كان جبلة معاصرا للانبعاث العربى الاسلامى . وكان وارثا لملك الغساسنة ، وكان ذكيا ، الا انه بطر . وكان بنو غسان الملوك الذين هيمنوا على بادية اتشام وفلسطين وشرقى الاردن ، وترامى ملكهم شرقا حتى بوادى العراق واستولى على مدينة الحيرة
وكان الروم قد استولوا على مدن الشام والثغور وتوغلوا من حدود بلاد آسيا الصغرى . . ومع ذلك لم يجد الروم مندوحة من التسليم الى الغساسنة فى السلطان ، على هلال كبير من الارض يفصل حدودهم عن الصحراء العربية فان وسائل الحضارة فى تلك القرون لم تكن كفيلة بآلاستتباب والاستقرار فى الصحراء الممتنعة برمالها وحرورها ومفاوزها الخالية من الاستقرار
اذا ، فقد تكونت النهضة الاسلامية فى دواخل الجزيرة العربية بينما كان ملك غسان بعيدا يفصل بينه وبينهم المفازات المترامية وكان الشام يحكمه القياصرة الروميون عند ما قامت النهضة الاسلامية فى مكة تفيض بروحها ، حتى انتقلت الى مدينة يثرب حيث استتمت شريعتها ونظمها الاجتماعية . فجمعت العرب من دواخل الجزيرة ، وانما بقى قبائل الاطراف خارجين عن هاته النهضة وحكومتها الجديدة . فكان بنو غسان نصارى ينتمون بصلة سياسية الى الحكومة الرومية شمالا . فى حين ان العراق كان خاضعا للسلطان الكسروى من الفرس
واتمت النهضة العربية نضجها بين سنة الهجرة ( 622 ) ووفاة الرسول عليه السلام 632 م ، واستتمت نظامها الشورى وجمعت نصوص الكتاب الكريم فى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الذى حقق سيادة المسلمين على عرب الجزيرة فى داخلها
وكانت خلافة عمر بن الخطاب من سنة 634 م ، حتى اغتاله فيروز بن ملجم الفارسى سنة 644 . الذى جىء به اسيرا وبقى مملوكا رقيقا يرجو الفداء بعلمه ، فلا يجده فهى عشرة سنوات قضى عمر فيها على السيادة الفارسية فى العراق ، وزاد فتوغل فى بلاد فارس حتى اتى عليها وملك عواصمها . الامر الذى اثر تأثيرا عظيما فى الاجوار ( الروم ) واثر اثرا مباشرا فى الامة العربية من اطرافها التى كانت خاضعة او متصلة بالسيادة الرومية والرومانية
ففى تلك الحقبة ، بعد واقعة اليرموك ، كان الشعب العربى قد تحررت نفسه تماما ونفض عنها كابوس السيادة الرومية . الامر الذى رأينا معه الامير الغسانى - جبلة - يراسل عمر بن الخطاب ، فبادر عمر باجابته وباستقدامه الى المدينة : يثرب . ولم يجد جبلة مندوحة عن اعلان اسلامه والانتقال - بالفعل - الى المدينة ، عاصمة الدولة العربية الفتية .
لكن جبلة لم يكد يمضى عليه اشهر بالمدينة حتى شعر بمبلغ الفرق بين الارستقراطية التى كان عليها فى حدود الشام حيث يؤيده الاحتلال الرومى ليطمئن به على خضوع ذلك المركز الخطير من الحدود ، بحيث كان الفرق عظيما بين مستوى الشعب ومستوى هؤلاء الملوك المتصرفين ، مع من اليهم من الطبقة الارستقراطية الممتازة . فما ابعد الفرق بين كل ذلك الذى نشأ فيه واعتاده وبين ما وجده هناك فى خلافة عمر الذى كان يعيش فى مستوى الشعب مباشرة . وكان يسمح لنفسه ان يتوسد برنسه لينام فى المسجد بين الصلاتين فى قيلولة الصيف . فكيف له بما اعتاده هو مع الخليفة الديمقراطى الذى فاء لظله .
وقد دون لنا ابن قتيبة الدينورى وابو منصور الثعالبى وأبو الفرج الاصبهانى واحمد الشريشى حقائق تلك الحقبة الانتقالية وعصفها فى النفوس العامة والرؤوس الخاصة . وخلدوا لنا العقد النفسية ، هائلة جليلة بمآسيها وكمالاتها . لنختر اليوم موقفا من تلك المواقف التى صورها فى جبلة هذا ، واننا لنحافظ بقدر الامكان على نصوصهم فى هاته الحادثة الرائعة
لما اراد جبلة بن الايهم ان يسلم كتب الى الخليفة عمر بن الخطاب . فسر بذلك عمر وكتب اليه : ان اقدم ، ولك ما لنا ، وعليك ما علينا . فخرج فى مائة فارس من عك وجفنة ، فلما دنا من المدينة خرج اليهم وفود
المسلمين يستقبلونهم ، فلم يبق كبير ولا صغير بالمدينة الا وخرج ، فرحا بمقدمة واسلامه . وكان القادمون يلبسون اثواب الوشى المنسوجة بالذهب الاحمر والحرير الاصفر وجلال خيولهم الديباج . وقد طوقوها اطواق الذهب والفضة ، ولبس هو تاجه ، وفيه قرطا مارية مما راى به اهل المدينة مبلغ بذخ الحضارة فى الشام ومبلغ الترف الملكى.
