كان ذلك فى أحد أيام اكتوبر وكانت الشمس تدنو من المغيب ، لقد كان وقتا لطيفا يبعث على الغبطة والارتياح بعد انقضاء ساعات النهار الطويلة المقلقة ، ولم يكن ثمة ما يشعرني بالخطر الذي كان منى قاب قوسين ، لقد اعتزمت أن أخرج انا وطفلى ) جيمي ( ننتظر سيارة زوجي عند باب المنزل ، وكنت قد أعطيت ) جيمي ( جردلا صغيرا ومعولا يلهو بهما ، فقد كان مغرما بالحفر ، حتى تذكرت فجأة ان على أن اتحدث الى صديقتنا ) كارلوتا ( بالتليفون وكانت قد دعتني أنا و ( دوج ) زوجي لتقضية السهرة بمنزلها . .
كان ( جيمي ) واقفا بالمطبخ وعيناه الزرقاوان تتلألآن فرحا وغبطة . . يحمل جردله فى يد ومعوله فى اليد الاخرى فتركته حيث هو قائلة : " انتظرني هنا يا جيمي حتى اتكلم في التليفون قليلا واعود اليك " فرأيته يقطب حاجبيه وأنا اغادر الغرفة كأنه غير راض بذهابي ، ثم تناولت السماعة وأدرت رقم تليفون " كارلوتا " ولم تكد تبدأ معي الحديث حتى سمعت جلبة بالمطبخ ، أتراه ) جيمي ( قد طال به الانتظار فأخذ يعبث بأدوات المطبخ ؟ فقلت لمكلمتي : انتظري دقيقة اذا سمحت ؛ وخرجت
الى الباب والسماعة في يدى فى الوقت الذي سمعت فيه خطوات جيمي وكان السلك قصيرا فهتفت به قائلة : " اصبر على ماما قليلا يا جيمي ولا تبرح مكانك " وكنت اسمع صديقتى تكلمني في التليفون في قلق فرددت عليها انني قد اوصيت جيمي فقط ان لا يخرج حتى ننتهى من حديثنا . . هذا المساء أليس كذلك ؟ ولكن متي وفي أي ساعة بالضبط ؟ فردت انها ستكون في انتظارنا في الساعة الثامنة مساءا ، وقالت ان ما دعاها الى القلق واستعجال انهاء المحادثة هو انها منهمكة فى خبز كعك وتخشى ان يتمادي بهما الوقت فيحترق
فضحكت . . وقلت لها : اننا في حاجة الى مربية تعنى بجيمي على أن تكون حسنة السلوك والأخلاق لا سارقة مهملة كالاولى . . وكنت في طريقي للمطبخ عندما سمعت وقع عجلات على الحصباء خارج الدار ولم البث فى نفس الوقت ان رأيت باب المطبخ مفتوحا ووجدت ) جيمي ( قد خرج : فاخذ قلبي يدق بشدة وشعرت شعورا غريبا بالخطر يمسك بخناقى لقد كان ميعاد قدوم زوجي الذي اعتاد ان يطلق لسيارته العنان على الدوام على رغم تحذيري ونصحى له غير مرة بعدم السرعة خسية أن يشعر
جيمي بقدومه فيندفع امام السيارة ، فخرجت أجرى من المطبخ فرأيت ) جيمي ( واقفا في طريق السيارة المندفعة وظهره اليها منهمكا فى ملء جردله بالتراب وكانت هنالك شجرة وعطفة لا تشعر القادم بمن أمامه : ويظهر انه قد شعر بقدوم السيارة فأخذ يتلفت في الوقت الذي كنت أصرخ بدوج في جنون أن يتوقف ولكن بعد فوات الأوان فقد صدمت العجلة التى في مقدم العربة الطفل ورأيتها تطويه تحتها وعينيه الجاحظتين تنظران الى في ألم ورعب ! فصرخت وهرعت نحو الجسد المحطم ولكنني كنت كاننى اتحرك فى حلم .
