كانا تلميذين فى السنة الثانوية الثالثة ، ربطتهما اواصر الصداقة فهما يذهبان الى المدرسة معا ويعودان الى بيوتهما معا ، وكانت اوقاتهما تساعدهما على أن يقضيا معظم وقتهما سويا ، لا يفترقان الا عند النوم أو إذا طرأ على احدهما شاغل ، وكان الطالب الاول واسمه ( نزيه ) يكبر صديقه ( فؤاد ) بسنة واحدة ورغم ذلك كان فؤاد اكبر جسما من صديقه ويخيل لمن يراهما ان فؤاد يكبر نزيها بعدة اعوام ، وبالرغم من اتصالهما الدائم ببعضهما فقد كانا يفترقان أحيانا ، لان نزيها يحب فتاة تسكن الحي الذي يسكنه فؤاد ، تعيش مع والديها في بحبوحة من العيش وكان يلمح منها انها معجبة به ، فكان يخرج احيانا معها ومع والديها فى نزهات الى بساتين نضرة ليقضوا اوقات فراغهم فى التمتع بمناظر الطبيعة وجمالها ، فتوطدت العلاقة بينهما وانقلبت مع الزمن الى حب برئ . وكان نزيه يجد متعة فى مصاحبتها ، اذ كانت ذات روح طيبة وثقافة واسعة فيها سذاجة الطفولة ، وان صبحت فتاة مكتملة الانوثة .
دارت عجلة الزمن واذا الفتور قد دب بين الصديقين . وكان البادىء فؤاد . وتعجب نزيه لذلك ولم يجد
سببا لهذه القطيعة ، فقد كان يحمل لفؤاد كل اخلاص ، وعز عليه ان يخسر صداقة كان يعتز بها ، وذات يوم جلس نزيه على كرسى امام نافذة تطل على المارة يراقب حركات المارة بسكون وهدوء متخيلا صديقه الذي طال أمد الفراق بينه وبينه وقال : - يجب على ان اكتب له كتابا أسأله عن السبب الذي ادى الى هذا النفور ، فقام من ساعته وتناول قلما وقرطاسا وكتب ما يلى :
صديقي فؤاد افتتح رسالتى هذه داعيا لك بالتوفيق ، ومعبرا لك عما يجيش فى صدرى من لوعة واسى لفراقك الذى طال امده دون سبب ما ، ومع ذلك لا ازال أكن لك فى قلبي الاخلاص ، والوفا ، واننى لاسف جدا على تغيرك الفجائى ، واني لازلت متتبعا خطاك ، خطوة خطوة ، وها هي الامتحانات قاربت ولم يبق الا شهر واحد ، واني أرى سيرك المدرسى فى تأخر ، فاذكر سبب ذلك لصديقك الذي يهمه مستقبلك اكثر مما يهمك انت . . . ودم لصديقك
وختم رسالته وأودعها البريد وفي اليوم الثاني جاء ساعى البريد الى بيت فواد وسلمه الرسالة
لكن فؤاد أخذها دون ان يلقى لها بالا ووضعها على طاولة أمامه واخذ يقلب صفحات كتاب غرامى كان يطالعه ، ولما انتهى من مطالعة الكتاب ، جال بنظره على طاولته ، فوقع نظره على الرسالة عفوا ، فتناولها وقرأ عنوان المرسل واذا به صديقه ففض الرسالة وقرأها . . ولما اتمها وقف محتارا ، وقال : سائلا نفسه بأى شئ اصارحه وكيف اصارحه ؟ . . وانا قد ارتكبت جريمة لا تغتفر بحق هذا الصديق ، وان تكلمت الحقيقة سيكون الوقع سيئا ، وهنا تكاثرت الافكار فى رأسه محتبسة بدون منفذ ، ولم يجد بين اهله من يصغى الى بث لواعجه ففكر وفكر ، واخيرا قال : على ان اكون وفيا لصديقى واخبره بالحقيقة . . . فأكون بذلك قد انقذت نفسى من البؤرة العميقة التى اتردى فيها وان وفاء صديقى لى سيجد لى مخرجا من هذه المحنة التى اقاسيها الآن ، ولكن كبرياؤه جعلته يعدل عن ذلك قائلا يجب ان ارد الجواب له دون ان ابين له سببا . . فتناول قلمه وكتب ما يلى :
صديقى : ان صداقتنا اصبح لا وجود لها فى مخيلتى ومستقبلى يهمنى اكثر مما يهمك انت وعلى كل اشكرك لما ابديت نحوى من شعور فياض وعواطف نبيلة ، وانى سأعمل المستحيل لان اكون متفوقا فى مدرستى ، وساحاول ان امحو من مخيلتى السبب الذي جعل صداقتنا تتلاشى دفعة واحدة ، فاعذرنى الآن لانى لا استطيع عمل شئ تجاهنا . ودم . .
