سار القطار فى سرعة فائقة متوجها صوب جورجيا ، وادوارد هارفى يقرأ الاخبار المسائية الاخيرة فلم يشعر وهو مستغرق فى المطالعة بالرجل الذى دخل واتخذ له مقعدا تجاهه ، حتى رفع بصره عن الصحيفة بعد بضع دقائق فرأى القادم الجديد فشحب وجهه، لقد كان الرجل يشبهه فى كل شئ حتى لكأنهما توأمان ، كما ابدى الآخر دهشته بضحكة عالية رنت فى ارجاء الغرفة طغت على صوت العجلات المزعج ، وسرعان ما وثبت الى ذهن هارفى فكرة .. فكرة لم تكن تخطر له على بال ، لقد ساق اليه القدر هذا الرجل الذى يشبهه فى كل شئ حتى فى السحنة والملامح فلماذا لا يستفيد من هذا الشبه للهرب وتضليل البوليس الذى يطارده فى كل مكان بتهمة قتل رئيسه وسرقة مبلغ كبير من المال ؟ ان عليه اذن أن يتخلص من شبيهه وان يستحوذ على أوراق اثبات شخصيته فيكون ذا شخصية حرة مستقلة ، واخذا فى الحديث فعرف هارفى أن شبيهه يدعى ( جو باكتسير ) وانه قد صفى اعماله التجارية وهو يعزم الذهاب الآن الى الجنوب نهائيا ليعيش من دخله السنوى الكبير .. ولم تمض على
اجتماعهما وتعارفهما نصف ساعة حتى حان ميعاد النوم فافترقا عن بعضهما مغتبطين بهذا الشبه الغريب بينهما وكانت غرفتاهما متقابلتين .. فلم ينسيا ان يتبادلا بعض النكت اللاذعة قبل ان يتهيأ للنوم ،
وانتظر هارفى بضع دقائق ثم راح يدق على باب جاره يقترح عليه أن يحتفلا بصداقتهما الجديدة ، فسر باكستير بهذا الاقتراح وراح يبحث عن لوازم الاحتفال كما ذهب هارفى لاحضار شئ من حقيبته ، واهتز القطار فجاءة فى عنف وتدحرج الاثنان على الارض من هول الرجة ، فنهض هارفى بعد بضع دقائق من سقطته وهو يمسك برأسه .. فقد اصطدم بالارض صدمة عنيفة ، وكان الظلام مخيما حوله والظواهر كلها تدل على أن القطار كان قد خرج عن الخط ..
وبعد ان استجم قليلا ادرك ان المصادفة قد اتاحت له فرصة ثمينة يجب أن لا يدعها تفلت منه للتخلص من شبيهه من غيران يخشى التهمة باقتراف جريمة القتل ، فرفع زجاجة الشراب التى كانت لم تمس بعد وضرب بها زميله الذى كان يحتضر فاجهز عليه ثم استولى على حقيبة غريمه واستحوذ على أوراقه واطل هارفى من غرفة مفتوحة بالقطار
فرأى بنظرة مستوعبة تفاصيل ما حل من كارثة .. لقد كانت العربات ممزقة شر تمزيق .. وانين الضحايا ينبعث من بين حطام يملأ اجواء الليل ورأى فجأة ضوءا قويا ينصب متركزا على الركام وقبل ان يحيط هارفى علما بسر ذلك الضوء شعر بالارض تهتز بشدة مرة اخرى ، وكان ذلك من اثر اصطدام قطار قادم بعربتين كانتا تعرض طريقه على الخط ، وكانت صدمة قوية انفجر منها القطار الى قطع وشطايا مشتعلة اخذت تنتشر فى كل مكان مسببة مزيدا من الخسائر والضحايا ، فحاول هارفى التخلص والهرب حبا فى الحياة ولكن قضيبا حديديا ضخما اصابه فى رأسه بشدة قبل أن يتمكن من ذلك ، فارتمى على العشب الرطب فاقد الوعى وهو يحتضن حقيبة باكستير اليه فى حرص شديد وعندما افاق وفتح عينيه وجد نفسه نائما على سرير بالمستشفى ورأسه غارفا فى اللفائف والاربطة ، ووجد حوله عددا من الرجال والنساء فى ثياب بيض يظهر أنهم أطباء وممرضو المستشفى . كما وجد احد رجال
البوليس السرى فى زى مدنى .. وامرأة شمطاء تربت على ظهره . وكان صوت هذه السيدة هو أول ما سمع هارفى ، وكانت تقول : اننى متأكدة ان هذا الرجل هو زوجى جو باكستير بعينه ، ليس فى ذلك ادنى شك ، صحيح اننى لم اره منذ سنوات عدة ولكن ذلك لا يعنى اننى اخطئ فى معرفة رجل قضيت معه أكثر من عشر سنوات ، وكان رجل البوليس قد لاحظ ان هارفى قد افاق من غشيته فاقترب منه وهمس فى اذنه قائلا : لم يبق لدى ذرة من الشك فى حقيقة شخصيتك لذا فانى سوف اسلمك للمرضتين اللتين جاءتا خصيصى للبحث عنك
- أى ممرضتين تعنى ؟ من أنت أيها الرجل ؟
- اننى مفتش البوليس المحلى هاريس يا سيد باكستبر . اما الممرضتان فقد بعثهما مستشفى الامراض العقلية ، الذى كنت نازلا به وهربت منه منذ يومين اثنين ..