حلم مرعب رهيب جمدت منه حركاتى عن الانطلاق والخفة اللازمين لتدارك الموقف وشعرت بيدين تجذبانى وتربتان على كتفي ورأيت وجه ) دوج ( بادى الألم وهو يرفع طفلنا . . يرفع الجسد المحطم الدامى في يديه . . لقد كان محطما داميا ولكنه كان لا يزال يتردد فيه النفس ، لقد أحسست في نبضه ضربا خافتا يشعر بالحياة فصرخت فى ) دوج ( في صوت قوى يختلج بالألم أن يعطيني أياه
فلم يتردد في وضعه على ذراعي الممدودتين ، لقد كان فلذة كبدى لم يزل دافئا فاخذت أناجيه وأمر بيدى على جسمه كأنما أريد أن أحميه مما يعاني من آلام وابث فيه من حبى الجارف حياة جديدة ، مبتهلة إلى الله أن يحفظه ويكلاه برعايته ، وسمعت ( دوج ) يقول علينا ان نذهب به حالا الى المستشفى وتوجه نحو السيارة وكان بابها لم يزل مفتوحا
ولحقت بنا صديقتنا ) كارلوتا ( فى ثياب المنزل وقد تجلى الرعب والفزع على محياها . فقد كانت تسكن قريبا منا فجاءت على صيحاتي الجنونية ، فأخذت بيدى الى السيارة وجلست الى جانبي ، وكنت أنا احمل جسد ) جيمي ( الفاقد الوعى ، وانالا افتأ أدهدهه ، وأدعو له حتى وصلنا الى المستشفى وأحسست كأن قطعة من جسدى قد انتزعت عندما أخذوه من يدى وذهبوا به الى غرفة كتب على بابها " غرفة الجراحة المستعجلة " ثم قادتنا احدى الممرضات الى غرفة الانتظار . فحاول ) دوج ( هناك أن يأخذنى فى ذراعيه يهدئ من نفسى
فتملصت منه فى عنف ، فما كان في ذلك الا ما يزيد في حنقي ، فنظر الى فى يأس وجلس على أحد المقاعد واضعا وجهه في يديه فجاءت ) كارلوتا ( وأحاطتني بذراعها وأخذت يدى في يدها ، ولست أدري كم مر علينا من الوقت ونحن ثلاثتنا جالسان ننتظر ، لقد كانت كل لحظة تمر على كسنة حتى جاء الطبيب اخيرا وأخبرنا وكان في وجهه الحزين ما يكفي لأن ينبئنا بان طفلنا ) جيمي ( قد مات ،
فالتفت ) دوج ( الى وقال في حسرة والم : " يا لله ! هيلين ويلي ماذا فعلت ؟ ! ، ومد يده نحوى كأنما يستسمحنى ، فصرخت فيه : ابعد عني . . لا تمسني انت . انت الذي قتلت ولدى . . وكأنما لطمته فلم يرد على اتهامى له بكلمة . ولم يدافع عن نفسه بشئ ، لقد كان يتبدى في عينيه شئ يدل على ما يعاني من حزن واسف مرير . لقد نظر الى نظرة
لم أدر بم أفسرها أكانت نظرة اشفاق وتحسر على ما حدث لطفلنا ؟ أم هى نظرة توجع واسف لما اقترف من جرم ستطارده ذكراه المحزنة مدى الحياة وشعرت بيد ) كارلوتا ( تربت على ذراعي وتقول : " ليس جميلا منك ان تعامليه هكذا " ولكنني لم الق لها بالا . .
وفي اليوم التالي قلت لــ ) دوج ( وهو خارج من المنزل لتشييع الجنازة اننى سأذهب لزيارة أسرتي بعد الفراغ من الدفن وسأقيم هنالك بعض الوقت . . فلم يرد بكلمة ، وهز رأسه ، وخرج ، وتوترت العلاقات بيننا من اللحظة التى كنا بها في المستشفى ، وقد ظننت ان في خروجي من المنزل والابتعاد عن زوجي وكل ما يذكرني بولدى ) جيمي ( ما هو خير لي ، ولكن انى للانسان
ان ينسى ما لم يتجرد من نفسه ؟ ! لقد كان الالم يحز في نفس أينما حللت وتتمثل في ذهنى صورة ) جيمي ( فى شتى الاحوال والهيئات ، فى لهوه ولعبه في نومه ويقظته الخ .
قضيت هنالك اسبوعين ، حاولت ان أنسي فيهما ما مر بي على غير جدوى ، فرجعت الى المنزل ، وقد هيئ لي لاول وهلة انني في غير منزلي فقد تغير ما بغرفة اللعب تغييرا كليا ، ولم أجد المشمع الذي كان يغطي الارض ووجدت مكانه بساطا آخر كما لم يكن بالغرفة أثر للعب والدمي والأثاث البسيط الذي ابتعناه خصيصي لطفلنا ) جيمي ( وأحسست بزوجي ) دوج ( خلفي يتنهد . فانفتلت نحوه قائلة : ماذا صنعت ؟ .
