٢
كيف استطاعت هذه الكاس أن تبعث ذلك الوجل والرعب فى صديقى وان يجعله نهبا للوساوس وهدفا للافكار حقا انا أعلم أن صديقي يشكو توترا فى اعصابه منذ سنين ، وقد حذرته مغبة الاهتمام الزائد بأعصابه المجهدة ، وطلبت منه ان لا يجعل ديدنه التفكير فى نفسه وحالته ، غير انى على يقين من انه لم يصغ لنصائحى هذه قط وليس فى مستطاع الأنسان آن يقنع من لا يروم الاقتناع وأخيرا توفى عمه فهل لهذا من ضلع فى انهيار نفسيته واصابته بالأدواء العصبية ؟ هذا ما يخيل الي ، بله ما ارجحه وأعتقده الا ان ذلك لن يمنعنى من أن أبعد من سبيله كل ما يمكن أن يكون سببا فى اثارته فعولت على أن أوازى الكاس عن عينيه فمددت اليها يدى ووضعتها فى جيبي راجعا ولم تقع عيناي على صديقي لا فى الممر ولا فى الدهليز وانما كان فى فناء البيت حيث يقطع الوقت جيئة وذهوبا وما أن رآني حتى رفع عقيرته صائحا :
- هل ظفرت بها ؟ - أجل بكل تأكيد حسنا . . حسنا . . انك لمجدود - أو كنت تظن انها ستفلت من يدى . . ) وخطوت نحوه ( فصرخ
- مكانك . أيها الرجل ! أدفنها أولا ثم قاربني إذا شئت . فأدركت خطىء وغيرت اتجاهى وأنا أخاطبه :
- ارتح فى الدار ريثما . . فقاطعني فى لهجة ضارعة : - بربك أدفنها جيدا فقد وأدتها بالأمس فى هذه الحديقة فوجدتها صباح اليوم - على نضدى تطالعني في خبث ودهاء
- اهدأ واطمئن . . سأريحك منها الى الأبد . وغبت حينا ! اثم قفلت الى دار الصديق فالفيته مستندا الى الباب وقد لج بي التفكير وامعن فلما احس بقدومى ابتسم قليلا وهو يتمتم :
- صديقى . . اشكرك كثيرا . . انك انقذتنى من جنون محقق فسألته متعبا : - وهل خشيت أن تكون هذه الكأس الصدئة مصدر جنونك - أجل ولا تتعجب
- ان الغازك لتحيرني ، فسألتك الله الا ما أوضحت لى أمرها . فاخذني بيدى يقودني الى الغرفة السابقة وتكلم فى لهجة هادئة :
- سأميط لك اللثام عن كل شئ ، ودخلنا ، وكان المساء قد ارسل غدائره الوصف الفاحمة فحجبت عن الكون وجه الضياء إلا شعاعا اصهب وانيا انطلق من أسر ضفيرة عاتية مرتميا فى حضن رباب أبيض سابح فخلع عليه حللا من لونه الذهبى وانشحت النخيل بغلالة شفة شهباء ولف الظلام ارجاء الدار والغرف والابهاء واشتدت الحلكة فى غرفتنا فمشى الصديق الى المصباح يشعله ودلفت آنا الى النافذة استقبل السام المساء وهى تحمل الى أنفي أريح الحشائش الندى مشوبا بعبير ذكي من ازاهر برية ، وتلقت اذني سقسقة العصافير وهى تدف بالجناح استعدادا للدخول فى الاوكار قبل ان يدهم الليل ويحلو لك
وانتهى الصديق من أمره فسطع النور قويا وهاجا وأخذ مقعدا بجانبي ولما رفعت اليه نظرى لحظت أن الدم الغائض بدأ يعود الى وجناته الا ان صدره لم يزل يضطرب تحت جلبابه اللصيق فتوجهت اليه بالكلام :
يتبع
