الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

قصة من واقع الحياة، أبومحمود الفلسطيني

Share

- ابو محمود . . صباح الخير - صباح الخير والسرور - كيف حالك اليوم - خير والحمد لله - وانت كيف حالك ؟

- بخير لولا ما تكلفنى النقلات من متاعب ومصاريف كما تعلم

- لماذا لا تكتب إلى الادارة لتأمين سيارة خاصة لك ؟

- لا أجازف بطلب شئ لا أضمن الاستجابة له .

- ان بامكان المؤسسة تأمين سيارة خاصة لكل موظف من موظفيها .

والحقيقة ان ( ابا محمود ()كان يبدو هذا اليوم على غير ما عرف به من المرح والفكاهة . . كان وجهه متجهما ونبرات صوته تنم عن حزن وأسى . . وقد استبعدت ان يكون قد أساء له أحد أو أن تكون الحياة قد قست عليه فهو يعانى من تكاليف العيش ومرارة الفاقة . . نعم استبعدت ان يكون ذلك سببا لما يرين عليه من حزن وأسى لما عرف به من الحلم وسعة الصدر وعدم التأثر والحقد على أحد مهما أمعن فى اغاطته والاساءة اليه ، كما كان يتقاضى من عمله مرتبا حسنا وعلاوات سخية لا تنقطع من الساعات الاضافية (الاوفرتايم ) التى يقضيها فى العمل . كل ذلك جعلنى أفكر فى ان يشكو من حزن مكبوت وآلام نفسية عميقة ، لا علاقة لها بالعمل ولا صلة لها بمعاملة الرؤساء او الزملاء .

ولقد فكرت من أول وهلة في أن أسأله وان أتغلغل الى قرارة نفسه لأعرف السبب ولأواسيه بكل ما وسعنى من العون والمواساة

ولكن ضرورة العمل وضغط الواجب كان يسد كلا منا الى عمله كسبا للوقت وانجازا للمهام الكثيرة الملقاة على عواتقنا فانصرفت عنه وأنا أفكر فيه واستعرض فى ذهنى شريط المعلومات الطويل التى عرفتها عنه منذ لقائنا لاول مرة منذ أكثر عام حتى الآن .

لقد ذكر لى انه كان أحد اللاجئين الفلسطينيين الذين شردهم اليهود من بلادهم بعد أن أمعنوا فى قتلهم وذبحهم ذبح الاغنام واهانتهم والسطو على ديارهم وأموالهم وانه قد خرج هائما على وجهه لا يملك قوت يومه بعد ان قتل اليهود والده واخوته ووالدته حتى وجد فى هذه البلاد المقدسة من الامن والاستقرار ولطف المعاملة وحسن التقدير ما انساه آلامه ومسح دموعه فبنى حياته من جديد وتزوج وأنجب ، حتى أصبح لديه الكثير من العيال : ابناءا وبنات . . ولم يكد التفكير فيه يصل بى الى هذا الحد حتى وتب الى ذهنى فجأة تفسير لا أشك فى صحته لما يبدو عليه من كآبة وحزن فى هذا اليوم.

كان ذلك فى يوم الاثنين الموافق ٥ ربيع الاول عندما قام اليهود بالعدوان الغادر على مصر والاشتباك مع العرب فى قتال مرير نكبد الفلسطينيون والاردنيون من اليهود المزيد من التشريد والقتل والسطو على الدور والممتلكات وقد ذكره هذا ولا شك بأبويه واخوته الذين سفكت دماؤهم الزكية على أيدى الصهاينة المعتدين بالاضافة الى ما فقد من اقرباء واصدقاء ما زالت ترتبطه بهم وشائج قوية من صلات النسب  والقرابة والمودة فى وطنه الاول فلسطين.

وكاد هو نفسه يذهب ضحية بغى اليهود

وعدوانهم فان سمعه يحكى بين نفر من الزملاء وهو يكشف عن صدره قائلا :

كنت يومئذ فى نحو السابعة من عمرى عندما هجم علينا اليهود فى المنزل مصوبين بنادقهم نحونا وهم يهتفون بأصوات منكرة باللغة العبرية (( اذهبوا الى الجحيم أيها الدخلاء العرب)) فانكمشت فزعا فى ركن من الغرفة اشهد بعيني هاتين مقتل والدى واخوتى ولم يكفهم ذلك حتى انبرى احدهم نحوى وأصابنى برصاصة فى صدرى . . ولكن الاصابة لسوء الحظ كانت طفيفة ، فلم يكادوا يخرجون حتى خرجت هائما اسير على غير هدى والدماء تنزف منى بغزارة ، حتى سقطت من الضعف والأعياء فاقد الوعى وعندما صحوت وجدت نفسي بأحد المستشفيات تحت الرعاية الطبية .

لقد أثار فى نفسى العدوان الاسرائيلى الجديد على البلاد العربية الفضول ، والتطلع لمعرفة المزيد عن اليهود وما ارتكبوا من أعمال أجرامية وعولت على الاتصال بالزميل الفلسطينى لارى ما أثار فى نفسه ذلك العدوان من ذكريات مؤلمة ، وكان أول ما قمت به عند حضورى الى الإدارة صباح اليوم التالي أن ذهبت للسؤول عنه ، فاجاب أحد الزملاء فى صوت ملئ بالحزن والاسف : - لقد تطوع ابو محمود وذهب مع اثنين عن ابنائه لتحرير فلسطين - آه . . يا للمسكين!!

لقد اثار عدوان اليهود الجديد على البلاد العربية ما فى نفسه من ذكريات وأسى وما ارتسم فى مخيلته من مشهد دموى فظيع فغرازار أر لابيه وأمه واخوته ويموت شهيدا على أيدى اليهود المجرمين.

اشترك في نشرتنا البريدية