الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

قصة من واقع الحياة, زواج قصير الامد

Share

عاش حسن فى بيئة من خير افراد المجتمع ، وكان ابوه عالما جليلا شب فى تعليم ابناء وطنه الثاني الذي هاجر اليه من اقصى العالم . فتوفى وقد ترك خلفه ارملة وايتاما لا يعولهم الا حسن وهو يبلغ من العمر اربعة عشر عاما

كان من تقدير الله ان يكلف حسن فى هذه السن المبكرة بشئون الدار وهو فى عهد الدراسة فيصبح - حيران - بين نارين وحلاهما مر . . يا ترى هل يترك الدراسة ليقوم بشئون اهله ؟ ام يستمر فيها لينال السعادة فى مستقبله الذى ينظر اليه بعين الامل . .

لم تمض فترة من الزمن حتى كان الواجب قد اوحى اليه بالعمل والدراسة معا ، وعلى هذا الغرار بدأ يكافح ويجد ويتحمل مالا يمكن ان يتحمله انسان وهو فى هذه السن البريئة عن الحياة العملية ، وبعد ان تحصل على قسط من العلم اضطر ان يتوظف ليرعى شئون هؤلاء الايتام .

بدأ حسن حياته العملية كأحسن

ما يجب ، ونجح فى اعماله نجاحا يحسد عليه من امثاله الشباب الطموح حتى اذا ما ترعرع وعد من الرجال . التف حوله بعض من اظهر له الاخلاص والحب العميق لنشاطه وعمله وحيويته الى ان لوح له برغبته فى زواج ابنته فكان حسن يفكر ليل نهار فى أمر هذا الرجل ويقول فى قرارة نفسه :

. . " هل المشقة والشقاء اختارانى انا بالذات عجبا . . بالامس اتحمل القسوة والشدة لاداء واجب مقدس القاه الله على نحو والدتي واخوتى ، واليوم يزداد واجب اكثر فيأتينى رجل يشع من اقواله الحب والاخلاص الى ويرغب فى زواجى بابنته . . "

وكان يداعب خياله ويقول : ان هذا جميل وحدث عن النعمة ولا حرج ولكن هل الخير فى ان اقبل رغبته ام ارفضها . . آه لا ادرى . . ثم ذهب وهو فى ذهول وهول الى واحد من اصدقاء والداه العقلاء ليستشيره فى الامر وبعد مشاورات معه ومع آخرين من اهل الفكر ، اتضح له أن الامر لا مفر

منه ، وانه لابد ان يتزوج يوما ما فانشرح خاطره لحسن ظنه . .

وتم زواج حسن . . بابنة الرجل المخلص انذاك . . والحمد لله . . وقد استمر حسن فى حياته الجديدة رويدا رويدا ، وكان يؤمل ان يسعد ويسلم من بعض تقاليد مجتمعه السيئه الفاسدة فيحيى حياة رغدة ، ولكن الامر كان على عكس ما يتمناه ، وظهر له ان اخلاص الرجل خلفه اشياء .. واشياء . .

ولسوء حظه كانت الصدمة الثانية من الزوجة . . اذ لم يمض غير اسبوعين على زواجه منها حتى طالبت بالذهاب الى زيارة اهلها . . وتقاليد مجتمعه لا تسمح للزوجة ان تبرح الدار قبل الاربعين يوما ، فلم يكن له بد من الموافقه . . رغبه فى كسب جو هادىء لحياته ولو كلفه الامر  عناء ومخالفة للتقاليد السائرة . .

ويتكهرب الجو ويكفهر فتصبح حياته الزوجية فى خطر ، ولعل السبب الوحيد الآن هو والد هذه الزوجة المتغطرسة . . المدللة . .

يذهب حسن . . ذات صباح الى مقر عمله كعادته واذا بساعي البريد يحمل اليه خطابا داخليا بتوقيع " قائل خير " يقول فيه ما معناه ) انى أرى حياتك الزوجية فى خطر ، وان هناك مؤامرة ضدك . . سيأتي بعد ثلاثة ايام احد اقرباء الزوجة فياخذ متاعها الى دار ابيها . . الخ )

تعجب حسن !  من هذا الخطاب ومن كاتبة " قائل خير " من يكون هذا ؟ وقد امتلأ ساعتئذ غيظا وكمدا واصبح فى جحيم لا يطاق . . ومضى

على ذلك شهران . ومضت الحالة من سيئ الى اسوأ حتى حان فصل الصيف وبدأ الناس يرحلون للاصطياف .. كانت الزوجة وأهلها ممن لا يفوتهم الاصطياف في المصيف الجميل . . . فرغبوا الى حسن فى مشاركتهم رحلة الصيف ، وقد نزل عند ارادتهم وذهب مع اهله وذويه وزوجه إلى المصيف . . وأقبل شهر رمضان فكان يتحمل الشئ الكثير فى الذهاب والاياب بحكم مقر عمله فى العاصمة . . حتى إذا انتهى رمضان واقبل العيد كان عليه ان يسعد ويهنأ اكثر من غيره . . ولم ينته بعد من شهر العسل - كما يقولون - ولكن القدر يشاء عكس ذلك فقد حصل ما لم يخطر بفكره ،

. . ان اليوم الثالث من العيد كان هو بداية نهاية حياة حسن الزوجية اذ جاء في هذا اليوم والدها وطلب منه ان يسمح لابنته بالقيلولة فى يومه بداره حيث توجد والدتها واخواتها وتنعم برؤيتهم وتفرح وتمرح كما كان شأنها قبل الزواج . . فلم يمانع حسن فى طلب والد زوجه . . وكان منتظرا ان تعود الزوج الى دار زوجها ولكن ها هو اليوم وها هى الليلة يمضيان ولم ترجع فيرسل أخاه لاعادتها فلم يأت بشئ . . فيذهب بنفسه فاذا به يفاجا بحماته تقول له ليس لك طريق عندنا . . ابوها جاء بها وهو نزل الى مكة فاذهب اليه . .

هكذا فوجئ حسن بالصدمة الاولى ولكنه يمضى الى والد الزوجة فيخبره بما وقع ، ويتظاهر الرجل الذى اخلص له فى بداية الامر بجهل الموضوع . . ويعده بان يتصل باهله ويعطيه جوابا شافيا على ضوء تحرياته . .

وتسهى الثلاثة الايام بعد وعده . . ثم الثلاثة الشهور من بعدها وحسن فى انتظار الجواب بدون جدوى . . فيرسل غير واحد من خيرة الرجال واهل الفكر للاستفسار عن حقيقة الامر ! . .

وبعد محاولات كثيرة يظهران الرجل يريد ان يقيم معه حسن . . او ان يستأجر دارا أخرى للسكنى مع ابنته المدللة بعيدا عن اهله وذويه . .

فيضيق حسن ذرعا بذلك وينتهى بها الامر الى الفراق الاليم . .

.. انه زواج قصير الامد . . اذ لم يدم اكثر من ثلاثة اشهر . . . هى قصة من ماسى حياتنا وما اكثر ماسينا . . قصة هذا الشاب المسكين الذى يريد حياة سعيدة . . حياة بعيدة عن الضوضاء . . ويسعى فى ايجاد حياة هادئة مريحة له ويأبى الله الا ان يتحمل البؤس والشقاء . .

اشترك في نشرتنا البريدية