- الساعة الآن العاشرة الا ربعا تماما . . ايه . . لا بد ان نبيلا سيأتي الآن . . او بعد قليل . . لأنتظره . . ) ويصمت عادل هنيهات . ثم ينادى اخته سلوى . وتظهر من باب الغرفة اخته الصغيرة هدى فيقول لها : أين سلوى أريد سلوى لا انت . هيا اذهبي وأخبريها اني اريدها . . هيا بسرعة !
) وتذهب هدى الى غرفة أختها سلوى تلك التى كانت تراجع بعض دروسها . . لانها في مرحلة الدراسة الابتدائية بالفصل الخامس ( .
- ها . . ماذا تريدين . . - أخي عادل يريدك . . وبسرعة - ماذا يريد مني الآن ؟ قولى له : اننى أذاكر دروسي .
- لا ! هو يريدك في الحال . . هيا أجيبيه
وقامت سلوى من على المقعد الذي كان بجانب النافذة مطلا على فناء الدار الصغير لتذهب الى اخيها عادل (
- ها . . عادل ! ماذا تريد منى ؟ - عجبا يا أختاه . . ألا تعرفين ماذا اريد . . أنسيت أن هذا الوقت هو موعد نبيل وسيأتى بعد قليل .
) قالت سلوى بعد ضحكة حلوة قصيرة ( : - بالطبع ، لقد نسيت هذا . . فاعذرني
يا أخي . . لا بد انك تريد الشاى ، والقهوة ، والمرطبات . . الى آخره . . أليس كذلك ؟
- أنت ذكية يا سلوى . . وعفريتة . والآن هيا فافعلي ما ذكرته . . هيا تفضلى بالذهاب الى المطبخ ، واصنعي لنا اقداحا من الشاى المنعنع . . هه . . هه . . هيا يا سلوى .
بعد دقائق مرت خاطفة كان نبيل جالسا مع عادل فى شرفة مطلة على الشارع المكتظ بالمارة من الناس والسيارات . . كان منظرا محببا إلى الصديقين حيث ضجيج الحياة وضوضاء البشر فى صورة من صورها المتعددة . . كان الجو فى هذا الوقت ملتفعا شفيفة من السحب المبعثرة على جبين الافق مشوبة بلون الشفق البديع المنظر ، وكان الحديث ممتعا فى هذه السويعات ، وخاصة اذا تعطر برائحة الشاى الممزوج بالنعنع أو أوراق شجرالليمون : ) النوامي الصغار ( .
- أظن انك اليوم مشغول ، والا لما تأخرت الى هذا الوقت ، فالساعة هى الحادية عشرة وخمس دقائق ؟
- كلا . . لم أكن كما تظن . . وانما تأخرت لاننى قابلت فى طريقى اليك الاخ سامى . . وقد مرت مدة طويلة لم أتمكن من رؤيته فيها فكانت فرصة لى نادرة تحدثت معه فى جانب من الشارع . . ومما أخبرنى به ، أنه سيلتحق بكلية الشرطة وينوى
السفر بعد اسبوع من الآن .
- وفقه الله . . ) وهنا قال نبيل لعادل بدهشة وتساؤل ( - عادل . . ما بالك لم تسألني عن سامي وعن أخباره كما عودتنى كل مرة ؟ ) قال هذا وسكت ينتظر من عادل الجواب ( . وبعد برهة كادت تطول رفع عادل رأسه بهدوء وتنهد قائلا : - اه . . لم أسألك عنه هذه المرة ، وهل كان يسأل عنى ؟ أو هل تذكرني مرة واحدة ؟
انه لا يفعل ذلك . . فهو لا يفكر الا فى نفسه ، ولا يتذكر الا نفسه ، اما اصدقاؤه ، أما زملاؤه ، والخلص له فلا . . ليس من حقهم ان يحوموا فى آفاقه ، ولو مرة واحدة فقط . وهذا وللاسف لم أعرفه عنه الا اليوم . . !
ولكن أخبرنى ما الذى حدث بينك وبينه ؟ هل هناك ما يجب أن أعرفه ؟
- بالطبع يجب أن تعلم انه غير جدير
بالصداقة ، انه لا يعرف اصدقاءه الا حين يراهم ، فيقسم لهم بأغلظ الايمان ، انه كان فى شغل دائم . . وانه معذور لعدم وفائه بالمواعيد .
- عجيب أمر سامي ، لم أعرف عنه الا الوفاء والمودة . . ولكنى لا أعهدك كاذبا . .
- انها حسن نيتك يا نبيل . . تحسن الظن بكل انسان ، وتصدق كل انسان ، لذلك فأنى أحببت فيك هذه الخصال . . ومن أجل ذلك فاننى مرتاح اليك .
- أشكرك يا اخي . . وارجو من الله أن يوفقنا فى البعد عن الاشرار ، وان يوفق الاصدقاء لخيرهم ، وان يجمع قلوبهم على الخير أبدا . . آمين . . آمين . .
نبيل - وقد التفت الى ناحية الصوت - من ؟ . سلوى . أعني الاخت سلوى ؟ . شكرا على هذا المجهود الذى بذلته لعمل الشاى . . شكرا .
- العفو يا اخ نبيل ! . . انا تحت الخدمة لكن قل لى : هل انت الذى كنت تدعو قبل أن ادخل الى الغرفة ؟
- بالطبع انا كنت الداعى ، كنت ادعو بأن يجمع الله قلوب الاصدقاء على الخير أبدا و . .
