يمتاز صديقى ( ق ) بنفسية كريمة عرف بها بين لداته واصدقائه فهو الذى ينفرد بينهم بصفات الطيبة الشائعة وحبه للمعوزين حتى ان زملاءه فى المدرسة - أيام الدراسة -
كانوا يدعونه ( بصديق الفقراء ) اذ كان يواسى هؤلاء ويشترى للمستضعفين من الطلبة ما قد يحتاجونه من الكتب الدراسية وادوات الكتابة بقدر ما كانت تسمح نقوده المحدودة العدد والتى قد يتحصل على زيادتها فى مناسبات خاصة كفوزه بدرجة فى سلوكه أو تقدير فى حفظ الدروس أو اتقان واجب كلف به . . وكثيرا ما يوزع على اولئك الضعفاء طعام غدائه ويتجاوز لهم عن كأس الشاى التى لا يجد غيرها بينما هو ينزوى فى احد حجر الدراسة يمتص حبات من التمر يجئ بها من البيت بقدر ما يصبره لوجبة العشاء بعد عودته الى المنزل مع العصر ، وكانت تفر الدموع
من عينيه حزنا على ما كان يشهده من مأسى الحياة وما يتكبده المساكين المقلون فيها ، ويحز في نفسه الالم حين يرى اولئك البؤساء ومن امتحنهم القدر بعيش الشقاء يتسكعون في الشوارع والطرقات . . ويجهد ( ق ) جهده وهو فى أواخر سنيه الدراسية على وضع نواة للبر والخير فى المدرسة يتعهدها بعنايته مدة بقائه حتى تنمو ثم تثمر بعده وتصبح له بمثابة
فضيلة أجراها لفقراء المدرسة وتضحية أولى فى سبيل الواجب ، وكان يتحين الفرص لتنفيذ الفكرة التى صادفت بعض الجمود في مبدأ الامر غير انه صار يستحث نفرا ممن يفهمونه للتقدم معه الى مدير المدرسة بعد عرض الفكرة واهدافها وطلب تعيين الناظر مشرفا عليهم حتى يتيسر له أمر التنفيذ . . حقا انها لفكرة وجيهة سامية حقيقة بالخلود ، هي فكرة ( صندوق اعانة ) للطلبة الفقراء يقتصد فيه الطلاب ما يزيد عن حاجياتهم ويحسم مقدار عشرة فى المائة من محاصيله كل شهر اعانة للطبقة - الفقيرة -
وأصبح ( ق ) يهيب بالطلبة الاثرياء ويحفزهم على فعل هذا الخير الذي يرفع من اقدارهم عند من تقرض عنده الحسنات ، وآت الفكرة ثمارها الطيبة حتى اصبحت الاعانة تقدر بضعف ما كانت عليه ، وقد لمس الجميع فائدتها المشكورة ، واقترح بعضهم ايداع وارد الصندوق لدى صراف أمين يقاسم أموالهم نصف الارباح - فثار البعض الآخر يطالبون بما لهم من نقود واسترد الذين نالوا الشهادة ما بقى من اقساط وكان فيهم ( ق ) غير انه ترك ما يخصه لمن تعوزهم الحاجة من الطلبة الذين قد لا يملكون فى بعض الاوقات ما يسد الرمق فيضطرون إلى العزوف عن
التعليم وايثار التجول فى الازقة والاسواق والتشرد عن المصالح حيث يلذ لهم السؤال واشاعة الجهل فى البلاد فيبقون عالة عليها وعلى المجتمع
. . ولم يمض حين قصير من الزمن على مغادرة ( ق ) المدرسة حتى انهار صرح ( صندوق الاعانة ) وتلاشت احلامه الجميلة وغدا لا وجود له ، فان فى الانسانية من لا يزال يسكن فى انفسهم عامل الشر يهدد نظام الحياة البريئة ، فلعمرى متى الوعى العام يضئ لاولئك الآفاق وكأننا به يصرخ فى واد ! ؟ . . وصديقى ( ق ) الآن رجل لم يتجاوز العقد الثالث من عمره الا قليلا ، ربعة فى القوام بهى الطلعة ، لين العريكة ، له اهتمام خاص بالرسم والادب ، وقد عالج الكتابة فى بعض الفنون وهو فتى الا انه واجه فيها تكلفا وارهاقا لنفسه فهجرها واسلم نفسه الى تيار الحياة العامة واندمج فى مواكب الشعب الصاخبة ، يعمل لمعيشته فى اخلاص وحسن نية . . ويشوقنا من تاريخ حياته ان نتطلع ونتبين قصة حبه المبكرة التى لم نتطرق اليها بعد . . ويحسن بنا ان نقدمها كما أملاها هو فى ٢٥ يناير ١٩٥٠ واصلح بعض اخطائها بريشته عندما استأذنته فى نشرها قال :