فتناول الحقائب من يدى ووضعها على الارض وقال : " رأيت من الخير لنا أن لا يكون حولنا من الأشياء ما يذكرنا بجيمي فقلت : " لم فعلت ذلك ؟ لم فعلت ذلك يا دوج ؟ " فقال : " آسف يا هيلبن لقد كان على أن اتفهم شعورك أولا ولكنني لم افعل ذلك الا عن حسن نية ، وان من الخير لنا ان نفعل ذلك . . " فارتد طرفي للغرفة الخالية يبحث فيها عن
أثر ما لجيمي يذكرني شخصه العزيز فلم يجد شيئا كأن لم يكن شيئا يذكر فاخذت في البكاء فربت ) دوج ( بيده على كتفي في لطف قائلا : " أسف جدا يا هيلين " فانتزعت نفس منه وابتعدت صارخة فى ثورة : " لا تمسني بيدك !! حاذر أن تمسني " فبدا لي في عينيه ما يعتمل في نفسه من حزن مرير وادار لي ظهره وأخذ في النشيج والبكاء ، فخرجت أتعثر من الغرفة وصعدت الى غرفتي بالدور العلوي . .
بعد ليال من ذلك بينما كنت أتهيأ للصعود الى غرفتي نظر إلى ، وقال وهو يضع الصحيفة التى كان يطالعها جانبا : " أتذهبين في هذا الوقت المبكر للنوم ؟ فهززت رأسي له مقطبة فقال : " لا يزال الوقت مبكرا ، مناسبا لان نخرج وفد سمعت أن فيلما جميلا سيعرض الليلة بسينما الـ . . . فقلت له في صراحة : " أفضل أن لا اخرج وليست لى نفس فى الذهاب !! " فقال : " هيلين ؟ " فاجتذبني صوته فاستدرت اليه ، فأردف قائلا : ) ان حالك هذا لا يرضى : فحملقت في
وجهه الجميل الأشقر ذي العينين الزرقاوين كولده . . ولده الذي يجهد أن يسلوه ينساه . . وقلت له : " ماذا تعنى ؟ " فقال : " انك تعرفين ما أعنى ، لقد مر عليك حتى الآن أكثر من شهر بالمنزل وانت كأنك امرأة لا وجود لها فيه ، ان تماديك فى حالتك هذه لا يجديك شيئا : الحياة للأحياء . . والموتى يرحمهم الله ، اننا لا نستطيع مهما فعلنا أن نعيد طفلنا جيمي بين الاحياء مرة أخرى ، لقد مات فعلينا أن نتقبل
هذه الحقيقة فى صبر ونعيش كما كنا نعيش . . " فقلت : " وكيف نستطيع ذلك يا دوج ؟ " فقال : " اننا ما زلنا صغارا يا هيلين . . أتفهمين ؟ وأمامنا مدى كبير من العمر لانجاب غيره من الاطفال فأثار فى كلامه فقلت : " بلى لقد فهمت ما تقول انك تعنى انه لا داعي للحزن فلم نفقد غير ولد صغير لا يستحق كل هذا الحزن والاستياء ، وان علينا أن نضحك ونلهو ونقيم الحفلات و . الخ
فقاطعني قائلا : " انني لم أعن . . فقلت له : " لا تقل لى ما تعنى فقد فهمت ما تريد ، انك تريد ان نخرج ونضحك ونلهو ثم نرجع الى المنزل فننام ، وان مات هذا الطفل فان غيره سيأتي ، وانه لا شئ لديك ان نقتل هذا الطفل ما دمنا سننجب غيره " فهتف بي وانتصب وامسك بذراعي واخذ يهزنى بشدة فتراجعت فزعة ، وفارقني ما كان مسيطرا على من هياج وثورة ، وحل محلهما شعور عميق من الاشمئزاز والكراهية وصرخت فيه : ابعد يدك عني ،
حذار أن تمسني مرة أخرى فقال : " أنسيت ما اتهمتني به قبل لحظة ؟ " فقلت : " ان كل ما قلت لك صحيح كل الصحة فقد قتلت ولد ولم يخالجك أدنى شعور من شفقة أو تبكيت ضمير ازاء فعلتك الشنعاء كأنما دعست كلبا لا يعقل . . وفقدت السيطرة على نفسي فانهلت عليه فى ثورة ألومه وأعنفه فلم يكن فى نظري غير قاتل أثيم لا أكثر ولا أقل . .
كنت أعيش وحيدة فى عالمي الحزين أحتضن ذكرى ولدى الصغير الميت لا أحد يستطيع أن يؤذيه الآن لا أحد يستطيع أن يمحوه من ذاكرتي . .