- وجئت انا فجأة وسمعتك داعيا فأمنت على دعاءك . . هه هه . . انه دعاء جميل بلا شك .
وأراد أن يقول لها : - وانت اجمل . لولا انه رأى أخاها عادل الذي ظل طوال الوقت مبتسما . . ينظر الى اخته سلوى وهى تتحدث مع صديقه نبيل ، وأناملها تتلاعب بشعرها الليل المتدلى على كتفيها : وجفنيها يتراقصان بتناسق كلماتها الرقيقة المنسابة من ذلك الثغر الوردى الشفاه تلك الرقيقة كوريقات الوردة الناضرة المرتعشة كخفقات قلب صغير مجهد . . كان منظرها فاتنا . . مثيرا . . كيف لا . . وهذا ثوبها الاحمر فى احتضانه لجسدها النحيل كغصن زهرة يانعة خال من الاوراق الا من اثنتين فى أعلاه . كانت هذه سلوى اخت عادل . . تقف امام ) صديقه نبيل ( ، هذا الذي لم يزل فى ميعة الصبا ، فى سن المراهقة . . وكذلك هى وعادل ايضا . . لكن ولعله من الغريب أن نرى مثل هذا اللقاء بين فتاة وفتى اجنبيين ، وفي دار أهلها وبعلمهم . . هذا الذى قد يبدو غير مستساغ فى تقاليد البيئة المسلمة المؤمنة بل هو من المنهى عنه فى شريعة الاسلام نجده فى حل من كل تلك القيود لدى هذه الأسرة . . اسرة الفتاة سلوى . . اذ ان لاصدقاء الاسرة الحق فى مجالسة من يشاؤون من افرادها ومتى ارادوا ذلك ) فالبيت بيتهم ( وهم كأفراد هذه الاسرة
لا فرق بينهم فى أى حال . . هو هذا قانون الاسرة الذي تسير عليه . ولعل هذا عن حسن نية . . وحسن ظن . . ولكن ؟ . .
وتمر الايام ، ويزداد رصيد الزيارات لهذه الدار وخاصة من ) الاخ ( نبيل ، فهو الصديق المخلص ، والابن البار لهذه الاسرة . . وشاء القدر ان يبتعد عادل الابن الحقيقي عن الدار فقد سافر الى مدينة اخرى . . وبهذا فقدت الاسرة ، الانسان الذي يقوم بخدمتها . . اذن كيف يمكن لهذه الاسرة أن تعيش بدون قضاء حاجياتها . .
- أوه . . هذا لا يهم . . أنا سأذهب لأى مكان تريدون . وسأكون فى منزلة ابنكم عادل .
- لا . . لا . . هذا فيه كلفة عليك . . يا بنى . . - استغفر الله . . بل هذا من واجب نحوكم .
- بارك الله فيك . . ) حديث قصير كان بين نبيل وبين والد صديقه عادل : العم محمد وكان يحق له أن يركن الى صديق ابنه فى خدمة الدار ، فتراه عند طلوع النور فى أفق السماء مسرعا فى خطوه الى حيث لقمة العيش . . فهناك عمله المتواضع البسيط الذى يعول الأسرة ولا يرجع الا حينما تكون الشمس فى حلتها الحمراء في خطواته الوئيدة كخطوات الشمس الى المغيب . .
اذن فمنذ اليوم فان على نبيل ان يقوم مقام ابن الاسرة . . وبالطبع ، فان زياراته للدار ستزداد فتصبح يومية بعد أن كانت متقطعة . . يأتيها صباح مساء . . وقد يمكث الى وقت متأخر من الليل . وعلى هذا المنوال مضت ثلاث سنوات قضاهن نسيل مع أهل الدار وكأنهم أهله .
وفي يوم . . نرى سلوى وقد اصبحت زوجة لنبيل . . ولم يمض أسبوع على الزواج حتى حزم نبيل أمتعته وأمتعة زوجته ليسافرا الى بلدة بعيدة .
ويمضي موكب الايام . . ونمضى معه الى حيث نرى اثنين يتحادثان . . ونتلفع بدثار الخفاء لنسمعهما عن كثب . . وها هو ذا أحدهما يقول للآخر : أما سمعت بالخبر يا عابد ؟
- أى خبر تقصد ؟ - الاخ نبيل - ما به ؟
- ألم يبلغك نبأ زواجه ؟ ! أوه . . خبر قديم لقد أبلغنيه لطفى . .
- ولكن لا بد انك لا تعلم اين هو ؟ . . - سمعت انه سافر من بلدة الى اخرى . . أما السبب فلا أعلمه . .
- مسكين ، لقد ترك الدراسة ، واتجه الى العمل .
- يا أخي ! انه معذور ، فهو اليوم زوج ، وسيصبح بعد مدة ابا .
- ماذا ؟ هذا غير معقول . - أوه . معقول جدا . .
- ولكن لم يمض على زواجه اكثر من ستة أشهر . .
- انت اذن لم تسمع بالخبر . - اى خبر تقصد ؟
- تلك الورطة التى وقع فيها . - ترى هل تخلص منها وان كنت لا اعلم بها ؟
- أوه . . أوه . . لقد تخلص منها . . بالزواج .
- انتهت -
مكة المكرمة
