الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

قصة مأساة

Share

الاستاذ عبد القدوس الانصارى المحترم ، تحية عطرة :

أما بعد، فانى اطلعت عند بعض صديقاتي على مجلة " المنهل " فابتهجت لها ايما ابتهاج . لقد أعجبت بكل سطر كتب فيها لانها تعتبر من أحسن المجلات فيها بجد القارىء طريقه الى العلم.

سيدي انى فتاة بالسنة الاولى من التعليم الاعدادى ولكن ما زلت منذ صغرى مغرمة كثيرا بالادب والقصص والشعر ولهذا ارسلت لكم قصتى هاته نحت عنوان : ( مأساة ) وهي أول قصة أكتبها لذا أرجو منكم أن تنصحوني : هل أتابع هذا الطريق أم لا ؟

أستاذى الكبير انه ليسرنى كثيرا أن أكون من جملة المشاركين فى هذه المجلة ، لذلك فانى التمس من جنابكم موافى بكل الاعداد . .

وفي الختام تقبلوا منى فائق الاحترام والمودة

القصة:

كانت سلمى تعيش مع زوجة عمها ، بعدما فقدت أبويها الشفوقين وهى فى السادسة عشرة من عمرها . أما زوجة عمها فكانت امرأة قاسية فظة القلب ليس للرحمة والشفقة طريق الى فؤادها .

في ليلة من ليالي السماء القاسى البرد . قطعت ربة البيت الضوء الكهربائى ليلا تطالع سلمى كتبها . كانت سلمى آنذاك مستلقية على فراشها الذى يتكون من ملحفة صيف وفراش من القش والتبن ، أما الوسادة فكانت ذراعيها . وكانت لديها شمعة ، تطالع على ضوئها المضطرب كتبها الثمينة التى اشتراها لها أبوها قبل وفاته. وكانت بين الفينة والفينة تتنهد تنهدا عميقا وكانت على الرغم من قسوة الحياة عليها صبورا قانعة . وعلى حين غفلة دخلت عليها زوجة عمها وصاحت في وجهها : ألم تسمعي ندائى ياأبنة الشيطان ؟ . ارتجفت المسكينة من الخوف وقالت لها : لم . . . ولكن زوجة عمها سبقتها بضربة بالعصا على أم رأسها تركنها بعدها مغشيا عليها . ثم أخذت جميع الكتب التى كانت بجانبها ومزقتها اربا اربا وخرجت وهي مبتسمة بتسامة الطبيعة فى فصل الشتاء.

بعد لحظات من الغيبوبة أفاقت سلمى فوجدت جميع كتبها ممزقة وهنا استحالت قطعة من التبرم بالحياة أو شبحا من الاشباح تم صاحت صيحة دوت لها أرجاء الغرفة وسقطت مرة اخرى مغشيا عليها .

مسكينة انت يا سلمي يا لك من فتاة بائسة لكأنك خلقت عالة على المجتمع . نعم لقد سدت فى وجهك جميع الملاجئ فرجعت

ذهول الخيبة . وسكنت مع هذه المرأة الشريرة .

فى الساعة الثالثة صباحا وكان الطقس باردا والشوارع خالية والسكون يخيم على جميع انحاء القرية فيغرقها فى سبات عميق موحش ، كانت فتاة نحيفه تدرج في بعض الاطمار . تمشى ساكتة لا يفهم الا الله مسيرها . كانت تلك الفتاة هي فتاتنا سلمى وقد قررت بعدما أفاقت من غيبوبتها ان تهجر هذا المنزل ، وكانت قبل خروجها قد ألقت آخر نظرة وداع على كتبها التى ما زالت تشتعل أمامها فاحترق قلبها أسفا ولوعة ولقد سكبت المسكينة من العبرات المريرة ما شاء الله ، ثم أرادت أن تنتحر ولكنها خشيت الله ان يعذبها فى آخرتها كما هى معذية فى حياتها الدنيا واخيرا وجدت حلا لقد عزمت على الذهاب الى احدى صديقات أمها المرحومة وأخيرا وقفت امام منزل فخم يبدو عليه أن صاحبه من ذوى الثراء واسعة . فطرقت الباب طرقا خفيفا خرجت بعده ربة البيت وقد أخذت في أول الامر تتفحص الفتاة من قمة رأسها الى قدمها حتى لكأنها طبيب يفحص مريضا . ثم صاحت . سلمى ! سلمى ! ما بك ؟ ماذا جرى لك ؛ وبادرت فادخلتها غرفة الجلوس ، وهنا قصت عليها الفتاة جميع شجونها فواستها وسلتها تلك المرأة الطيبة الحنون ثم طلبت منها ان تذهب معها الى غرفة النوم لتنام .

