الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

قصة, ماكينة خياطة

Share

مع أن الجلبة لم تكن شديدة فقد انزعج " ريجان " كثيرا فطوى جريدته ووضعها على ركبته ، واندفع ينصت فى انتباه ، لقد كانت الجلبة مألوفة لديه وان لم يفطن الى تمييزها ، فأطبق جفنيه بضع لحظات وراح يتصور امرأته أمام ماكنة خياطتها تقوم بعمل ثوب جديد واصلاح ستائر غرفة الطعام الممزقة ، وتوقفت الجلبة لحظة ثم عادت من جديد ، انها صادرة من غير شك من الغرفة المواجهة له ، فمن هو ياترى ذلك الشخص الذي جرؤ على استعمال ماكنة الخياطة متحديا تعاليم الفندق الصارمة ؟

ودق جرس التليفون فجأة بالغرفة المجاورة له فتوقفت الماكينة فجأة كذلك وسمع صوتا نسائيايجيب ثم استأنفت الآلة عملها بعد لحظات من ذلك .

فنفد صبر " ريجان " وفكر فى ان يدق على الجدار لينبه جارته ولكنه أحجم مفضلا ان يكلمها بالتليفون فقد يستطيع اذا توقفت الماكنة ان يهجع نعم انه يريد ان ينام فقد مضى عليه وقت طويل لم يذق فيه للنوم طعما منذ ان فارق شقته التى كان بها وجاء بحقائبه واستقر بهذه الغرفة يجد من ينتظره عند مواعيد محددة للغداء ولا تعنيف على تأخره او تغيبه عن المنزل وان بامكانه ان يطالع ويقرأ من غير أن

يجد من يقطع عليه حبل تفكيره او يعوقه عن المطالعة والقراءة فبدا له عكس ذلك فرأى الا يسكت ويتحمل اكثر من ذلك فاعتزم انه اذا لم تنقطع الجلبة بعد نصف ساعة أن يدق على باب جارته ويقول لها كلمتين مناسبتين ولم يطق الصبر اكثر من عشرين دقيقة . . .

وفتحت له الباب فتاة شقراء صغيرة السن وتأملته مندهشة فأخذ يشرح لها فى خجل قائلا : ان صوت ما كنتتها قد اثار اعصابه ثم استجمع شجاعته فقال لها فى صوت متلعثم وهي تغلق الباب : ان اليوم هو الاحد فهل يروقك ان نخرج معا الى السينما

- فردت عليه مهتاجة بقولها : ابلغت بك الوقاحة ان تقرع دور سيدات لم تسبق لك معرفة بهن وتدعوهن ليصحبنك الى السينما !

- فأجابها معتذرا بقوله : آه كلا ولكنى ظننت لكثرة ما اسمعك تخيطين انه ليس لديك ما تعملين غير ذلك . .

- فردت عليه وهي تغلق الباب فى وجهه قائلة : حسنا يا سيدى ان لدى اعمال كثيرة غير ذلك .

وكان يوجد بائع زهور على رأس الشارع هنالك فطلب منه ان يرسل باقة منها الى جارته مصحوبة ببططاقته ولما كان لا يعرف اسمها . اكتفى بوضع

رقم الغرفة ، وعندما رجع الى غرفته كانت الماكنة مستمرة فى عملها فلم يلبث ان دق خادم الفندق على باب الغرفة المواجهة له وناول جارته الزهور وسمع خشخشة ورقة صوت الباب وهو يدق ثم غادرها الخادم الى شأنه .

وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما دق جرس التليفون بغرفة " ريجان " فى الوقت الذى نفذت فيه الى غرفته رائحة قهوة شذية وخاطبه صوت فى التليفون قائلا : لا يمكنني قبول هذه الازهار ولم تسبق لى معرفة بك وليس لى رغبة فى ذلك . .

فرد عليها بقوله : أتقومين الآن بعمل قهوة فى غرفتك ؟

- نعم وانا . .

- الا تعلمين ان هذا مخالف لقوانين وتعليمات الفندق ؟

وقد اراد بذلك ان يبقيها على التليفون أطول مدة ممكنة ، فردت عليه منفعلة : أسمع يا سيدى اننى استعمل ماكنة خياطتى على الدوام واعمل القهوة بالغرفة وازيدك بأن لدى ايضا آلة كاتبه

فقال لها محاولا تغيير مجرى الحديث لقد مضى على وقت طويل لم اذق فيه فنجانا مناسبا من القهوة !

