استبدت " بمنير " نوبة قلق عاصف حينما جاءته البشرى - او سمع هو بهذه البشرى - تزف إليه بعد يومين بأن الله الكريم خلص ) فاطمة ( من الموت الأصغر ووضعت مولودها الأول بعد عذاب وألم قاتلين عانتهما خلال أيام ثلاثة كاملة . . لماذا يقلق " منير " ؟ ألم يكن بشرى ذلك النبأ . . ؟ أو لم يطل التفكير وهو يتخيل هيئة ) فاطمة ( وقيافتها حين أدركها الشهر الأخير وهو ينتظر لها ساعة الفرج . . ؟ حقا لقد كان خلاصها من تلك الحال بشرى عظيمة " لمنير " ولكن القلق داهمه بفكرة أخذت تعصف برأسه وتذهب بخياله كل مذهب - وهو قد عاد ساعتها من عمله مرهق الأعصاب خاوى البطن يتهيأ لتناول طعام الغداء الذى تأخر قليلا عن موعده مما أفسح له وقتا استعرض فيه ما قد خطر بباله من ذلك الماضي الجميل البعيد الذى تتهلل له محياه ثم عاد ثانية للانقباض حين حضرة سفرة الطعام وتوافد أفراد الأسرة يحيطون بها وهو بينهم لا يتميز عنهم الا ان له مكانه الخاص الذى لا يتغير . . وصادف أن كان بين الطعام لون يحبه " منير " ويفضله على كثير من المأكولات مما أثار شهيته وجعله يتغلب على انفعالات نفسه ويقبل يستطعم بشوق ولا يستهدف يده لغير ذلك اللون حتى طلب طبقا آخر اشارة - وهو على عادته صامت لا ينطق ببنت شفة ولم يرد على الصوت الذى ساله : لماذا لا تاكل من هذا وهذا ؟ - الا بنظرات هازئة كأنما تقول : و ماذا يعنيك ؟ وخلت الغرفة الا منه ومن اخيه الذى راح يضم طفله ويهدهده لينام حتى يستطيع هو أن يهوم بعض الوقت ليرتاح جسمه المتعب . . ودغدغ الذبول أجفان " منير " وشعر بخدر لذيذ يتمشى فى جسده وهو يطالع مطالعته الهادئة - قصة فنان حائر مثله - وهم يصلح من وضع رأسه واذ بلعلعة صوت جارتهم الشبه
غجرية ينادي على ابنتها : فاطمة . . فاطمة . . يا مقصوفة الرقبة ! أين ملعقة الشاي ؟ وحملق " منير " بعينه واستعاذ بالله فى نفسه ثم قال بصوت خفيض : ياللشيطان ! تقصف رقبة ابنتها من أجل ملعقة أو غيرها أو أحقر منها . . لولا هذا الاسم الحبيب الى نفسى لاستهدفت اللعنة منى أيتها المرأة الحمقاء . . وبعد لحظات سكون كان " منير " يهجوس أو قل يتكلم مع نفسه التى تسبح معه فى كل أفق يأخذها اليه أو يحدثها عنه : -
أواه يا فاطمة ألا ما أعذب هذا الاسم الحسن الذي يحتضن فيه اللسان سقف الحلق وتتعانق فيه الاسنان والشفاه . . فاطمة . حقا ما أورعه . . انه يملأ الفم بكامله . . صاحبته هذه الملاك الساحرة تستوطن القلب بمجموعها . . انها هى الوحيدة التى ملأت على أيام صباى ونحن أشبه ما نكون بالاطفال . . لقد كان حبنا العذرى نادرة الوجود فى مثل هذا الزمن المريب . . أو لم يكن هذا الحب يقدسه أجدادنا ويغنون به ويعيشون فيه ؟ ومن الذى يستطيع أن يحول بيننا ونحن نعرف كما عرفوا هم بان حبنا هو الحب للحب . . الحب فى أسمى وفى أجل معانيه الطاهرة . . اننا سنلتقى اليوم . . أجل . . ألا ما اسعد هذا اليوم وأخلده فى تاريخ حياتنا . . انتظري يا فاطمة ، سأتى لزيارتك لأطمئن على حالك واغفرى لي لأنى قد تأخرت عليك وقد مضى أسبوع كامل على ولادتك . . آه أعني يا إلهى . . اجعل القبول فى وجهى . . كم أنت رحيم بعبادك لأنك تؤلف بينهم إن الانسان ظلوم كفار "
وتناهض يتحامل على نفسه ثم يقفز خفيفا فرحا يلبى نداء اعماقه . . ولم يشعر إلا وهو بحضرة حبيبته " فاطمة " وهي مضجعة على فراشها فى مكان له ذكرياته القديمة . وقد كان الوقت أصيلا . . لقد وجد نفسه يجلس بالقرب من موضع رأسها وهو يقول :
" الحمد لله على سلامتك يا أختاه . . إنك بخير بالرغم من هذا الضعف والشحوب . . أهذا وليدك ؟ . ما شاء الله . . سينشأ سعيدا فى ظلك . . " قال ذلك وهو يشير براسه مكتفيا بمد بصره حيث كان مرقد الطفل قرب أمه فى الجانب الآخر . . ودار
" منير " بنظراته فى الغرفة فلم يلحظ سوى فتاة وطفلين بأحد اركانها وقد انهمكوا فى لعبة لم يتبينها . . ودنا قليلا من " فاطمة " التى لم تتحرك من مضجعها إلا لتزيح الغطاء السميك عن نصف جسمها العلوى ثم تقول وهى تزواليه بنظرة وادعة كبيرة :
- " إنني لا أعرف كيف شكرك يا سيد منير . . وفاؤك الدائم . . أخوتك الصادقة البريئة . . حبك الخالد الذي رضعناه معا ثم انتزع الاشرار كأسه من بين أيدينا . . أنت كيف حالك ؛ بدى ؟ . " وأشارت بيدها أن يسكت هو ريثما ابتلعت ريقها وازداد صوتها تحمسا مع احتفاظها بنظرتها الكسيرة وهى تعود قائلة :
- آه يا أخي الحبيب . . لا تقاطعني ياسيد منير . . دعنى أقول كل ما عندى ثم تكلم أنت بما شئت لقد قالوا بأنك بعد يأسك أصبحت كمجنون بني عامر المسكين تتيه فى الفلوات وتعاشر الطير والظباء . . ثم سافرت تطلب السلوى . . فماذا وجدت هناك وقد عدت كما أنت فى ولهك وشرودك . . أما أنا فيكفى أن تعرف عني أننى أعيش بلا قلب وبغير أمل . . ولئن كان حالك يكر بني ويحزننى فاننى الآن أشعر بالطمأنيئة عليك لانني سمعت أنك سعيد فى زواجك وقد بدأت حياة جديدة . . " وندت عن الاثنين اهتان ملوعتان ثم دموع حاول كلاهما أن يخفيها عن الآخر بحركة تجفيفها السريعة - ولما التقت أنظارهما ابتسما وامتدت أذرعهما على الاكتاف وتقارب صدراهما وحدقت أعينهما فى بعضها بوله شديد ولم يشعرا إلا وهما يتعانقان وتلتقى شفاههما الظماى فى قبلة بريئة انتعشا بها وتأوها . . وضغط " منير " بأنامله على ساعدها ثم أعاد يده الى حجره وهو يقول بتأثر بالغ :
كفاك يا فاطمة كفاك ما عانيته عيشى فى واقعك فليس حالى أقل من حالك انت سافرت ! نعم ، ولكن أي شئ لم يستطع أن يغير ما بقلبي لك . .