ثم حضر موسم الحج مع عمر بن الخطاب وكان الخليفة قد استصحبه معه فى الطواف ، اذ وطئ على ازاره رجل من فزارة ، فحله . فالتفت اليه جبلة مغضبا ، ولطمه فهشم انفه ، فاستعدى عليه الفزارى عمر . فقال اتلطم اخاك ؟ . .
قال : انه وطئ ازارى ، ولولا حرمة هذا البيت لاخذت الذى فيه عيناه . . فقال عمر : اما انت وقد اقررت ، فاما ان ترضيه واما ان اقيده منك . قال جبلة : انقيده منى انا ؟ وهو رجل سوقة . قال : سوى بينكما الاسلام فشملكما بعفوه ، فما تفضله الا بالعافية قال جبلة : قد رجوت ان اكون فى الاسلام اعز منى فى الجاهلية قال عمر : هو ذاك العز ( يعنى ان العز فى التكافؤ وتبادل الاحترام والمساواة . . )
قال : إذا اتنصر خير قال الخليفة : لو ارتددت لضربت عنقك . . . واجتمع فزارة واصحاب جبلة ، وكادت تكون فتنة فقال جبلة : انظرنى الى غد يا امير المؤمنين قال : ذلك اليك . . فلما كان جنح الليل خرج جبلة فى أصحابه الى القسطانطينية ، فاعظم هرقل امبراطور الروم قدومه وربه . واقطع له الاموال والارباع .
ولما بعث عمر رضى الله عنه الى هرقل يدعوه الى الاسلام ، اجابه الى المصالحة ثم قال للرسول : ارأيت ابن عمك الذى اتانا راغبا ؟ قال : - لا - فأذن له ان يكون ضيفا على جبلة حتى يصدر له الجواب كتابيا ، وصحبه من اوصله اليه ، فوجد على باب جبلة من الجمع والحجاب والبهجة مثلما على باب قيصر .
قال رسول عمر - فتلطفت ودخلت مجلسه ، واذا انا برجل اصهب اللحية ذى سبال ، وكان عهدى به اسود اللحية ، فأنكرته فاذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرها على لحيته حتى صبغتها ، فعاد اصهب ، وهو قاعد على سرير من قوارير
فلما قدمونى له وعرفنى بصفتى ، رفعنى معه على السرير ، وجعل يسألنى عن المسلمين وحالهم ؟
فقلت : قد اضعفوا اضعافا على ما تعرف وسألنى عن عمر ، فقلت : بخير حال ! فأغتم بسلامة عمر ، فانحدرت عن السرير ، فقال : لم ؟ اتابى الكرامة ؟ . فقلت - ان رسول الله نهى عن هذه التعاظمات فقال - نعم صلى الله عليه وسلم . ولكن نق قلبك من دنس الكبر ، ولا تبال على ما جلست . فطمعت فيه عند صلاته على النبى ، وتوجيهه ذاك ، فجلست اليه أآنسه ، وقلت له : ويحك يا جبلة الا تعود ؟ .
وقد عرفت الاسلام وفضله قال - ابعد ما كان منى . ؟ قلت - نعم . . فقد فعل رجل من فزارة اكثر مما فعلت ، ارتد وضرب اوجه المسلمين بالسيف ؛ ثم اسلم وقبل اسلامه منه ، وخلفته بالمدينة مسبلة عليه عافية الاسلام .
قال - زدنى من هذا . . . . حتى قال : ان كنت تضمن لى ان يصهر الى عمر بابنته - وقد كان عمر اصهر الى النبىء بابنته حفصة رضى الله عنها - ان كنت تضمن لى ان يزوجنى عمر ابنته حتى الحم معه بالمصاهرة ، وتضمن لى ان يجعلنى خليفة على المسلمين من بعده . . . . رجعت !
فضمنت له ما طلب من التزوج بابنة عمر ، ولم اضمن له ان يوليه المسلمون الخلافة . . . فاوما الى وصيف بين يديه ، فذهب مسرعا ، فاذا موائد الذهب قد نصبت بصحائف الفضة . فقال : كل
فقبضت يدى وقلت : ان رسول الله قد نهى عن الاكل فى آنية الذهب والفضة .
