الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

قصة قصيرة :, جيمى ..

Share

القصة شانها شان سائر الفنون تجربة شعورية ونفسية ، وبقدر ما يكون صدق الشعور بهذه التجربة ، وصدق التعبير عنها ، تكون القيمة الفنية للقصة . .

وليس من الضرورى ان يدور فن القصة دائما في فلك الحب الجنسى ، ويستمد مادته من نبع العواطف المنحرفة او الغرائز الشاذة ، لان الحياة ارحب واعمق بآفاقها وروافدها من ان تنحصر فى هذا الميدان وحده

وفي هذه القصة يقدم الكاتب لونا من الوان التجربة الشعورية والنفسية فى ميدان آخر من ميادين الحب والعاطفة . .

كانت فرحة ابني " على " بالغة ، يوم اهدى اليه احد الجيران " جروا " صغيرا لم يبلغ سن الفطام بعد . .

وحين ابديت اعتراضى على قبول هذه " الهدية " وطلبت ارجاءها الى ان يستكمل الجرو سن الرضاعة ، لم يزدد ابنى " على " الا تشبثا به ، واصرارا على احتضانه ، وكأنه ام

تدافع عن وليدها . . وتحول دون انفصاله عنها بكل ما تملك من قوة الغريزة ووسائل الدفاع . .

ولو انه استشعر في هذه اللحظه شعور الام الحقيقية لهذا الجرو الرضيع وقاس عاطفة الى عاطفة ، لما اصر على ان يحتفظ بهذا الوليد قبل فطامه . .

على انه منذ ذلك اليوم اخذ يتعهد

الجرو برعايته ، ويؤثره بحبه وبالكثير من نصيبه فى الحلوى ، الى جانب وجبة اللبن التى يقدمها اليه فى اليوم عدة مرات . .

واختار له اسم كلب آخر . . كان يقتنيه اخوه الكبير ، قبل ان تصيبه رصاصة من بندقية الشرطى المختض بمظاردة الكلاب . غير المطوقة وهي العلامة التى تميز الكلاب " المرخصة " فى المدن . .

اختار له اسم " جيمي " تخليدا لذكرى ذلك الكلب الشهيد ! . .

وفتن " على " بهذا الجرو ايما فتون فكان شغله الشاغل منذ يعود من المدرسة ، الى أن يأوى الى فراشه ، حتى اوشك ان يصرفه ذلك عن أداء واجباته المدرسية . .

وشاركه الاهتمام بجيمي ورعايته اخوته الصغار ، وان كان هو اكثرهم اهتماما به ورعاية له ، والكفيل الذى نصب نفسه لحمايته من عبث اخوته حين يفكر احدهم فى العبث به او الكيد له . .

وكبر جيمي في ظل هذه الرعاية وكان يلازم صاحبه فى كل مكان ينتقل اليه داخل البيت أو في الحديقة المحيطة به ، فلا يكاد يفترق عنه الا ساعة النوم . .

واكتمل نمو جيمي واشتد بأسه فصار لا يقتنع بملازمة " على " فى البيت او فى الحديقة ، بل يأبى الا ان يصاحبه صباح كل يوم حتى باب المدرسة ، وبوده لو اقتحم معه الباب لولا ذلك الحارس الواقف خلفه بالمرصاد . .

ويعود " جيمي " الى البيت ، ثم ينزوى فى ركن بالحديقة حتى اذا حان الموعد الذى يعود فيه على من المدرسة هب من مكانه وانطلق خارج البيت ينتظره على رأس الطريق ، فاذا لمحه من بعيد مقبلا مع اترابه ، انطلق يعدو فى خفة وشوق حتى يصل اليه .. فيتمسح به وكأنه يغمره بالقبلات ، ويقفز حوله فى نشوة راقصة ، ثم يعود معه الى البيت حفيا بصاحبه العزيز

وكان لعلى زميل يتردد على البيت ليشاركه استذكار الدروس ، فزين له يوما ان يعابث جيمي وان يكيد له - على غير عادته معه - واحتمل جيمي هذه المعابثة وذلك الكيد ، فأغراه ذلك على الامعان فى معاكسته وايذائه . . وانضم اليه زميله حين رأى خنوع جيمى واستسلامه ، وأمن غضبه ، وانتقامه . .

وحميت سورة العبث والكيد فى نفس على وزميله ، وكأنما غاظهما ان تفشل محاولاتهما فى اثارة جيمي ، وفي الاستمتاع بلون من الصراع مأمون العاقبة ، فجاء احدهما بسفود طويل مدبب الطرف ، ونخس به الكلب المصابر فى جنبه نخسة دامية . .

عندئذ تلوى جيمي من شدة الالم وثارت به غريزة الدفاع عن النفس ، فانقلب مهاجما عاتيا ، وادرك " عليا " وهو يجرى خلف صاحبه فعقره فى ساقه ، ثم عاد الى ركنه المعهود في الحديقة يعوى ويئن من شدة الالم ، ألم النخسة الدامية فى جنبه ، ولعله ايضا الم العقرة التى اصاب بها صاحبه الحبيب . .!