وكان نزيه ينتظر الرد على رسالته بفارغ الصبر ، واذا بساعي البريد يدق الباب فمشى نزيه بخطى ثقيلة وفتح الباب متناولا رسالة سلمه اياها ساعي البريد ، ففضها وقرأها بكل دقة واستنتج منها ان شيئا مختمرا فى رأس صديقه ، فاحتفظ بالرسالة عنده كذكرى لصداقة عز عليه ضياعها قائلا : لعله يأتي يوم وأقرأها على مسمع من فؤاد ، وهنا اخذ نزيه يفكر عله يجد حلا لرسالة صديقه لكن دون جدوى ، ولكن قدوم الامتحانات أجل مسألة صديقه وقال : بعد ان افرغ من الامتحانات سأعمل المستحيل لكشف سره الغامض وانكب ساهرا على دروسه . .
وابتدأت الامتحانات ، وفي النهاية تفوق نزيه على طلاب صفه تفوقا محسوسا وكانت درجته فى صفه ( الاول ) أما فؤاد فكانت نتيجته مما جعل اساتذته وزملاءه يستغربون كثيرا ويحتارون فى سبب تأخره فقد كان من طلاب المقدمة ، وقوبل نزيه من اساتذته وزملائه في المدرسة بكل احترام وتقدير واعجاب بذكائه وفطنته ، وهنا فرغ نزيه ليجلو السر الذى يكتنف صديقه وفكر كثيرا . . وخطرت له فكرة عمد الى تنفيذها غير مبال بما سيقوله الناس عنه .
ففي ذات مساء كان جالسا فى بيت ( ياسمين ) الفتاة التى احبها ، افضى اليها بما يقلقه من نفور صديقه وقد كانا مضرب الامثال فى المودة والالفة . واقترح عليها ان تحاول الاتصال بفؤاد لانها كانت صديقة لاخته وتخرج معها للنزهة علها
تستطيع بمساعدة اخته ان تكشف الحائل الذى يحول بين صداقتنا . .
وبدأت ياسمين تعد العدة لمجابهة هذه المشكلة القاسية ، ولكنها من اجل حبها لنزيه قامت بهذه المهمة دون تردد ، فجعلت تتقرب من فؤاد شيئا فشيئا مما جعل التفاهم بينها وبينه سريعا ، وبدأ فؤاد يذكر لها ما يعانيه من شقاء ويبث لها همومه ، وذات يوم صرح لها بانه يحبها وان الفراق الذي حدث بينه وبين صديقه كان بسببها ، فقد كان يعرف انها تميل الى صديقه ولم يطق ان يرى صديقه منافسا له فيمن يحب فأثر الابتعاد عن طريقها وانتابته الوساوس والافكار ، فلم يلتفت الى دروسه . . وشغل بهمومه عن كل شىء حوله . . حز ذلك فى قلب ياسمين . . . واحزنها انها كانت السبب فى الفرقة بين الصديقين ، وصممت على أن تعيد الصداقة الى مجراها من اجل حبها لنزيه ، فعادت ادراجها الى بيتها وهي تتخبط فى بحر من الافكار واخيرا كتبت الى نزيه تقول :
عزيز نزيه : ابعث لك برسالتى هذه لان حبى دفعني لان اكون صريحة معك ، لقد قمت بالواجب الذي كلفتنى به . . واستطعت ان انفذ الى اعماق صديقك وادهشنى ان سبب الفرقة بينكما هو انا ، ولذلك صممت على ان ابتعد عن طريقكما وان اضحى بحبى فى سبيل سعادتكما ، وهذا هو السر يحز فى نفس صديقك ، لقد كان فؤاد يحبنى ولما راك تتردد على بيتنا ابتعد عنك ، لانه لم يطق ان تكون
غريمه في حبه لا سيما وانت صديقه فوداعا . .
