الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

قصة متسلسلة , الكأس الأثرية (*)

Share

=٤=

- دعوت زميلاتي . . أن يتغذين على حسابي في الكتاب فقلت لها مستعجلاً :

-حسناً وما فى ذلك ولكن أمي...أمي... لا تعطيني نقوداً

وعذرت أمي ، فقد كانت - حقاً - لا تملك شيئاً ، سوى بعض الحلى تحتفظ به للملهات فسألتها :

-ولماذا لم تطلبي النقود من عمك فتكلمت بعد أن هدأت قليلاً :

- قال إنه لا يصح للفتيات الصغيرات أن يقمن دعوات خاصة فقلت لها مداعباً :

- وأنا أوافق عمى على ذلك فدفعتتى فى طفولة مدللة ، وقد فتحت فاها فى مزيج من ضحك وبكاء وقالت :

-كذاب -حسناً ، كم يلزمك لدعوتك هذه . فأجابت فرحة :

-تقول أمي أن خمسة ريالات تفي بالحاجة فصحت فزعاً :

-خمسة ريالات...من أين لى بها - يا إبنتى فضحكت مغضبة :

- أنت لا تملك خمسة ريالات...سعاد عندها عشرة ريالات والله... رأيتها فى صرة بعيني

ولا أدري ماذا خطر ببالى حين قلت لها : - سأحضر لك المبلغ - مساء اليوم- بحول الله فوثبت إلى الباب وهي تصفق باليدين صائحة :

- أمي . . أمي . . أخي سيحضر النقود اليوم فجريت وراءها ، حتى ادركتها ، وأمسكتها من كتفها وأنا ألهث : - أسكتي- يا خبيثة - لا يسمعنك عمى

فأدركت الموقف فى جلاء وصمتت ، وقفلت إلى الغرفة أبحث عن المحفظة والكتب فرتبتها فى عجلة ، ثم تأبطتها ، وتأهبت للنزول ، ولكن صوتاً أوقفني :

-إبراهيم ... إبراهيم... وأصغيت إلى الصوت فتبينت رنته وصحت -لبيك...عمى...لبيك

وبدأت أصعد الى العلية من البيت حيث عمي في غرفته الأثيرة لديه... ترى لماذا يدعوني ؟

هل سمع سميحة تتكلم عن دعوتها ، ووعدى لها باحضار النقود ، أم هنالك من أمر آخر ، وإذا كنت مصيباً فى ظنوني ، فسير ميني - حتماً- بالاسراف والتبذير ويلقي على مسامعي محاضرة فى منافع الاقتصاد ، ومضار البذل ثم سيمليها على لأ كتبها ، ثم لأنسخها كرة أخرى حتى ترسخ فى ذهنى ، ويروى عمى أنه كان يروض بهذه الطريقة حين كان طالباً جامحاً شامساً مثلى - تماماً-

وأخيراً طرقت بابه مستأذناً ، فجاء الاذن بصوت جهوري : - ادخل - يا ولد- فدخلت وألقيت عمى جالساً في شرفة مولياً ظهره الى وقال :

- تعال هنا فايقنت أن في الامر تأنيباً على الاقل ، وتقدمت صوبه وسرعان ما حثمت على ركبتى وأخذت يده فى يدى ، أقبلها مرات ، ثم إنتصبت واقفاً ، فأخرج من جيبه قطعة فخار قديمة وقال :

- أحلس... يا إبراهيم...

وكان وقت الحضور في المدرسة قد أزف ، ولم يكن بمستطاعي أن أصارحه بذلك ، فجلست على مضض ، وعمدت الى الصمت العميق لئلا أوسع أمامه مجال القول ، فبدأت نظراتي تنهب الغرفة ، ووقع بصري على ما وقع عليه مئات المرات : اطباق الصينى يرجع عهد صنعها كما يزعم عمى - الى الآف من السنوات الطوال ، وأباريق شاى ، وحنفية صغيرة ، وسيوف صدئه وقراب لها بالية ، ورماح مشرعة نخرها السوس ، وفصوص وأحجار ، وأشياء أخرى لا تحصى ، كلها أثرية ذات قيم عظيمة يعزها ويفخر باقتنائها .