وهناك احاط بى الاصدقاء واشتركت معهم فى تزجية بعض الوقت بالسينما والاستمتاع بمناظر الأفلام التى لم نر منها الا العدد القليل الذى يستحق أن يشاهد ومنها واحد تكررت مشاهدتى له هو فيلم " فاطمة " الذى بكيت فيه حينما غنت أم كلثوم وراء
القضبان : " ظلمونى الناس ظلموني " كنت أتصورك . . "
وهنا وقع نظر " منير " على زوج ) فاطمة ( وهو يأخذ مكانه بينهما ويحمل فى يديه جهاز صغيرا للراديو وضعه على ركبتيه وينبعث منه نور ضئيل ساعد على توضيح المرائي بينهم ولم يفز " منير " للمفاجأة الغريبة ولم يستنكر وجوده فى هذا الموضع ولم يزد على أن زحف قليلا الى الوراء وحيا الزوج بإيماءة من رأسه وابتسامة خفيفة طبعية لاحت على وجهه الذي انصرف به الى جهاز الراديو ثم امتدت يده تدير مفتاحه فإذا بموسيقى ) موكب النور ( للموسيقار عبد الوهاب تنبعث فى هدوء وجلال وانصت لحظات للحن الرائع ينساب فى مشاعره وخواطره وهو يتأمل خلسة وجه " فاطمة " المصفر ثم تأوه وقال ، وقد شارفت الموسيقى على الانتهاء : غاية الابداع والروعة . . الفن فى اسمى معانيه . . ألم تلاحظا ذلك ؟ . - ورفع الزوج رأسه متأففا وامتد بيده بعد أن زحف قليلا من مكانه - يضع جهاز الراديو على رف قريب منه ثم يقوم بكسل يشرف من النافذة على المارة بنظراته البلهاء . . وقد كانت ) فاطمة ( طيلة الوقت شبه ناعسة ولكنها كانت تسترق هي ايضا النظر الى محيا " منير " بين حين وحين حتى فاه بتلك العبارة فلم تفهم ما قال وأجابت بابتسام بعد لحظات : " اننى ولله الحمد بخير . . ولكن ادع لى ياسيد منير كلما صليت " وهنا جلجل فى المسامع صوت أذان المغرب فقام " منير " يودعها بايماءة عن بعد وهو يقول بصوت منخفض : سأدرك الصلاة فى المسجد . . واطمئني يا ) فاطمة ( فان الله لن ينسانا من فضله واننى لن أتخلى عنك فى الساعة اللازمة . . وحدج زوجها بنظرة شزراء وهو يغادر المكان وهي تشيعه بنظرات حائرة مبتهلة فيقول فى نفسه ) أيها المخلص الأعظم خلصها مما هو أعظم . . ( وحين جمعه الليل بزوجته الحسناء فى غرفتهما الشاعرية الزرقاء ذات الضوء الخافت كان عقرب الساعة يشير الى أن ساعتين وخمسا وخمسين دقيقة قد مضت على انطواء الشمس خلف الحجب الكثيفة العتيدة . . وأبصر " منير " نور القمر ينحدر من الشرفة الشرقية فاتخذ مجلسه عندها وأرسل
نظرة مطمئنة طويلة الى السماء كأنما يناجى بها ذلك القرص الفضى المنطلق فى الفضاء . ثم قال بوداعة : كأنى بك عاشق طال سراه وضلت حبيبته وابيض محياه . . وإنما أخشى عليك أن يصفر هذا المحيا بعد عهود ان لم تعثر على أملك المفقود . ودخلت زوجه من باب الغرفة الداخلية وبين يديها طبق الفاكهة التي استخرجتها من وعاء الماء المثلج وهي تقول باسمة الثغر مهللة الوجه : تكلم من أيها الفنان ؟ . . أنت دائما تتحدث مع نفسك . . ؟ وجلست الى جانبه فى ضوء القمر بعد أن وضعت الطبق أمامه بينما هو يناجيها وتحيط يده بجيدها الأتلع : كنت أحدث صاحبنا القمر . . ألا ترى أشعته الفضية اللطيفة توحى بالغزل . . تعالي يا ملاكى الجميل . . أنت كل الغزل . . والحب . . والأنااشيد . . وسعادة الدنيا بأسرها . . آه يا " لواحظ " حبيبتى وكل آملى . . قال ذلك وقد امتدت ذراعاه تحيطان جانبيها وتتعانق يداه على صدرها وهي قد أسندت رأسها الى صدره ويداها تتعلقان بعنقه ووجهها يتضوا سحرا تحت نور القمر الهادىء فطبع على جبينها قبلة ثم على وجنتيها ثم اشتركت شفاههما تنهل من كأس السحر الحلال فى لذة وطمأنينة . . وعادا الى جلستهما الطبعية ملتصقين واستدارا برأسيهما الى الشرفة حيث التصق خداهما وهما يتأملان تلك الكرة الثلجية المتضوأة السابحة فى عرض السماء ثم ينقلان النظر بينها وبين وجهيهما الباسمين . . وهمست " لواحظ " وأنفاسها تصافح وجهه كنسمة عطرة رطبة تدغدغ أطفال الزروع : ألاما أحلى حياتنا وأعذبها يا " منير " . . انك كل شئ لى يا حبيبي . . يا زوجي الحبيب . . وهمس " منير " بالمثل : أجل يا لواحظ . . الأحلام الجميلة العظيمة التى كنت أتصورها وأتخيل أشباحها تهرب منى وجدتها فيك حقيقة تعانقني . . والسعادة التى كنت أفتقدها وأبحث جاهدا عنها عثرت عليها عندك تهدهدنى . . ألا ليت كل حياة الأزواج مثل حياتنا يا حبيبتي . . الحب وحده قد كفانا التفكير فى أى شئ حتى قنعنا بعيش البسطاء نعم يشرفنا أن نعيش شبه فقراء - أو حتى فقراء ما دمنا ننعم بابتهاج هذا القمر الوهاج وبجمال الكون وبالسعادة العميقة فى نفوسنا وقلوبنا . . واستدارا
الى طبق الفاكهة و ) منير ( يتابع كلامه بصوت شبيه بالهمس وهو يتناول حبة كمثرى لينصفها بشفرته الصغيرة ويناول زوجه حصتها : كم هو نبيل جارنا الجديد فانه لم يكتف بأن يبعث لنا بالفاكهة فأحقها بقطعة من الثلج - ولولا حسن تصرفك وتدبيرك أنت لذابت قطعة الثلج ولم نأكل الفاكهة مثلجة كما يأكلها الموسرون . وراح يقضم مما فى يد زوجه وهى تقضم مما فى يده - ويضحكان . . ودقت الساعة النصف بعد الثالثة وانصتا لخطوات ثقيلة يعرفانها تقترب من باب الغرفة الثاني ونقرات عليه ثم دخول الشيخ والد " لواحظ " بمهابته ووقار شيبته الناصعة البياض ووسامة محياه - فبادره " منير " بقوله وهو يضع يده على كتف زوجه : تفضل يا عمى . ان حماتك تحبك . . ولقد جئت فى الوقت المناسب ويسرنا أن تكون معنا . . وتريث " منير " حتى أخذ الشيخ مجلسه أمامهما واستند بجانبه الأيمن على الوسادتين اللتين دفعت بهما اليه " لواحظ " وهى فرحة تغمغم بهمسات غير مفهومة . . واستبق ) الشيخ ( " منيرا " بقوله موجها كلامه لابنته : اننى قلق الليلة وأمك قد نامت مبكرة وأنا أشعر كأن أحدا يشد أجفانى عن بعضها . . لا شك أن هذا عاقبة الاغفاء الطويل بالنهار . . وعاجله " منير " باسما وهو ينصف فاكهة بينه وبين ابنته : نعم دون أدنى شك وإننا سنسهر الليلة معك حتى يغلب النوم على أجفانك - فاننا لا نقل نشوة عن كل ليلة وقد كنا نتحدث عن سعادتنا وأمانينا التى بين أيدينا وكاننا فى الجنة ولكن بقيت لنا فكرة سنحكمك فيها ياعمى . . ولنسأل ) لواحظ ( أولا واتجه بنظره إليها ويده تداعب خصلات شعرها المسترسل الناعم : إذا رزقنا قريب بالمولود السعيد ماذا تقترحين أنت أن نسميه . ؟ ( فأجابت باسمة مغتبطة : بالطبع سأسمي أنا البنت وتسمى أنت الولد . . فأي اسم ستختاره أنت لابنا العزيز ؟ وبغير تفكير قال ) منير ( مبتهجا وهو يحدق فى عينيها ثم ينتقل بنظراته إلى أبيها : ) سنسميه جهاد . . وسآخذ ايضا برأى عمي . . جهاد . . ماذا ترى فى هذا الاسم جهاد يا عمى ؟ ( ومشط ) الشيخ ( لحيته البيضاء بأنامله والاشراق باد على محياه المهيب