" كان الف الطفولة وعشرتها باعثين قويين لحب عميق مبكر وتوله بابنة عمى " الجميلة " التى خاضت معى دور المراهقة فى شىء كثير من البراءة والتحفظ تمشيا مع البيئة والتقاليد التى كانت تحيطنا بسياج متين لا يسمح لنا بالتحلل او الزوغان من فروضها القاسية المحببة ، فى حين
لم يكن حبنا الا وليد التآلف ونتيجة امتزاج كبير فى لهونا ومطالبنا زيادة على تنشئتنا وتربيتنا ونحن طفلان فى منزل واحد ، وقد اصبحنا في فتوتنا متفاهمين فى كل شىء ولم يكن بيننا ذلك الهوى الجارف الذى يعمى ويصم ويحفز على السيئة والاندفاع لاستخدام الغريزة كما يحدث عند ذوى الغرام العابث الذى يتحتم علينا مقاومته والقضاء عليه . . لقد كانت صلتنا البريئة اشبه ما تكون بالصداقة منها الى الحب ، فهى تجد فى كما اجد فيها الرفيق والخل الصادق الامين,
وقد اتاح لنا جو المنزل وحياتنا المشتركة عندما كبرنا ان نقضى أطول الفترات فى التحدث واللعب على مرأى من ابوينا فى أى الاوقات شئنا ، على ان كل هذا لا يحجم بى عن ان اصرح بأن " الجميلة " تفتقر كثيرا الى الجمال بأقل معانيه ، ذلك السر الساحر المرغوب فى ( حواء ) ولا روعة لها او وجودا بدونه ولكنني كنت ارثى لها فى نفسى واشعرها بانها بنعمة الجمال كما يتراءى لها وتعتقد ، فاحنو عليها واشملها بالكثير من عواطفى رحمة بها ومواساة لحرمانها دون ان تفهم منى هذا الا انه طبيعة وهيام مني بها .
غير ان جسمها البض الأخذ فى الامتلاء كان يصرخ بالفتنة واللذة ويدعو اليه الاحساس فى جنون : وعربدة لا يستسيغها مثلى ممن تترفع عواطفهم عن الملذات المادية وتسمو بنفوسهم عاطفة الحب الروحى على أية خاطرة اخرى مهما كانت دوافعها وغنمها المتذل ، ولهذا كنت ابعد ما اكون عن التعمق والتفكير في هيكلها الناطق بالحلوة والجاذبية الهدامة.
فاذا ما جمحت بي النفس الامارة الى شئ من هذا قاومت فى عزم وتلهيت بعبدا عنها ، لقد كنت اجلها اكراما العمى الضرير وللماضى الذى قضيناه كأسعد طفلين ، وهي كأليفة وصديقة لها على من الحقوق ما لا يمكن ان اتهاون بها فيتخذ ضعفها منى قوة وابادلها انا الرأى والتفكير وفق عقليتها الصغيرة باذلا كل عناية بها حتى ما تشك فى صلتى وحبى الذى يؤكده الاخلاص والولاء للعهد القديم لقد كنت اجهد فى الوفاء وما كنت لافكر انه سيأتي اليوم الذى اقابل فيه بالنكران والاساءة ، لم اكن اتوقع ان ( الجميلة ) تبيت لى نيات العبث وتريد بي الشر ، ولكن غريزة هذا الشر المتأصلة في اعماق نفس حواء اخذت تسيطر على تفكيرها وتدفع بها الى الهوة ، لقد اضاعت ( الجميلة ) يجرمها مع قلبا روؤفا رفيقا بها . .