تعال أمام بابى فاننى اصنع دائما فنجانا زائدا عن المطلوب وقدمت اليه القهوة فى كاس من كؤوس الفندق فشكرها واخذ فى شرب القهوة امام بابها وهو يرمقها بعينين يتجلى فيهما العرفان بالجميل .

ثم تنهدت الفتاة واشارت اليه ان

يدخل الى غرفتها قائلة :

- أسرع فى شربها فاننى على عزم أن أخرج . .

وجلس على كرسى بقرب الباب . واشعل سيجارة فلاحظت على يده اليمنى خاتما فسألته قائلة:

- هل اتيت الى هذه البلدة لقضاء اشغال ؟

- لا اننى اشتغل بهذه البلدة من ستة شهور وكنت اسكن شقة ليست بعيدة عن هنا ، وهذه هى المرة الاول التى أسكن فيها بفندق . .

- فرمقت الخاتم بيده مرة اخرى ، وسألته قائلة : أتحب أن تعيش منفردا ؟

- وسألها بدوره قائلا : وانت هل سبق ان تزوجت ؟

- كنت مخطوبة ولكنه تركنى ، وتزوج من أخرى وعليه فقد اعتزمت على الرحيل بقصد السلو والنسين

- هل كان تركه لك عن خصام نشب بينكما ؟

- نعم وانت ؟ .

- ان كل البيوت لا تخلو من الخصام والنزاع

- ثم ياسفون لما حدث . . ( فرد عليها موافقا )

- ثم ياسفون لما حدث . .!

- ما اسباب الخصام بينكما ؟

وحاول ان يتذكر فخانته ذاكرته فقال : انها تافهة من غير شك ، تبادل لكلمات غير مناسبة اذكت النزاع والارتفاع فى الاصوات و . .

- لعلها امرأة اخرى هى التى كانت

السبب فى نشوب الخصام بينكما ؟

- أنك تحبها اليس كذلك ؟ - أواه ! نعم . . نعم - اذن فعليك ان ترجع اليها وتعتذر لها على الرغم مما جرى ما دمت تحبها قالت ذلك ونشرت الثوب الذى كانت تخيطه على الماكنة وخاطبته مشيرة الى الثوب :

انه ثوب زفاف أريد ان اقدمه الى شقيقتتى التى ستتزوج فى الاسبوع القادم وقد كان عزمنا ان نحتفل بزفافنا معا فى يوم واحد ولكن القدر اراد غير ذلك ! . .

- فنهض من مقعده واخذ يقترب منها فى بطء وهو يقول باسما : الا تتكرمين بتناول طعام الغداء معى ؟

- فترددت وتاه بصرها في الفضاء لحظة ثم رمقته بعد ان قر عزمها اخيرا على اجابة طلبه فنهضت وتناولت معطفها وقبعتها وسارا معا فى الشارع ذراعها فى ذراعه فكان جسماهما

يتلامسان من وقت لآخر . .

واخيرا فقد وجد الشخص الذي يستطيع ان يفضى اليه ببؤسه وحزنه فأخذ يروى لها عما مضى من حياته:

لقد نقل اليه التليفون نبأ الحادث ووقوفه فى حزن وقلق امام غرفة العمليات ثم النبأ الرهيب الذى فاجأه به الطبيب بعد ساعات من ذلك . . بموتها . . لقد استطاع ان يخبرها الآن انه لا يمكن ان يرجع مطلقا الى امرأته على حبه الشديد لها لان ( زوزاليا ) امرأته لقد ماتت اثر اصطدام بسيارة نقل . .!

لقد خرجت ذلك الصباح كي تتسلم الهدية التى طالما مناها بها من احد المتاجر ، تلك الهدية التى سوف تسر بها كثيرا لو قدر لها ان تعيش وتراها .

لقد كانت من سنين تتمنى ان يكون لها " ماكنة خياطة " . .

عن الفرنسية - محمد على قطب جدة - الكرنتينات

اشترك في نشرتنا البريدية