وخرجت للتمشية في اليوم الثاني والترفيه عن النفس فشعرت بالحزن يتزايد في نفسي ، وأحسست كأن شيئا يجثم على نفسي ويمنعني من الكلام والضحك والتفكير فيما يبهج ويسر ، أحساسا وشعورا مملوءين بالألم والحزن ، فلم أشعر بنفسي الا وأنا امام المقبرة ولست أدري كيف قادتني قدماى الى ذلك المكان المنحوس
ومع ذلك فقد دخلت وجلست على قبر ) جيمي ( أقرأ ما كتب عليه من عبارات لا معنى لها ، ولست أدرى لمن تكتب ولم أجد أحدا عني بزيارة مبته غيرى لقد نسى كل موتاه أما أنا فأني لي أن أنسي أو أسلو ذكراه ؟ ! وأنا اتذكر ذلك الفرح الذي كان يغمرنى عندما احمله في ذراعي . وذلك المحيا المشرق وهو ينظر الى ملتذا بما يلقى من دفء بين أحضاني .
لقد أخذ جسمى يرتعش والزفرات تتصاعد وتتحشرج فى فؤادي فشعرت بالبرد والتعب ، فرجعت أدراجي الى المنزل عبر الشوارع والازقة المظلمة وبدل ان يواسيني زوجى و يخفف عني أمسك بي وأجلسني قسرا أمامه وقال : " لقد حاولت طويلا أن أصبر فصبرت حتى لم يعد في قوس الصبر منزع وأكرر عليك أن حالك هذا لا يرضى لقد اصبحنا كالغرباء ونحن فى بيت واحد اننى لا اريدك ولا
استغنى عنك ، اننى لا ارضى ان يبقي بيننا هذا البرود والفتور الى الابد ! "
قال ذلك في عاطفة غريزية جياشة فأجبته قائلة : آه ! ليس الآن يا دوج انني لا احتمل ولا ارغب في ذلك الآن " فقال في صوت متهدج : " لماذا . . لماذا ؟ " . . " هل تريدين ان تفرضي على عقابك الى الابد ، يجب ان تتغلبى على هذه الوحشة السائدة فى نفسك " فتملصت منه واخذت أشرح له ما عانيت في يومي من آلام وأحزان لا توصف فقال : " فهمت ، ولكن هل ترين انه لا يجمل بنا أن نجتمع ببعضنا ساعة من الزمن ولم يمض على وفاة ) جيمي ( وقت طويل ؟ .
فأجبته فى حرارة بقولي : " وانت ألا توافقني على ذلك ؟ " فلم يرد على بشئ بل ذهب بعد قليل إلى مضجعه . فذهبت أنا الى مضجعي ايضا بعد أن تبينت أنه نام فلم أشعر بعد فترة من الزمن وأنا بين النوم واليقظة الا وهو يقترب مني فضمنى اليه وأخذ يتحسس بفمه عن فمى لبطبق عليه وبده تمر على جسمى فى حركات أليفة مثيرة فكدت في حالة عاطفية
أطوقه بذراعي واستسلم له بكليتي غير أن شعورا مباغثا بالغضب والسخط غلبني فأخذت اتملص من ذراعيه صارخة : " ابعد عني . . كيف تجرأ . . ؟ " فقال : " ماذا بك يا هيلين ألست زوجي ؟ " فقلت ثائرة : " هذا لا يعني ان لك الحق فى أن تجبرني . . " فقال : " لا بأس بذلك ما دام فيه ما يخرج بك الى دنيا البشرية مرة اخرى " قال ذلك وأطبق بفمه قسرا على فمى ، فكان منظرا مذلا شنيعا لم اتمالك فيه أن
أجهد وأناضل في تخليص نفسي وصفعته على وجهه بكل قوتى فانفلت منى فجأة ، وكان قلبي يضرب بشدة حنقا وغضبا ، فاستندت في سريري أحاول ان القط نفسي واسيطر على اعصابي ، فنهض دوج وتناول ثوب الاستحمام من تحت السرير وغادر الغرفة من غير أن ينبس بكلمة .
مر بخاطرى ان أدعوه ، لقد تألمت له وشعرت بالرثاء لحاله ، لقد أنصت له وهو يهبط السلم وعرفت انه سيعد الاريكة لينام عليها بدل السرير ولم تبد منه محاولات ما بعد ذلك او ما يغير موقفه مني وكنت شاكرة له ذلك ، وكان على أن أقدر ما يجمع بيننا من روابط كشريكين ولكنني لم افعل . لقد كنت أحيا وحدى فى عالمي الحزين . وكأن ما تحفل به دنيا الواقع من حقوق وواجبات لا تهمني شيئا فى ذلك الحين وبينما كنت راجعة ذات يوم من زيارتي اليومية للمقبرة شعرت سيبارة تقف على مقربة منى فالتفت ورأيت ) كارلوتا ( صديقتي وقد
فتحت باب السيارة تسألني ما اذا كنت أرغب في الذهاب معها ؟ وكنت متعبة من السير ، فجلست الى جانبها شاكرة ، فسألتني وهي تميل الى بمنعطف الطريق : أين كنت ؟ فقلت : " لم أكن في مكان ما " فحدقت بنظرها فى وجهى لحظة ثم أدارت بصرها للطريق الممتد امامها وقالت : " ان منظرك اصبح مروعا تتجسم فيه الكآبة والحزن . لقد
فقدت الكثير من وزنك واصبح وجهك هزيلا ماذا تريدين بحزنك هذا ؟ هل تريدين ان تلحقي بطفلك جيمي ؟ فقلت : " انني لم اقصد شيئا بذلك ، فقالت : " هل تريدين ان اوقف السيارة لتخرجي ؟ فقلت مندهشة : " كلا بالله فانني متعبة " وبدا عليها كأنما تريد ان
تفضى الى بشيء عن معارفنا او عن رجل جديد تقدم لخطبتها واعجبت به ، والحق انه كان غريبا ان تظل عانسا مع انها كانت فتاة جميلة فاتنة ، وانني ما زلت اذكر انها قد اتصلت بزوجي قبل ان اقترن به وقد توطدت العلاقات بينهما كثيرا حتى لقد ظننت انه سبقترن بها - وكان
ما قد توقعت فقد أخذت تروى لى الكثير عن اصدقائنا ومعارفنا حتى وقفت بنا السيارة امام المنزل ، فقالت : " حاول ان تخرجي كلما امكنك ذلك للترفيه عن نفسك " فشكرتها ودخلت المنزل فمررت فى طريقي بالمطبخ فوجدت ) دوج ( قد جاء بشئ اخذ يطبخه على الموقد ، وقد
فتح الثلاجة في نفس الوقت ليضع بها ما أتى به من أطعمة فجلست على كرسي في الغرفة المقابلة وأخذت أرقبه من مكاني ، لقد ضعفت عنايتى أخيرا بالبيت وأصبح ما يأتي من طعام لا يكفينا فى اغلب الاحيان . والسبب في ذلك ولا شك ان (دوج) هو الذي اصبح يقوم بشراء لوازم البيت لا أنا ، فقلت : " يبدو أنه لحم مفروم " فلم يرد بكلمة بل تشاغل عني باعداد المائدة . فنهضت من مكاني وتمددت على الاريكة وقد بلغ
بي التعب والجهد فنمت نوما قصيرا متقطعا ، وكان من أثر ذلك ان صرت منهوكة القوى أميل الى النوم في كل وقت لتعويض ما بذلت من جهد وقد وجدت دوج عندما صحوت من نومي جالسا على كرسي قريب ينظر الى بادى التأثر والحزن ثم قال : " لقد حفظت الطعام في الثلاجة فخذى منه
ما شئت اذا كنت جائعة ؟ " فقلت : " ليست لى رغبة فى الاكل بل أفضل أن اصعد لغرفة النوم لانني جد متعبة " وتأهبت للذهاب فقال :" أريد أن أقول لك شيئا " فقلت : " كلا ليس الآن فأنا جد متعبة " فانتصب واقفا على قدميه عابسا فوقعت الجريدة التى كان يطالعها على الارض وقال : " أخشى انني لا استطيع ان أصبر أكثر مما صبرت " فقلت في ملل : " حسنا وبعد فما الذي تريد ان تقول ؟ " فتردد لحظة ثم قال : " أرى أن تذهبى الى الدكتور روبرتس " الدكتور روبرتس ؟ ! ولماذا انه
لا يعنى بغير المجانين ومختلى الشعور ! فما الذي كان يعنيه بقوله هذا ؟ هل رأي فى تصرفاتي ما يحمله على الشك فى صحة عقلي ؟ فثارت ثائرتى وصرخت مجيبة له بقولى :" كلا لن أذهب ، هل معنى ان يحزن الشخص
على فقيد له انه مجنون ؟ ام ان من غير المألوف ان يحزن ؟ إذا صح أن أحدنا مجنون فليس غيرك انت . . ولم يغضب ) دوج ( من كلامي بل رأيت وجهه يزداد حزنا واكتئابا وخالجني شعور عميق . . من اعمق ما يمكن ان يحس به انسان حتى انني كدت أوافقه على اننى لست في حالة
عقلية مناسبة ، وان شعورى منحرف غير مألوف فقال في لطف : " انني أدرى فيما ذا تفكرين ، ولكنني أرجوك يا هيلين ان تدعيني آخذك اليه ، انك في حاجة للعلاج " فهتفت : " كلا . . كلا لن اذهب . . " فقال : " قولى لى هل هذه هي كلمتك الاخيرة لانها إذا كانت كذلك فليس هناك من حل غير الطلاق " لم اكن أتوقع ان يقول
ذلك ولكنه كان يتكلم في صوت مرتفع رصين كان له في نفسي وقع السياط فجلست على الاريكة بضع دقائق ، أهدئ اعصابي ثم سألته قائلة :" ماذا نقول ؟ الطلاق !" فقال : " نعم يا هيلين فذلك ممالا مفر منه إذا رفضت ان تذهب للطبيب !! فنظرت الى وجهه فتبينت فيه الجد فقلت لا بد أن يكون قد ارتبط بامرأة فمن هي يا ترى ؟ ام انه يعتقد حقا اننى مجنونة ولا يرى داعيا لبقاء
ما بيننا من علاقات ؟ فسمعت نفس اسأله : " ما الذي حملك على أن تطلب الطلاق ؟ فقال : " لا ارى جدوى في ابقاء ما بيننا من علاقات يا هيلين فقد قضت الثلاثة الاشهر الماضية على ما بيننا من حب ، فاصبحت تكرهينني ولم أعد في نظرك غير قاتل سفاك ، حتى لقد اصبحت ارى نفسي كما تقولين ولا اقدر على العيش معك وانت تكرهينني " فازدادت حدة غضبى وانتصبت على قدمي وصرخت قائلة : " لا بد ان تكون هنالك
امراة اخرى فمن هي ؟ " فقال : " هراء : ليست هنالك اية امرأة كما تظنين . . " فلم أصدقه ، وتذكرت فجاة صديقتنا ) كارلوتا ( فلم اشك انها هى تلك المرأة فقد كانت فناة جميلة ذات عينين زرقاوين ساحرتين وقد عجبت غير مرة فيما دفع زوجي على اختيارى زوجا له دونها ، أما الآن فلا داعي للغرابة والعجب فقد ندم على اختياره ذلك على ما يظهر ، ولكن حسنا انه لن يظفر بها فلا ولن أسمح له بالطلاق
فقلت له ذلك ، وانا لا أكاد أملك نفس ، من السخط والغضب فقال : " ولكن العلاقات قد توترت وتلاشي ما كان يجمعنا من عطف وحب فأصبحت تكرهينني لقتلى ) جيمي ( و كيف اطمئن إلى البقاء معك وانت تكرهينني وتمعنين في عقابي وتعذيبى وتنكرين على حتى ما اختلسه من انقاض حبنا وحقوق الزوجية المقدسة ؟! وعرفت فجأة السبب الذي حدا بي للرفض
انه ليقاسى ما قاسيت من آلام وعذاب من فقد ولدى . . لقد قتله فلماذا لا يتجرع مثلى ألوان العذاب جزاء على فعلته النكراء فقلت له وقد تشنجت أعصابى وأحسست كأنى أوشك أن أطبق عليه وأدمى وجهه الوسيم بأظفارى : " انك لا تستحق ان تعيش أيها القاتل فكيف تستغرب ما تعاني من ذلك من جفاء وآلام ؟ ! " فاصفر وجهه وتراجع الى وراء في حركة آلية من ثورتي الجامحة وقال : "انك
مريضة يا هيلين " فلم أدر ما أصنع فتحولت عنه وصعدت الى الدور العلوي وارتميت في سريري وتملكني دوار أليم وتمثل لي الحادث من جديد وتمثلت ) دوج ( زوجي بين ذراعي " كارلوتا " يهزأ من آلامي معترفا أنه كان مخطئا بزواجه مني ، ودوى فى أذنى أنين ) جيمي ( وصراخه فازددت خبالا حتى شعرت قرب الفجر بشئ من الاستقرار والهدوء ، وعاود دماغي صفاؤه واتزانه فاستغرقت في النوم . .
وكانت الشمس تملأ الغرفة عندما صحوت على قرع جرس الباب الخارجي وكنت اشعر بصداع أليم وبالميل الى معاودة النوم ، فلبست ثوبى فى سرعة وذهبت لفتح الباب بالدور السفلى فوجدت " كارلوتا " واقفة بالباب فقلت : " خيرا ان شاء الله ؟ " فقالت : " خيرا لقد أتيت لزيارتك " فأفسحت لها الطريق وتقدمتها الى غرفة الاستقبال وكانت الارائك مبعثرة ولكن يبدو أن "دوج" لم ينم عليها فأين نام يا ترى ؟ !