قبل أن يقول : جهاد . . ؟ جهاد فى سبيل الله . . جهاد النفس . جهاد الحق على الظلم والباطل . . جهاد جهاد . . اسم هائل عظيم . . سيكون باذن الله اسما على مسمى بين رجال الغد البواسل . . ( وما كاد يصمت على مضض حتى قال الزوجان بصوت واحد : حكمتم بالحسنى . . بقيت البنت . . ( واتجه منير يسأل ) لواحظ ( بدعابة : وماذا ستسمينها انت . . ؟ ( ووضعت طرف سبابتها المخضب بين أسنانها كالمفكرة ثم قالت ونظراتها المتلألئة تتنقل بين ابيها وزوجها : ) سأختار لها اسم والدة بابا للمرحومة جدتى فاطمة ( وكأنما كان ) منير ( سابحا بذا كرته فى عالم آخر ونبهه الواقع فردد الاسم بعجب مرتين : فاطمة ؟ فاطمة . . ؟ ( وبادرته ) لواحظ ( بنفس لهجته : آلا يوافقك هذا الاسم ؟ ( فرد عليها بهدوء متطلق الاسارير : فاطمة ! كيف ؟ إنه أعظم اسم لانثى فى الوجود . . ولا يمكن أن يكون إلا هو . . اسم أحبه . . فاطمة الزهراء تكفيه حجة يكفيه فخرا أنه كان اسما لبنت جدى وسيدى محمد عليه الصلاة والسلام . . واستقرت نظراته على ) الشيخ ( الذي ردد بهمس كابنته الصلاة على رسول الله وتابع ) منير ( كلامه : إن ) لواحظ ( ياعمى نعمة كبرى خصنى بها الله فان لها من الفضائل ما يؤهلها لان تفخر بها على بنات جنسها وإنا دائما كما ترى نتفق فى كل شئ . . ( وازدادت بسمة الشيخ اشراقا وانطلق بالدعاء لهما : ليبارك الله لكما هذه الحياة الطيبة الهانئة ويدم وفاقكما وظل رعايته عليكما فاشكراه سبحانه فنعمه علينا لا تحصى وتحرك بهم بالقيام غير ان ) منيرا ( سبقه قائما يقول : لتبق معنا تحدثك ) لواحظ ( ريثما أصلى فاننى على وضوء ( وقفزت " لواحظ " تمد له سجادة الصلاة فى اقصى الغرفة وتعود إلى مكانها قائلة وهي تنصف آخر حبة من الفاكهة بينها وبين أبيها : -
- " أرأيت يا بابا كيف أننا لاننتهى من التحدث عن حبنا وسعادتنا وأننا نحيا حقيقة فى ظلال الجنة " وربت الشيخ على كتفها راضيا وقال مبتهاجا : " نعم يا ابنتى . . الحياة الزوجية شركة عواطف مقدسة متجاوبة وأحاسيس قلبين متفاهمين يهئ كل منهما للاخر وسائل رضاه ورغباته زيادة على ائتلاف روحيهما ليعيشا دائما وحدة
متماسكة كروح فى جسدين . . " ولم يكد يستكمل عبارته حتى سمع صوت طرق على باب الدار - وكانت الساعة تدق أربعا - ورفع الشيخ صدره بينما " لواحظ " امتدت بجسمها وبجيدها إلى الشرفة تستطلع ولكنها لم تتبين شيئا لشمول الظلام في أرض الزقاق الضيق ، وطرق الباب ثانية وانتقلت ) لواحظ ( إلى الشرفة الاخرى تطل منها مستفسرة : من هنا ؟ من الطارق ؟ " وأجابها صوت نسائى منغوم فى حزن : " أنا سامية " وأتت إلى أبيها تقول بحيرة : " عسى خير يا ابت . . أختى سامية تأتي فى مثل هذا الوقت ؟ ابق هنا . . سأنزل لها وحدى " وبسملت وهى تختطف ) الفانوس ( وتهبط السلم فى خفة . . وتفتح الباب لتدخل انسانة نحيلة نكرة عليها تلتف فى عباءتها السوداء حاسرة نصف رأسها شاحية الوجه زائغة النظرات وبادرتها ) لواحظ( :
