- ١ - رفع الضابط الاسرائيل سماعة الهاتف وقال حينما كانت سيجارته الثمينة المزروعة فى زاوية فمه تتراقص بطريقة منتظمة :
- آل . . نعم . . انا الميجور راحاييم) ٠٠٠٠ -
قطب حاجبيه ، وبدا عليه الانفعال ، سحب نفسا طويلا من سيجارته وغرزها بعنف فى المطفأة ، ثم اشعل غيرها ، واضطربت يده التى كانت تمسك السماعة . . أراد أن يصهرها . . تلون وجهه . . وقست عباراته التى كان يوجهها الى محد
على الجانب الآخر : - غير معقول ٠٠٠٠ - - انذال . ٠٠٠٠ -
- هربوا . . افهم من ذلك ، انكم لم تقبضوا عليهم . . ٠٠٠٠ - - غير صحيح . . اكاد اجن . . ٠٠٠٠٠ - - ماذا ؟ أحضروه بسرعة ٠٠٠٠٠ - - لا تهمني جراح الآخرين بقدر ما تهمنى نفس ٠٠٠٠ -
- اسعافات أولية فقط واحضروه حالا . ثم ارتخت يده . . وألقى السماعة بلا اكتراث . . ولم يلتفت الى مساعده النقيب ( كوهين ) الذي كان يجلس قبالته . . وبدا أنه فى موقف لا يحسد عليه .
أخذ بفرك أصابعه بوحشية ، ويهرش رأسه . .
تجرأ الضابط الذى كان أقل منه رتبة : - أرى سيدى مرتبكا . .
لم يجبه . . لقد كان فى عالمه الجديد الذي نقلته اليه المكالمة المشؤومة . وظن النقب أن الغلطة في سؤاله هى التى منعت المبجور من أن يجيبه فكرر سؤاله بصورة ظن أنها الطف من الاولى :
- أرى سيدي تعبا . .
ومع أنه كان يعرف سيده تماما ، الا ان حب الاستطلاع عنده ، دفعه الى أن يكثر من أسئلته ، . . فرد عليه الميجور غاضبا :
- تعب ، ومنهار ايضا . . لا ادري حقا لماذا كان مقدرا على ، ان اتسلم هذا المنصب . . لقد كنت احلم بان اكون مديرا للامن الداخلى ، لكنني ابدا لم اكن اتوقع كل هذه المتاعب . .
- هل حصل جديد ؟ - وهل تمر دقيقة بدون جديد ؟ وتجرأ الضابط الصغير
- ايسمح لي سيدى ان اقول ان هذا خطا سياستنا !
- بل خطا سياستنا ، ومؤسستنا العسكرية معا . . لقد كانوا يظنون ان العرب سيستسلمون بمجرد احتلال اى جزء ولو كان بسيطا من أراضيهم
- والفدائيون . . هل خطروا لهم على بال ؟
- اصدقك القول بانني انا ايضا لم افكر بهذا ، لقد ظننت أن شعب فلسطين مات ، ومن غير الممكن ان يقوم الميت وبقوة . .
- أرجو ان لا تكون عمليتهم هذه المرة خطيرة ؟
قال الميجور بصوت مهموم . . حاقد : - الهم ليس خطورتها . ولكن وعدى لوزير الحرب ، هو كل ما يؤرقني لقد وعدته انه لن تكون هناك حوادث بعد اليوم . . واذا حاول احدهم ذلك فأنني ساقبض عليه واجره من ساقه ، حتى مكتب
معاليه . لقد وضعت عليه حراسات مشددة ، ولكنني لا أدري كيف يصل هؤلاء القرود ويعودون ، سالمين . .
رد الضابط الصغير مستفسرا
- سمعتك تقول : احضره . . معنى ذلك انهم قبضوا على الفاعل ؟
- الفاعل ليس واحدا . . لكن رجالنا قبضوا على جريح قريب من مكان الحادث ، ولا ادري بعد ، هل هو منهم او من غيرهم . .