فجلست أنا وكارلوتا . . ومع ان الوقت كان مبكرا لا يتسع للتأنق والزينة فقد رفعت بصرى فرأيت شعرها مصففا وأذنيها تتحليان بقرطين جميلين منسجمين تماما مع شعرها الكستنائى الأثيث ولكنها كانت تبدو فى حال نفسية غير عادية فقلت لها : " اننى أدرى عن سبب مجيئك هذا لقد جئت لتصرحي لى أنك تحبين " دوج " وتريدينه لنفسك " فتنهدت وقالت : " أنت مخطئة كل
الخطأ فأنا احبه دائما كحب لك . . انني احبه كصديق لا اكثر ولا اقل ولكن لدى ، بعض كلمات لامناص من قولها " ثم اخذت تتحدث فى صوت معتدل ولهجة صادقة تحمل على الثقة وحسن النية ، فقالت : انها لم تكن مغرمة بزوجى وليس بينهما اى ارتباط غير عادى ، فلم أشك في نفسي حينئذ ان ما حمل ) دوج ( على المطالبة بالطلاق هو اعتقاده أننى مجنونة " كما قالت أن دوج قد اخبرها البارحة عن معاملتى السيئة له وأننى متمسكة
به عقابا له على قتل جيمي ، فقلت : نعم لقد قلت له ذلك فقد كان يبدو عليه عدم الاكتراث لما اقترف من جرم فى الوقت الذي اعاني فيه صنوف الحزن والعذاب . فصمتت كارلوعتا لحظة ثم نهضت ونظرت الى في انكار قائلة : " فكرى جيدا يا هيلين ولا تتملصى من الحقيقة فالخطا فى ذلك عليك انت لا عليه ، اما هو فانه يحبك كل الحب وقد رآك تعانين آلاما نفسية قاسية فخشى ان يصيبك انهيار عصبي فاشار عليك بالذهاب
الى الطبيب ، فكان جزاؤه انك كدت تدمرين حياته و . . فسألتها متلعثمة شاعرة فيما في كلماتها من صحة : " ماذا تعنين ؟ " فقالت : " انك تعرفين ما اعنى فقد ظننت انك بالقاء تهمة قتل جيمي على رأس ) دوج ( وحده تبرئين نفسك من جرم كنت انت السبب الأول في حدوثه " فصرخت : " انا ؟ هذا غير صحيح !!" فقالت في حزم : " اصبرى على حتى انتهى من كلامي ، لقد اتى ) دوج ( الى منزلي هذا الصباح
كالمخمور وخبرني بما حدث بينكما من خلاف مزعج ، ومع انه يملك سيارة فقد عد نفسه غير جدير بقيادتها ، فكرى جبدا فى مقتل جيمي يا هيلين وانظرى فى هذا الامر من جميع النواحي لا من ناحية " دوج " وحده ، هل كان يخطر على بال دوج انك بهذه الدرجة من الاهمال وعدم التفكير لتدعي طفلا لا يتجاوز السنتين من العمر في مثل نشاط جيمي وحركته ينطلق
وحده وفي ذات الوقت الذي تعرفين انه ميعاد مجئ ابيه من العمل ؟ لقد اعتدت ان تقابلي زوجك انت وجيمي كل يوم فلم يرك دوج كالعادة لما يحجب المنزل عن القادم من المنعطف والشجرة التى امام المنزل فلم يرك لا انت ولا جيمي ، لقد فكرت فى الحادث يا هيلين ونظرت في الأمر
من جميع الوجوه . . فلم املك كبت زفراتى الحرى وتهالكت على الاريكة وتلاشي من نفسي كل ميل للنضال والثورة . ولم يبق لي الا أن اواجه الآن في استماتة ما حاولت
طوال هذه الاشهر انكاره من جريمة شنعاء كادت تذهب بعقلى ، لقد أزاحت " كارلوتا " الستار عن خداع نفسي واتضحت لى الحقيقة ناصعة لا غبار عليها ، لقد كنت انا المسئولة عن موت ولدى ) جيمي ( ، فانخرطت فى البكاء وانا اقول : " اواه يا فلذة كبدى ! ارحمني . . اعف عني
فأنا الجانية عليك لا غيري . ." فانحنت على ) كارلوتا ( وقالت والدموع تنحدر من ما فيها : " ان قول الحق صعب لا يحتمله كل انسان ولكنني سأصرح لك به ولو كرهتني لذلك ، ان عليك يا عزيزتي أن تستغفري " دوج " على ما فرط منك في حقه . . " فهرعت الى منزلها تطاردني شياطين جريمتي ، وأيقنت أننى سأفقد عقلي إذا تحملت آلام التبعة وحدى فقد اصبحت الحسرة