اضاعته وفقدت به أثمن جوهرة تعينها فى كل ضائقة ، ولكنها كأمرأة صور لها شيطانها ان تجرب الخديعة وان تعبث بحبى حتى اضطرتنى لان انطلق هاربا بمشاعرى وان انفر منها الى الابد ، فالنفس الطاهرة السامية تأبى الهوان والدنو من مواطن الرجس والاوحال . واليك موجز الخبر:
- كان لنا يوم تاريخي فى كل عام او على الاصح ( عيد الحب ) - كما اصطلحنا على تسميته - - فمنذ اصبحنا نفهم معنى هذا الحب على وجهه السليم ومن عهد ما شعرنا بمشاعر العاطفة الوليدة تتمشى فى كيانينا ، منذ ذلك اليوم اخذنا نحتفل بهذه الذكرى العزيزة بعد ان غالبنا كل خجل وكبرياء
وتفاهمت نفسانا فأصبحنا نبيح لهما فى هذا اليوم فقط - أى فى فترة قصيرة من ساعات الليل الاولى - الانطلاق من وضعنا المقيد لننهل من كؤوس الحب اعذبها فى عناق ودى يرىء وقبلات خاطفة ، كأنما نعلن بدء عهد جديد لحبنا ، بل لكأننا كنا نجدد مواثيق هذا الحب ونوقع على المعاهدة الثابتة التى وصلت بين قلبينا واطمأنت لها احلامنا ، وتكرر ذلك اليوم السعيد فى خمسة اعوام نجدد فيه آمال الهوى الهادىء بتحفظ شديد ,
واتزان لا يخشى علينا منه فلم تكن لنا من حاجة فى غير ما كنا نناله من من تعاطف وتلذذ فى تعقل وتقيد بتقاليدنا السمحة الموروثة . . حتى كانت ( الليلة المشئومة ) فى اليوم الاخير من العام السادس - ليلة . .
مشئومة بحق . . فلم تكن لتخطر لى حوادثها على بال او اصدق انها تصدر من مثل ابنة العم ( الجميلة ) جزاء لصدق ولائى واعزازى لها . . حادثة لن انساها ما دمت حيا ارزق وشبح الجريمة مائل فيها بل فى صورة الشيطان المتلبس بهيكل الجميلة الآثمة التى دبرت فعلتها النكراء بينما انا اجهل كل الجهل نياتها وتصرفات خديعتها لتتلذذ بمشاهدتى وانا اصارع اضعف خلق الله انسانا ، كانت قد اسرت لامها الشبه معتوهة - كما تبين لى فيما بعد - حديثا اصطنعته مع خادمتها حتى اغرتها على ان تتربص بنا فتقف عن كتب منافى تلك الليلة لترى من ثقب الباب شدة شغفى بها واقبال الشديد وتلهفى عليها . وتزينت الجميلة بابدع حليها وارديتها الافرنجية القصيرة التى تكشف عن بضاضة
جسمها الناضح وفتنته الصارخة وكعادتها دعتنى الى غرفة جدتها المتوفاة واقبلت تزف نفسها الى نصف عارية مصففة الشعر بتسريحة جديدة فيبدو كعجلات معلقة برأسها ، ولم اكن بالجماد الذي لا تحركه مثل هذه الفتنة الطاغية فتلقيتها بالاحضان الدافئة حتى جلست كطفلة على احدى ركبتى ولفت على ذراعيها وتعانقنا ( بكل ما فى مهجتينا من الحب ) حتى شعرت انا مثلها بحرارة الجسد الظامئ وانفاسها تستطرد وعيناها المنكسرتان تهتفان بالرغبة والجنس ، فارتمت عند قدمى بابتهال الامر الذى اظهر اكثر مما كان واضحا من فخذيها المشرب لونهما البلورى بخطوط وردية من دمها الثائر ، واهاج فى نفسى المنظر اللاهب احاسيس الدم اليقظ فى شرايين الشباب المحروم من لذته العارضة ، وكانت تنهداتها تدعوني فى عذوبة الانثى التى تضرب بآخر سهام فتنتها العابثة فى مثل هذه اللحظة فتشل اعصاب فتاها بل وتشعل احاسيسه جميعها فاذا هو كتلة من لحم ودم تدعى فتجاب حيث تتعطل كل اسباب اللوم والارادة
واهويت بجسمى الراعش على جسمها الذي يتنزى باللهيب والرغبة وكأنما قد هويت به إلى الجحيم اذ ظهرت آنذاك أمها - كالبرهان - عند الباب صارخة ( ويلك يا . . اتنتهك عفتنا فى عقر دارنا ايها الخبيث ) وغلت دمائى كالمرجل وانا اهب واقفا فى حنق وغيظ مريرين واكاد اصفع المتكلمة الثائرة ولا خشيتي من جدال الحديث فيصل الخبر الى كل من فى الدار وقد فهمت بديهة ما قد دبر لى
ورسم من افك ، فاطلقت ساقى للريح اعدو الى غرفتى واغلقتها بالرتاج حتى لا يزعجني احد بالدخول على فجأة ، وكانت ليلة ليلاء لم يشاركني فيها غير مليح السماء الذى كان يتخطر بجماله الفضى على صفحات الافق البعيد وينضح المرائى باشعته الزاهية وتنفس الصبح وانا لا زلت اراقبه واشعته تنهار خلف الحجب الابيض التى اخذت تشرف برأرأة الفجر من كل مكان ، وكنت ارى فى تفكيرى ، وثورتى وتصورى آنذاك لما وقع أشياء سخيفة جدا لا تستحق منى كل تلك العناية والاهمية التى اسهرتني تلك الليلة ومضيت أتناسي كل شئ . .