وحملنا " عليا " الى الطبيب الذى

اشار بضرورة عرضه على مستشفى " الكلب " لعلاجه بالمصل الواقى ريثما يتم تحليل دم هذا الكلب ، فقد يكون مصابا بداء السعار . .

أما جيمي فقد اضرب منذ ذلك الوقت عن تناول الطعام ، وكان قسم الشرطة قد تلقى اشارة بالقبض على الكلب ، ووضعه تحت المراقبة بضعة ايام قبل ارساله الى المستشفى لتحليل دمه . .

وحضر الشرطى المختص الى البيت ومعه سوطه الذى يقتنص به فرائسه وحاول جاهدا ان يشد به عنق جيمي ولكنه لم يفلح ، فاستعان بزميل له ولكن محاولاتهما فشلت حتى ادركهما اليأس من القبض على هذا الكلب المراوغ العنيد . .

وعاد " على " من المستشفى بعد ان اخذ المصل الاول ، فما ان رآه جيمي مربوط الساق ، شاحب الوجه حتى اطلق أنه موجعة خافتة ، واطرق برأسه على الارض يمرغها فى التراب

انه لم يخف للقاء صاحبه والتمسح به ، والوثب حوله كما كان يفعل من قبل ، بل ظل قابعا فى خزى وانكماش يرسل اناته الموجعة الخافتة ، ويمرغ وجهه فى التراب ، أما " على " فقد اشاح عنه بوجهه ، فقد كان يعاني ألم العقرة التى فى ساقه ، وألم المصل الذي فى جلد بطنه ، وآلام الندم والحسرة على ما فرط منه ومن كلبه العزيز . .

وفكر رجلا الشرطة فى الانصراف ولكن اني لهما ذلك ولا مناص من القبض على جيمي ، فقد يتعرض احد الاولاد

لمثل ما تعرض له " على " وقد يكون جيمي مصابا حقيقة بداء السعار ، وعجزهما عن القبض عليه يعرضهما للمؤاخذة . .

ولم يكن من المستطاع ان نتولى نحن عرض جيمى على طبيب بيطرى لعلاجه من أثر النخسة الدامية . . وتحليل دمه للوقوف على حقيقة حاله فقد اصبح الامر بيد قسم الشرطة وادارة المستشفى ..

لم يعد اذن مناص من التعاون مع رجلى الشرطة على الامر ، ولكن كيف السبيل ، وقد عجز الرجلان بفنهما عن اقتناص جيمي ولا نأمن نحن القيام بمحاولة التعرض له او القبض عليه وهو على حاله تلك بعد ثورته وهياجه ؟

وفيما نحن نتدبر الامر فى غرفة الجلوس ، حانت مني التفاتة من النافذة ، فاذا بي اشهد منظرا عجبا كان مسرحه ذلك الركن القصى فى الحديقة . .

ان " عليا " يقترب من جيمي وفي يده صحفة مملوءة بالطعام ، فيقبل عليها جيمي اقبال الصائم على افطاره ولكنه كان ينظر الى صاحبه نظرات كلها حياء واعتذار . .

وراعنا هذا المنظر الذي ينطوى على كثير من المخاطرة ، كما ينطوى على صورة جميلة للتعاطف والوفاء . . . فخطر لنا ان نستغل هذا الموقف .. وناديت " عليا " ثم قلت له :

- ألا تريد ان تصحب كلبك العزيز فى نزهة خارج الدار ؟

قال :بلى . . فان اريد ان اكفر عن اساءتى له ، هذه الاساءة المزدوجة

التى آذته في جسمه ، ثم دفعته الى ايذاء احب الناس اليه !

قلت : اذن فلتتبعنا حتى اقضى امرا فى قسم الشرطة . ثم نسأنف جولتنا فى بعض الحدائق العامة . .

وعاد " على " محبورا الى الحديقة ، فصفر لجيمي واشار اليه بيده فهب هذا الكلب العصى العنيد ، وقد تبدل ازوراره اقبالا ، وعناده استجابة واستسلاما ، وكأنما وجد في صاحبه الحماية والأمن ، بعد ان افتقدهما منذ فعل فعلته تلك ، ومنذ فرض عليه رجلا الشرطة المطاردة والحصار .

وخرجت يتبعني " على " وفي اثره جيمى ..

وسار رجلا الشرطة على بعد غير بعيد . .

وكانت دار الشرطة على مرقربة من البيت ، فبلغناها بعد دقائق ودخل جيمي في اثر على ، لائذا به مطمئنا الى حمايته . .

.. وهناك كان فى انتظاره قفص حديدى كبير ، استوقفت " عليا " امام بابه المفتوح . . وسرعان ما انقض سوط الشرطى فاطبق على عنق جيمي وفي لحظات كان جيمي داخل القفص يعاود اناته الموجعة الخافتة ، ويردد صداها نحيب " على " ونظراته التى تحمل الى معاني العتب والاحتجاج ، وتحمل الى كلبه العزيز معاني الحسرة والاعتذار . .

اشترك في نشرتنا البريدية