ثم صمت لحظة ، سرح فيها ، حدث نفسه . .
) منهم او من غيرهم . . ساجبره ان يقول ما اريد ، وسيذهب الى الوزير ويخبره بانه وحده الفاعل ، وقد قبض عليه قبل ان يكمل عمليته تماما وهذا طبعا دليل على مهارة قوة الأمن التى اتزعمها انا . . )
ولكن كيف اجبره على القول ؟
هؤلاء القوم انا اعرفهم وتجاربي معهم كثيرة . . عنيدون لا يقولون شيئا لا يريدونه هم . .
ليس غيرها . . الطريقة التى استعملها مع الجميع . . ) عندما يدخل ساستقبله على الباب بصفعة تلقيه على الارض ، ثم اركته بقدم ، وانظر اليه باحتقار ) . وجعل يمثل كيف ستكون شخصيته وهو (محتقرا ) فقلب شفته السفلى ، ورفع شفته العليا ، ( فاصبح منظره كالفار . الجائع )وخطا خطوتين ، وهو يهز راسه . . وفطن ان النقيب كوهين لا يزال واقفا ، استرق نظرة اليه ، فالفاه واجما ، ينظر ببلاهة واستغراب فاعتدل ، استعاد مظهره وقال بلهجة متعالية لتخفي ما قام به :
- ماذا تظن اني فاعل به ؟
- حتما ، سوف تحقق معه - غبي . . - لا يا سيدي ، فانا اعرف كيفية تحقيقك ، فقصة الرجل المتهم بنسب سكة الحديد ، لم تمح بعد من ذهنى . .
- لم تثبت او انه اليس كذلك ! - نعم ؟ - واين هو الأكبر ؟ - في الزنزانة ينتظر حكما ، مؤبدا او بالموت .
قال بلهجة العارف : - الا يحق لي ذلك ؟
ورد الضابط الصغير موافقا :
- بلى ، والا فماذا سيقول وزير الحرب عندما يعلم انك لم تقبض على الجناة . .
- ها انت بدأت تفهم . .
ابتسم النقيب كوهين بثقة ، بينما نظر اليه الميجور وأردف قائلا بخبث :
- الآن بعد أن فهمت ، بامكانك ان نامر جنودك ان يقبضوا على عدد من الرجال ويسجنوهم ، احتياطا ، فربما لا يتكلم السجين الجريح .
- أمر سيدي .
حرج النقيب تاركا الميجور ، ينظر في الفراغ ، عيناه زائغتان ، لا شئ أمامه الا الجدار . . تخيل ان الجدار فتح ، ودخل عليه جنديان يهوديان معهما سجين عملاق مكبل ، يعرج قليلا ، كث اللحية ، غليظ الشارب طويله ، فى عينيه حمرة غير عادية ، ويتكلم بكلام غير مفهوم . . لكن الغرفة ترتج من صدى صوته . ارتاع الميجور لكنه تمالك أعصابه ، وهجم بسرعة خاطفة ، وصفع السجين المكبل ، لكنه ارتد
الى مكانه ، بعد أن فقد يده ، ولم ييأس فأعاد الكرة هذه المرة برأسه . فالتف شارب السجين حول عنقه كالافعى وبدأ فى خنقه ، استغاث . . لكن صوته العالى انخفض تدريجيا حتى ذاب . . ثم سقط على الارض
انتبه على طرق باب مكتبه ، فانتفض ، نظر حوله ، لم ير شيئا ، الجدار لا يزال جدارا ، لا ثقوب به ولا شقوق والطاولة والكراسى التى حولها ، والصورة المعلقة ، والتى تمثل خارطة كتب تحتها بالعبرية (حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل ) ثم الهاتف الملعون رابضا فى لحظة انتظار .
دخل النقيب كوهين ، لمح تغير الميجور لكنه قال :
- لقد امرت رجالى ان ينفذوا ما امرت به .
- حسنا فعلت .
أراد كوهين أن يخرج ، لكن الميجور تشبث به . . لقد تذكر الحائط المشقوق والسجين ذا الشارب الافعى ، خاف ان يشق الجدار مرة اخرى وتكون هذه المرة حقيقة . فقال بصوت بدت فيه رقة المستغبث
- لا . . لا تخرج . . - كنت أريد أن اتركك ، تفكر . . - لماذا لا نفكر معا ، فأنا اريدك ان تتدرب على هذه الامور
- اشكرك يا سيدى . وانا دائما مدين لك .
- لا داعي لذلك . . والآن قل ما رأيك ، ماذا سنفعل ؟ كيف نجبره على الكلام ؟ ان هذه مشكلة المشاكل . .
- انت اعرف مني بهذه الامور ؛
- لكنني أريد رايك . . وأحرج النقيب ، وبدأ يفكر بعمق واجهاد ، وأخيرا التمعت عيناه ببريق عجيب ، فصرخ فجأة : وجدتها .
رد الميجور باستغراب :
- كيف - فقط ان نمثل المشهد . .
وبان ان الميجور قد اقتنع فقال متحمسا :
- حسنا لتكن انت السجين ، اريدك ان تكون فى اصلب مواقفك . . وسارى اذا كنت استطيع انتزاع اعتراف منك .
- ليكن يا سيدى . . انا تحت امرك . . لنبدأ .
خرج النقيب ، ثم طرق الباب ، دخل . . واستقبله الميجور بصفعة أدمت وجهه والقته أرضا . .
فصرخ الضابط الصغير بين مصدق ومكذب :
- ماذا فعلت يا سيدى ؟
واعتلت وجهة الميجور مسحة تمثيلية قاسية . وقال باشمزاز :
- لا شئ . . فقط ، دمرت ، ونسفت وخربت ، وحاولت الهرب لكنك لم تفلح .
- لم افعل ذلك قط . . - وهذه الآثار ، ماذا تعنى غير الدلالة القاطعة . . الجرح مثلا ؟
- هذا جرح ليس من الرصاص . وبإمكانك ان تعانيه بنفسك . .
- خدعكم هذه لا تغطى على احد . . فانا اعرفكم جيدا . .
وصمت قليلا ، وهو بهز رأسه ، ثم قال بصوت واثق :
- على فكرة . . لقد قبضنا على باقى زملائك . .
- قبضتم على باقى زملائى . . اين . . وكيف ؟ ..
ورد الميجور وكأنه امسك بطرف الخيط :
- اترى انه لك زملاء . . تكلم . . لم يعد فائدة من الانكار .
واجاب النقيب بلهجة المنهار - حسنا يا سيدي . . انكم اذكى من رايت في حياتى . . ساعترف لك بكل شىء..
تنهد الميجور قائلا : - آه . . لو كانوا مثلك ، لما تعبت معهم اتركنا من التمثيل . . ان الحقيقة غير الخيال . . الآن سياني وسترى بام عينك . الصمود والمراوغة الذكية . .
لكن جرس الهاتف قطع عليهم حديثهم . ركض اليه الميجور . قبض على سماعته بقوة كأنه يقبض على عنق السجين وصاح - ها . . ماذا تقول ؟ ...... -
سقطت السماعة من يده على الارض . . تحرك ببطء وهو يحاول أن يحبس دمعة تكاد تطفر من عينه ، التفت الى النقيب كوهين . . قال بأسى :
- لقد توفى السجين ، متأثرا بجراحه . . وخطا نحو الباب بذهول ، محدثا نفسه . .
- لم يعد لي بد من الاستقالة . . بعد ان اخفقت في تنفيذ وعدى . . الحقيقة انني اخفقت . . وبقسوة . .
الرياض