واضرب صفحا عن كل ما يتعلق بالجميلة ، فليست هى الحلم الذى يسعى اليه مثلى ، وليست هى بعد فعلتها تلك بقادرة على محاولة استرجاع عطفى عليها وحده ، بله قلبي البرئ الذي لا يمكن بحال ان يوهب الا لمن يرى فيه جلال الروحية ويسمو بمطالبه الى آفاق العزة والكمال ولاكت السن النساء اصداء الحادثة على وجوه مشوهة متباينة أضيفت اليها حواش واقوال تتفنن ( المرأة ) عادة فى تزويقها وادخالها فى صلب الموضوع حتى افترقنا وغادرت اسرتنا المنزل الكبير لنستقل فى منزل بعيد عن اسرة الجميلة وتخلصا من معاشرتها واتهاماتها وماقد تصور لها تخيلاتها الجنونية من ظنون وآثام . . وجانبت انا الاجتماع باحد منها او لقياه او السؤال عنه فشعرت اسرتنا بالراحة واطمئنان الضمير الا انه لم يمض اكثر من نصف العام حتى جاءت أم الجميلة تعتذر وتعزو كلام الناس
الى الحسد والجهالة ، وتحاول ان تنقرب بكل وسيلة تظنها تجدى معنا وكأنها تعرض علينا بضاعتها الزائفة ولكنها خابت في مسعاها . . وجاءت ( الجميلة ) بعد ايام تحييني على حين غفلة وهى تبتسم فى دلال واغراء وفي ظنها ان قناتى ستلين امام استعطافها وتهتكها واقبالها على . . .
وابدت مختلف اساليب التحبب والرجاء والاعتذار والاغراء لتستميلنى وتخدعنى ، ولكن صلب ارادتى لن يلين ولم اكن احفل بشئ مما اظهرت وتوددت ووضعت حدا لثرثرتها,
ومجونها حين قلت لها ( اننى اهوى فى المرأة اعتدالها فى عواطفها ونبل مشاعرها . . انا لست مجنونا حتى أهوى بعاطفتى مع خائنة مجرمة ، انك ستجدين من يرغب فيك فابحثى عنه فى غير هذا المكان ولا تحاول الصلة بي بعد اليوم . . اليس لك من اب يأخذ عنك مثل هذا الدرس ويؤدبك أو تؤدبينه انت . .)
وهكذا انصرفت ذليلة بصغار واحتقار من نفسها الاثيمة ولا شىء اكره عندى مثلها . . ولم تمض شهور قلائل حتى راجت اشاعة غريبة بين المعارف والاقرباء بأن الجميلة مخطوبة لى وسنتزوج فى الربيع القادم . . .
واهتبلت اول فرصة عند وجود اسرتها مدعوة في حفلة زفاف كبرى وهنالك اعلنت على جمع كبير من اهلنا وذوى قرابتنا اني براء منها ولا صحة مطلقا لما اشيع عن خطبتنا ولا يمكن ان يكون هذا ولو اقفرت الدنيا من بنات حواء . . وهنا صمت صديقى ( ق ) وعاد الهدوء لاسارير وجهه,
ونفسيته وكنت اعلم ان خلاصه من مشكلته هو السبب الرئيسى وصرت اتعقبه وتأثر خطاه لا أفترق عنه الا ساعات قليلة ، فاذا هو قد عاد الى حاله القديم ومسلكه الرشيد فى صداقة الفقراء والعطف عليهم وهو يردد كل حين ما جاء فى الحديث الشريف ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ) ولا اسمعه الا يستذكر امثال هذه الحكم والعبر وهو يسبح فى عالم اخوان المساكين الذين بعدت بينه وبينهم الشقة عهدا مات حتى هداه القدر نادما على مافرط آيبا الى طاعة ربه فرحا مستبشرا بالمستقبل السعيد الذى طالعته بشراه فى حياته الوادعة الآمنة واستقرارها على ما يحب ويرضى ..
