-٣-
- والآن وقد ارتحنا من الكأس المشئومة ، فلنهدأ فأجابني وهو يطيل التحديق الى :
اوتظن انها لن تعود إلى - أنا واثق من ذلك - بحول الله - ثم اردفت قائلا : - هلا حدثتنا عن امرها - ما دمت قد تجشمت كل هذه المشاق فى سبيلي فسأقص عليك ما كنت اكتمه عن الجميع
ثم أردف قائلا : آه نسيت أن اطلب لك شايا فقلت له محتجا : لاداعي لذلك ابدا فعهدى بشربه قريب
لكنة أصر على رأيه ، فقام إلى اهله ليعدوا لنا ابريق شاي لذيذا او ماعتم أن عاد وأخذ مجلسه أمامى وبدأ يتكلم
ساقص عليك أمرها فهل انت مصغ اجبته فى تلهف : اجل . . اجل . . كل اصغاء واستماع
وبدأ يقص :
كان ذلك قبل عشر سنوات حين توفى والدى عنى وكنت ابلغ إذ ذاك خمسة عشر عاما - وعن امى واختى اللتين لازالتا عائشتين إلى اليوم - كما تعلم ذلك - وكان والدنا قد أقام علينا أخاه وصيا . وهو الذي اقترن فى ميعة صباه بفتاة كاعب حسناء فلما عاجلتها المنية ، لم يفكر بعدها فى سواها وعاش ودهره بنيا عزبا فريدا . . ولم يكن عمنا بالذى يلذ له ان يبسط يده عن سعة وسخاء بل كان فى ابداء العظات اكرم منه فى انفاق قروش نحتاجها انا واختى لبعض شؤونا ، إلا أن لعمى هذا كانت هوية يؤثرها ويرعاها وينفق فى سبيلها ما يشاء له هواه وهى جمع التحف والعاديات وحشدها فوق رفوف كل موضع من غرفته والتحدث عنها لكل من يبدى رغبته فى الاستماع إليه او لا يبدى .
وفى صباح يوم من ربيع ناضر ، اخذت محفظتى وذهبت ابحث عن كتب بعثرتها - ليلة البارحة - حين المذاكرة وإذا بى احس بكف ناعمة تلمس كتفى ، فالتفت مذعورا ، استطلع مصدر اليد البيضة ، فرايت اختى سميحه بشعرها السبط وقد ترقرقت دمعتان فى عينيها النجلاوتين ، وهى صامتة لا تنطق ، فسألتها فى ضجر وانا ابحث عن كتبي !
- ما بك - سميحه - وكأنما اطلق كلامى حبيس البكاء من صدرها فرفعت يديها الى عينيها وطفقت تنشبح ، واخذتنى رقة عليها ، فرميت بالمحفظة وامسكت برسغها قائلا لها :
اختي . . اختى . . تكلمى مابك ولكنها لم تجب فسألتها : هل اغضبتك امي . . تكلمى - يا ابنتى فاجابت وقد اختلط كلامها بالتنهدات المصعدة
يتبع