نامت سلمى أول مرة في حياتها نومة هادئة عميقة محاطة بعناية نبيلة حتى لكأنها طفل رضيع . وفى الصباح دعتها ربة البيت وطلبت منها ان تكون هي المشرفة على المنزل بدلا عنها ويجب عليها فى المستقبل ان

يناديها باسم أمها . فاطاعتها سلمي وشكرتها على احساساتها النبيلة . نعم لقد صدقت المرأة فى قولها لقد اصبحت سلمى هى الناهية الآمرة ننادى المرأة : أمي ، والرجل : أبى . ومع هذا كله فقد كانت فتاة خجولا لا تشارك فى حديث لا يهمها . ان تكلمت خافت ان صدر منها كلام يغضب الاسرة . لقد أحبها كل من عرفها . وكان للمرأة ولد وحيث يزول تعليمه بالجامعة ، فعندما رأى سمى فى أول مرة احس بقلبه قد تغيرت دقاته ومن تلك الساعة صار يكن لها حبا عميقا .

عرفت سلمى ان الشاب يهيم يحبها دخلت غرفة نومها وشرعت تفكر ، وتفكر فى هذا الامر الذى كانت تخشى أن يكون حجر عثرة في طريقها ثم قالت في نفسها لقد أحسنت لى أم هذا الشاب كثيرا فانها اذا علمت فستطردنى شر طردة ، لا ، لا يجب أن يحبني فهو شاب ثرى مثقف جميل ، أما أنا فانى فتاة مشردة فقيرة شقية وبائسة فلهذا يجب عليه أن يكرهنى . لقد أرادت الفتاة مرة ثانية أن تهرب ولكنها عندما فتحت الباب وجدت الطبيعة ثائرة والمطر ينهمر بشدة كأنه أفواه قرب . فرجعت الى الوراء وأغلقت الباب وتركت مصيرها للقضاء والقدر ثم غلبها الكرى فنامت ملء عينيها ، وعندما أفاققت صباحا وجدت أن أمرا قد حدث الليلة البارحة فان أم مراد تريد أن تزف ابنها لابنة خالته التى تعمل مدرسة ولكن مرادا رفض هذا الاقتراح رفضا باتا ، عندما سمعت سلمى بهذا النبأ سرت سرورا كثير ، وفي المساء تظاهرت بأنها مريضة ودخلت غرفة نومها وشرعت في البكاء . لقد شعرت لأول مرة بانها

بحب مراد لقد بكت لحرمانها من حبها مرادا .

وبينما كانت سلمى غارقة في تفكيرها طرق الباب عليها طارق ، طرقا خفيفا ودخل اثره مراد وهو حافى القدمين ، ثم نظر إلى سلمى وقال لها : سلمى . سلمى . . انني أريدك ، أريد أن أعيش معك ، لقد أحببتك منذ أول لحظة . عندها همت هى بان تقول له : لا .

كان مراد قد خرج ثم نامت سلمي وهي تفكر وعند الصباح استيقظت على زغاريد أم مراد وها هى ذى تقبلها وتقول لها فى فرحة غامرة : لقد رضينا بأن تكونى شريكة حياة ابنى.

بعد مضى شهر من هذه الحادثة السارة هيأت أسرة مراد كل اللاوازم للعرس . وزفت سلمى الى مراد فى يوم جميل الطلعة . وحينما حان الوقت ليقبل العريس على عروسه ليضع في اصبعها خاتم الزفاف كانت بعض الوافدات والاهل بجانبها فقد رآها الجميع وهي تبتسم لمراد وهو مقبل ثم صاحت صيحة ماتت أثرها .

نعم لقد مات المسكينة ضحية الحرمان والفقر واليتم وفي آخر لحظة من حياتها عندما شعرت بالسعادة حرمت منها لقد كتب على جبينها أن نعيش محرومة

أما مراد فقد فقد عقله بعد وفاة سلمى فنقل الى مستشفى المجانين حيث قضى بقية حياته هناك تحت العلاج وكان دائما اذا استيقظ من مرضه أو غيبوبته ينادى : يا سلمي

اشترك في نشرتنا البريدية