- ) أهلا بالست سامية . . تفضلى . . ( وأشارت لها إلى السلم . . ولكن الانسانة استحيت فى نفسها ، وجسمها يهتز وقد أوشكت أن تتهاوى على الأرض فاستندت إلى الجدار ، وامسكت ) لواحظ ( بكتفها تسألها فى حيرة : ) ما بك يا سيدتى ؟ ( ولم تشعر بها إلا وهى تفلت من بين يديها ويهوى على الارض هيكلها الخاوى ويند عنها صوت واه . حززين : ) دوار . . ألم يفتت فى كل جسمى ( وذهلت ) لواحظ ( ولم تجد ما تفعله إلا أن تصرخ : " يا بابا . . بابا . . منير . . منير كاس ماء . " - وكان ) سنير ( قد استكمل صلاته وبلغه النداء المزعج فركض وهو يقول للشيخ الذي فزع للصوت ووقف حائرا " لا تكلف نفسك يا عمى تريث حتى أرى ! " واخذ معه كاس الماء واضعا كفه على فمها لئلا تندلق وهو يطوى السلم فى أقل من نصف المدة التى طوتها زوجه . . وأبصر بها جالسة عند رأس السيدة التى تئن وتهز بكتفيها وتقول : " ما الذى اصابها ياربى ؟ الحق يا منير . . " ووضع الكاس جانبا وهو يقول جزعا : " من ؟ أختك سامية ! ما الذي قد حدث لها ؟ " واقبل يجلس السيدة بينما ) لواحظ ( تقول : ليست أختي . ولكنها واحدة قالت إنها سامية ! ( - وتبين ) منير ( وجهها وهي بين يديه فصاح فزعا : " ليست سامية . . إنها فاطمة . . فاطمة . . فاطمة . . " .
وتمطي ) منير ( وفتح عينيه ليجد أخاه الذى ينام غير بعيد عنه مع طفله - قد صحا على صوته وظل يحدجه بنظرة استفسار - وكان ساعتها يصل إلى الاسماع صوت أذان العصر . الله اكبر . . الله اكبر . - فابتسم ) منير ( متكلفا وقال ونظرته لاخيه . " كل هذا يكون حلما ؟ . . طويلا غريبا يا أخي . . لم اكن لا تصور تسلسله بالطريقة التى شاهدتها " وجلس وهو يتنفس بعمق . إذا به يسمع لهذا الحوار بين الجارة الشبه غجرية وابنتها وأخوه ينصت معه : " البنت . انا لازم احضر ) الهرجة ( ) ١ ( الليلة . " الام : حيرتني يا فاطمة . . هتكتني يا بنت . . أنا قلت لا تخرجى بمعنى أنك انك لن تخرجي . ( البنت : ) ما شاء الله يمضي الشهر دون أن أحضر ) هرجة ( مع الناس حتى فى بيت عمى خليل . . ( الام : إخرسي ياعديمة المنطق . . هى البنت المبسوطة وعندها تسالي وراديو فى البيت تخرج تعمل ايه بين الستات . . غدا تتزوجين واخرجى حتى كل يوم واحضرى فى كل مكان " .
وتلاقت عينا ) منير ( بعيني أخيه الذى تثاءب وعلق يقول : " أرأيت ؟ هذا مما يؤيد نظرية القائل : خذوا الحكمة من أفواه المجانين . . كلام صائب حقا " وابتسم ) منير ( وهو يقول : " أرأيت عجيبة الحلم الذى رأيته وعلاقته بالنداء على ) فاطمة ؟ . لقد ذهبت أبارك لها فى مولودها الجديد و . . ( وقاطعه أخوه : أنت دائما مشغول البال بها . لقد سمعت بأنها جاءت بولد سموه . . " وقاطعه ) منير ( بالمثل ممتعضا وقد شردت نظراته : ) لا تذكر اسمه لعله يخرب البلد كابيه ( وتأفف وحدجه أخوه بنظرة رثاء وهو يقول بهمس : كان الله فى عونك . . لابد لك من أن تتزوج لتشتغل عنها على الاقل . ولم يجب ) منير ( بل تأوه وقال فى نفسه : رب هيئ لى من أمرى رشدا فقد طال عذاب وامتد بى السير فى وادى الآلام . . اللهم رحماك بى وبها وبالعالمين .
المدينة المنورة