والحزن تملآن كل جزء من جسمى ، وقد وجدت زوجي ) دوج ( يحتسى القهوة بالمطبخ بمنزل ) كارلوتا ( فاندفعت اليه محمرة الوجه جاحظة العينين ، فانتصب في مقعده قليلا وقال : " ماذا جرى يا هيلين ؟ ماذا جرى ؟ قولى بالله عليك ؟ وقد أصبحت عيناه محمرتين ووجهه ابيض معروفا يا لله ! كيف تعاميت كل هذه الاشهر عما يقاس من أجلى ؟ : فهتفت به
قائلة : " دوج انني انا المجرمة ، انا التى قتلت جيمي ، اكرهني لذلك اذا شئت اكرهني وانزل بي جام نقمتك وسخطك على سوء معاملتى لك وتعذيبك طوال هذه الاشهر . آه : دوج . . دوج انني اتعذب فأحاطني بذراعيه فشعرت بالسعادة
تغمرني ، والهدوء والسلام يملآن جوانب نفسي . انا المجرمة التى كنت انكر عليه مثل ذلك وأبخل عليه حتى بالمعاملة الحسنة . اراه الآن يعاملني فى رقة ولطف بالغين !! وهتف بي قائلا : " أبكى ياهلينى!! أبكى يا عزيزتى ما وسعك البكاء فالدموع تغسل الخطيئة وتجلو الاحزان " فقلت وانا أشهق باكية : " انني لا استطيع ولن استطيع ان اغفر لنفسي هذا الجرم " فرفع وجهى بيده حتى تلاقت نظراتنا : عيني الآثمتين بعينيه البريئتين
المفعمتين رقة وتسامحا ولطفا ثم قال : " عزيزتي ليس من الرأي ان تتركي نفسك منهبة لتبكيت الضمير وأسيرة التحسر والآلام فكفاك ما تحملت من ذلك فلتطرحي كل يوم وكل ما تشعرين من آلام على عاتقى أنا لقد حاولت أولا ان احملك على النهج السوى وأجنبك كل هذا التأثر العميق فلم استطع . فما كان في مكنتى حتى الاتصال بك فالواقع اننا كلينا قد اشتركنا في الجريمة لذا فان علينا معا ان نواجهها ونتحمل مساوئها ،
ان علينا الآن ان نبدأ حياتنا من جديد وحفا فقد اصبحنا كالغرباء لبعدنا عن بعضنا طوال هذه الأشهر : " فقلت وانا ارسل زفرة عميقة : " اعرف بذلك كما أعرف أن على ، أن أكون معك أمينة مخلصة منذ الآن . . من الغريب يا (دوج) ان تحس نحوى بهذه الشفقة ، وتشعر هذا الشعور بعد كل ما قابلتك به من القسوة وسيىء المعاملة ؟ ! وعلى فكرة اذا كنت لا تزال مصرا على المطالبة بالطلاق فسأجيبك اليه ولا ألومك في ذلك ؟ ! "
فأجاب بما كنت أتوقع أن يجيب : " اننا لا نستغنى عن بعضنا الآن أكثر من ذى قبل فمما لا شك فيه اننى ما سلوت حبك قط . وكل ما يهمنى الآن هو أن أرى فيك من جديد فوق ما كنت اعهد فيك من اخلاص وحب . ."
وقد يبدو للقارئ ان من المستحيل على قصة كقصتنا حافلة بالآلام والانفعالات والسخط أن تنتهي بنهاية حسنة ولكن قصتنا انتهت بذلك فان بمنزلنا ولدا آخر الآن مولعا بتسلق الأسيجة والترجح عليها وقد علمت أنه أحسن اللاعبين بفرقة كرة القدم الذي هو مشترك بها فى حينا .
ومرت السنون واندملت الجروح ولكن أكبر ما حدث فى حياتنا هو حب " دوج " الذي لا أقدر ان أفيه حقه من الشكر مهما حاولت . . فشكرا لله على ذلك . .
وهنالك بعض الامور التى لا ولن أنساها ما حييت ، تلك هي ان اهمالا بسيطا قد كفنا فقدان حياة غالية والشئ الآخر هو ان اعتقادى انني الجانية كاد يكلفني سلامة عقلي ويفضى على سعادتى ، ولكنها تجارب علمتني مدى ما يجر اليه الاهمال وخداع النفس على الانسان من شرور ، كما اننى كلما تأملت زوج " دوج" آمنت بما للحب من مدهشات . . ( عن مجلة مودرن رومانسس )