فقال : نعم . . صلى الله عليه وسلم لكن نق قلبك وكل فيما قدم اليك . واكل فى الذهب والفضة وقد جاءوا الى بصحاف من الخلنج فاكلت ، ثم جاءوا له بطشت من الذهب فغسل وغسلت انا فى طشت من الصفر
م اوما الى خادم عن يمينه ، فذهب مسرعا ، فسمعت حسا ، فاذا خدم معهم كراس مرصعة بالجواهر . فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره ، وخرج عشرة جوارى فى الشعور الصهب عليهن ثياب الوشى مكسوات حليا ، فقعدن يمينه . وخرج مثلهن فى الشعور السود الدعج فقعدن شمالى . واذا بجارية قد طلعت كالشمس حسنا ، وعلى رأسها تاج وعليه طائر ، وفى يدها اليمنى جامة فيها مسك وعنبر فتيت ، وفى يدها اليسرى جامة بماء الورد . فصفرت بالطائر ، فوقع الى جامة ماء الورد فغطس فيها يغتسل ويضطرب ، ثم وقع يتمرغ فى المسك ، ثم وقع على صليب فى تاج جبلة ، فرفرف حتى نفض ما فى ريشه عليه ، وجبئة يتنعم مستبشرا فى زهو .
قال للجوارى اللاتى عن يمينه : بالله اسررنا . . فاندفعت عيدانهن تخفق ، وغنين :
لله در عصابة نادمتهم
يوما بجلق فى الزمان الاول . . .
الى قوله :
بيض الوجوه ، نقية احسابهم
شم الانوف من الطراز الامثل
فكان يهتز طربا وحبورا ثم قال لى : اتدرى من قال هذا ؟ . . قلت : لا . قال : حسان بن ثابت شاعر النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد كان قالها ايام ملكنا ، وانشدنيها . ثم قال للاتى على يساره : - بالله عظوا بطرنا وقرعوا اسماعنا ! فاندفعن بعيدانهن يغنين
لمن الدار ؟ . . اقفرت بعمان
بين اعلى اليرموق والصمان
حتى:
ودنا الفصح فالولائد ينظمن سراعا اكلة المرجان
فبكى حتى سالت الدموع على لحيته . ثم قال لى : ان هذا لحسان بن ثابت ايضا . قالها فى ايام سلطاننا ونحن بمدينة عمان . . كأنما انا يجبلة يقول :
تنصرت الاشراف من اجل لطمة
وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تملكنى فيها لجاج ونخوة
وبعث بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت امى لم تلدنى وليتنى
رجعت الى الامر الذى قال لى عمر
ويا ليتنى ارعى المخاض بقفرة
وكنت اسيرا فى ربيعة او مضر
ثم سألنى عن حسان بن ثابت : احى هو ؟ . قلت : نعم . . فلما كان الرحيل عن القسطنطينية ، امر بمال وكسوة ونوق موقرة برا ، وقال : اقرئه السلام وادفع له هذا ، وان وجدته ميتا فادفعه الى اهله وانحر الجمال على قبره .
فلما قدمت على عمر ، اخبرته الخبر فقال : هلا ضمنت اليه الامر ، فاذا اسلم قضى الله الامر بمشيئته وحكمه ثم بعث الى حسان فاقبل ، وقد كف بصره فقال : هات يا اخى ، ما بعث به الى معك . . قلت : ومن اعلمك ؟
قال : ان جبلة رجل كريم ، من عصبة كرام ، مدحتهم فى الجاهلية ، فهو لا يلقى احدا يعرفنى الا واهدى الى معه شيئا ، فدفعته اليه ، واخبرته بامره فى الابل . فقال : وددت انى كنت ميتا فتنحر على قبرى ، ولكنى شيخ احتاجها ! ثم انصرف وهو يقول :
ان ابن جفنة من بقية معشر
لم يغذهم آباؤهم باللوم
( انتهت الاحدوثة )
ويمكننا ان نرى من هاته القصة مبلغ تفنن الادب العربى فى تصوير مجد الديموقراطية التى وضعتها النهضة الاسلامية وتصوير مبلغ اصطدام الافراد المتمتعين بالامتيازات التاريخية ، وما يفعله العنصران فى النفس البشرية الممزقة بين المتعة الحاصلة وعذاب تأنيب الضمير لمصادمتهم الاتجاه الاسمى ومسايرة التطور . فيمكن الرجوع اليها لمن شاء فى يتيمة الدهر فى محاسن اهل العصر وفى شرح المقامات الكبير وكتاب الاغانى وغيرها من كتب النهضة العربية التى زانت القصة والخبر