وفجأة أيقظني من اغفاءتى بصوته وهو يبسط يده بقطعه الفخار : - هذه قطعة أترية رائعة اشتريتها من حاج صيني التقيت به صدفة فى الحرم فاخذتها فى يدى مقلباً ، وأنا أحمدالله على أن بددأ وهامي ، وتصنعت لهجة العارف :

- ما شاء الله . . ما شاء الله . . انها لقطعه فريدة وخلل عمى لحيته البيضاء بأصابعه وبدأ يتكلم :

- ليس اقتناء العاديات بالأمر الهين ، فقد طويت - فى مرة من المرات مائتى ميل فى اراضى التبت لشراء هذ الابريق الذي تراه على الرف الاوسط فقلت من غير وعى منى :

- ومتى كان ذلك - يا عمى - فنزع عمامته ، وغير جلسته ، وتهيأ ليقص على مغامراته فى التبت فأردت أن أغير إتجاه الحديث بسؤال ألقيته فى سذاجة مصطنعة :

- ولكن - يا عمى - ما الفائدة من اقتناء هذه الأثريات فزوى ما بين عينه ثم قال :

- إن ربحها يزداد ممرور الزمن ، وإن الهاوى الراغب قد يبذل اموالا طائلة لشراء قطعة اثرية لم تكن ذات بال عندك فسالته على الفور لأشغله عن العودة إلى مغامراته :

-وكيف يفرق المرء بين الثمين والغث من القطع فارتاح فى جلسته وأجاب :

- على كل فهنالك علائم لا تخفي على الخبير ، والمسألة-بعد- لا تعدو تجارب السنين وخبرة الزمن ثم اردف قائلا :

-وما رأيك في هذه قلت له : - انها لشئ عظيم... لا يقدر بثمن مهما غلا فابتسم وخاطبني قائلا : -تستطيع أن تنصرف الآن

وكدت أفاتحه بشأن سميحة ، لولا ما أعلمه من عناده وصلابته ، فاقتسمني الأمران وابطأت في القيام ؛ فلحظ قلقي وقال :

- ما بك...أتريد أن تفضى إلى بشيء... فأجبت على عجل . سميحة... فقاطعني :

- أمض في سبيلك - يا إبراهيم - فانا لا أريد أن تنشأ هذه البنية على خلة مرذولة...

فقلت له : -انها مرة فى العمر ، ولن تلحف عليك - بعد اليوم - فى السؤال -ولكن المرة هذه ستجروراءها مرات ، وإن معظم النار من مستصغر الشرر وأردت أن أتكلم ، فأردف صائحاً : - أمض في سبيلك - يا إبراهيم -

فقبلت يده ، وهبطت منصرفاً ، وانانهب الافكار ما معنى هذا التناقض الذي يتجلى فى بذله الجم من المال سبيل قنية واحدة ، وامساكه النذر من المال فى سبيل دعوة تقيمها سميحة...

وشعرت أن نفسي تقلق وتثور ، وان ثقلا مايجثم على إحساسي ، فجاست عواطفى وتملكنى غضب مكبوت مكتوم ، وأخال أن والدتي التى تنتظرني فى الطابق الأوسط قد لمحت على محياى سمة من غضب فسألتني في لهفة :

- عساه خيراً... فخفف عني حبها بعض مابي او قلت لها من غير ان أقف - أجل خير وأطلت أختى من خلف أمي صائحة : - أخي . . لا تنسى ما وعدتني

فلم ألبيها ، وواصلت هبوطي ، واسوات على نوبة من غيظ حانق ، لتدي أقام علينا والدنا هذا العجوز وصياً وتجلت الأثرة والأنانية صارخة وضحة في أعماله فهو ينفق ما يشاء على هواه ، ويحبس ما يشاء عنا وأنا لاأصبر إلى تقويم خطئه سبلا ولا الى افهامه خطأه طريقا...فما العمل .

إنه لاحل لهذه المعضلة إلا أن نستمر فى قطيعته وان نجعله يعيش بيننا غريباً فريداً...

وماعتمت ان وصلت الدهيز ، وماكدت أخطو خطوات حتى تعثرت بشئ فى الظلام ؛ لأن الباب كان موصداً وكانت لهذا الشئ رنة معدنية ؛ فأحنيت جذعي  وطفقت أبحث عنه ؛ وإذا بي ألمس كأساً معدنية حقيرة علاها صدأ السنين ؛ فهممت برميها ، إلا أن خاطراً إنبثق فى زهنى...

لماذا لا تكون هذه الكاس كأثريات عمى اما الفرق بين هذه وتلك . ما الذى يمنعها من أن تكون أثرية وقد نال منها الزمن ما نال ، وفجأة اهتديت إلى فكرة غريبة ، وغمغمت قائلاً : - سأنفذها...سأنفذها

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية