات بلهاء طول الوقت فى سقف الغرفة أو فى لا شئ .. يمشى فى شوارع دمشق دون أن يرى أحدا .. حتى أقرب المقربين اليه .. حتى أخوته وأولاد عمه ( الالداء ) .. واذا حياه أحد بتحية رد عليه دون أن ينظر الى وجهه .. ترغمه زوجه على تناول الطعام ارغاما .. وتشترى له القميص والبنطلون والحذاء .. وتمحو عن جبينه تجعدات الخيبه والمرارة واليأس .. بكلمة واحدة ..
سنعود .. يا حمدى .. سنعود ..
وتعود الى أرضك .. وبلدك .. وأهلك .. وزرعك وفاكهتك .. ونعود أعزاء كما كنا ! جدة

