الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

قصة قصيرة, الموت البطيء

Share

كان الليل قد اسدل بساطه الاسود على هذه الاكواخ المتواضعة وكانت العاصفة تصفر وتزمجر فى ارجائها .. تكاد تقتلعها .. وكانت السماء ترق لهذه الاكواخ المسكينة ، فتتجهم وتكفهر ، وترسل دمعتها - رأفة ورحمة بهذه الاكواخ وساكنيها ،

كانت الكواكب تلبس سواد الغيوم الحالكة المتراكمة حدادا عليها ، وكان الفضاء بحرا دامسا ، من شدة ما نسجه الظلام من خيوط داجية يقصر فيها قاب العين ، وتتيه فيها اشعة النظر .. حتى عن نفسها ؛ يخيل الى الناظر أن السموات والأرض ما زالتا رتقا .

ضوء مصباح فاتر متواضع ، يبدو تارة ويختفى اخرى .. كانه يهمس فى اذن الظلام ، ليتخلى عن اية زاوية من هذا الكوخ الحندسى .. ولكن الظلام لا يتجاوب مع ذلك الهمس .. يتحداه فى كبرياء ساخرا ، ساكبا فيه ظلاما من ظلامه .. موحيا الى العاصفة الهوجاء باقتلاعه وطرحه خارج عوالم الدنيا .

صوت ضعيف ينبعث من اعماق كوخ متأرجح تحت وطأة العاصفة - يا الهى ! انت العالم وحدك ، بضعفنا وحاجتنا الى ذلك الرجل المسكين ، الذى ضحى بكل حياته فى سبيلنا .. متحديا كل العقبات .. يحمل مخلاته صباحا ، ويظل يجول هنا وهناك .. فى الساحات العامة .. امام الحوانيت والفنادق والمصارف .. يهتف بكلمته المعبرة عن المآسى والحرمان (( الصدقة )) .. يريد من اصحاب الاماكن والمارة اهداء (( أوقية )) .. لقمة .. اى شئ يقوم به أود حياتنا المنهارة المتهدمة .. غير مبال بما يهدى اليه من شتائم .. يا الهى !.. لقد تأخر عنا الليلة ولا ندرى ما فعلت به يد الزمان .. يا الهى !!

ينبعث صوت آخر اضعف وانحل من الاول : - أمى .. مريم - نعم .. يا بنتى زينب .

- لماذا تأخر والدى الداه الى حد الساعة ، وهل تدرين اين توجه هذا المساء ؟! - استودعته الله .. انه ذهب بعد الظهر يبحث عن (( الصدقات )) ولكنه تأخر لسبب ما .. ارجو ان يكون خيرا

- انى ليحزننى مصيرنا ان فجعنا الدهر فى الوالد الداه . - صه .. لا تنطقى .. لا تنطقى .. ان البلاء موكل بالمنطق .. انه سيعود سالما .

- اماه ! ان حضر الداه ولم يحضر لنا طعاما فماذا سنتعشى الليلة ؟؟! - ان الله يا بنيتى يرعانا ويرحمنا .. وسيسوق الينا رزقنا .

- لا أعتقد ! فنحن منذ اكثر من اسبوع لم نجد ما يسد رمقنا .. وان ذا لدليل على ان رزقنا قد نفد من الارض ..!؟

- صه .. يا يائسة .. صه يا ضعيفة اليقين .. اللهم عفوك . انفعلت البنت اليائسة زينب من ذلك .. وتجافت عن الوالدة مريم ، الى زاوية اخرى من الكوخ المظلم ، لتجعل منها قبرا لها ولاخواتها السبعة .

تخفت مريم صوتها .. تتمتم :

- ولكن .. لا ملام عليك .. فانت ترعرعت فى الفقر .. والجوع ، حتى بلغت الاشد .. الجوع .. انه مضخة اليأس ، ومهده ، وجسره الذى يعبر عليه الى قلوب البائسين ، ولكن اللوم ، كل اللوم .. هو على هؤلاء الذين تركوك تجوعين .. قرب اطعمتهم الشهية .. الذين تركوك بدون مأوى .. قرب قصورهم الشامخة .. الذين تركوك معدمة .. قرب دراهمهم الوافرة ، ثم رفعت يديها الى السماء :

- اللهم انى بريئة مما تقترفه هذه البنت الضعيفة الرجاء اليك من سوء الظن بك .. يا إلهى !!

اللهم ان المسألة تقع على كواهل اولائك الاثرياء .. الذين تركوها فاغرة فاها .. لا تجد كسرة خبز . ولا كوب ماء قراح .. يا رب !! لكم أطعموا المواشى ، وبقربهم أناس يموتون جوعا .

قالت ذلك ولفظت انفاسها الاخيرة .

ساد الهدوء برهة .. لا حراك .. لا تنفس داخل الكوخ .. حتى بدأ الصباح يمسح عن وجهه سواد الظلام . دخل العجوز اللغوب (( الداه )) وهو صفر الكفين .. فكانت الفاجعة .. رأي بين يديه ما أوقف دقات قلبه .. وامسك جريان الدم فى عروقه .. منظر رهيب .. هذه نهاية الفقراء .. هذه نهاية المعذبين فى الارض .. هذا مصيرهم فى هذه الدنيا القاسية : بناته الثمانية ، وأمهم ، صرعى ممددات على بقية حصير من سعف النخيل .. لا حراك بهذه .. ليست عليهن من بصمات الحياة ، الا بسمات جاثمة على الشفاه الدكناء .. يصفعها الغبار .

قال بصوت خفى .. تخنقه حشرجة الموت : انا لله وانا اليه راجعون ، ثم حدق فى اعلى الكوخ .

- كنت يا كوخ مأوانا فى الحياة ، واليوم اصبحت مثوانا فى الممات ،، فيالك من صديق وفى .. ليت الذين فى هذه الحياة كانوا مثلك .. أوفياء ..

كانت آخر كلمة قالها الشيخ (( الداه )) .. وساد الصمت الابدى ذلك لكوخ الوفى .

اشترك في نشرتنا البريدية