وختمت الرسالة واودعتها البريد وفى اليوم الثاني وصلت الرسالة الى نزيه ففضها وقرأها وتعجب من هذه الفتاة وقال ان هذه الفتاة انبل من عرفت ، وهذه تضحية لا مثيل لها من جانبها . .
وهنا اخذ يرسم خطة جديدة على ضوء التطورات التى طرأت على صديقه ، معتمدا على ذكائه وفطنته وطيب عنصره متناسيا كل شئ الا صديقه الذى عز عليه ان يكون عرضة لانتقاد اساتذته واهله وقام من فوره وذهب الى بيت صديقه وقرع الباب ، فوجد والد صديقه فدخلا معا الى غرفة ولده وجلسا ، واخذ والد فؤاد يسأل نزيها عن تأخر ولده فى المدرسة . . ونزيه يدافع عنه ، واخيرا قال نزيه سترى ولدك في المقدمة ان شاء الله وساد الصمت برهة بينهما ، واخيرا استأذن والد فؤاد وخرج . .
فالقي نزيه نظرة على طاولة صديقه فوقع بصره على وريقة فتناولها وجعل يطالعها وعرف انها رسالة من ياسمين هذا نصها :
عزيزى فؤاد : لقد نفذت الى اعماقك وعرفت عنك كل شئ ، وابتعدت عن نزيه بسبب لانك تعرف انى احبه ، وقد كتبت له رسالة وضحت فيها كل شئ واعلم ان نزيها اشرف وانبل من عرفت من الاصدقاء ، وانه ليسرنى ان اراكما وقد عاد الود والاخلاص الى مجراه بينكما ويسرني ايضا ان اضحى بحبى
مختارة راضية فى سبيل سعادتكما ودم . .
واذا بصديقه يدخل فجأة فوضع الرسالة فى جيبه ، فدهش فؤاد عندما رآه جالسا على منضدته ، ثم ما لبث ان عاد الى هدوئه مرحبا به وتجاذبا الحديث معا واخيرا اخرج نزيه الرسالتين ونأولهما الى صديقه وقال له اقرأهما الآن على مسمع من والدك قبل ان يستقر به الجلوس ، فقرأهما فؤاد والعرق يتصبب من جبينه حياء وعرف والد فؤاد نبل نزيه ونبل الفتاة التى احبها . .
أما فؤاد فقد اكبر من صديقه هذا الوفاء ، وعرف انه معين من الاخلاص لا ينضب . . وقرر أن يرد له الجميل مضاعفا ، وكذلك اكبر فى ياسمين تضحيتها وعرف انها من النبل بمكان وعاد مجرى الصداقة الى سابق عهده بل زاد قوة ومتانة ، وكتم نزيه جرح قلبه فى سبيل الوفاء لصديقه ، وعاد فؤاد الى سابق نشاطه واجتهاده . . ومرت الايام وتقدم الصديقان لاداء امتحان ( البكالوريا ) وكانت النتيجة مشرفة لكليهما ، فقد كانا من الاوائل
وبهذه المناسبة اقامت العائلتان الافراح ابتهاجا بنجاح الاخوين الوفيين
وبعد الافراح بيوم ، ذهب فؤاد مع والده لخطبة ياسمين من والدها ووافق والدها مسرورا وقال : انه لشرف عظيم لهم ان يكون صهرهم شاب اديب كنزيه . . كل ذلك ونزيه لا يدرى وان كان طيف الحبيبة ما زال
فى خاطره ، ولكنه كان كاتما جرحه اكراما لصديقه
وبعد مرور ايام قلائل دخل فؤاد على نزيه مصافحا اياه بحرارة ومهنئا له ولوالده واهله جميعا وهو يقول لازالت الافراح فى داركم ، فتعجبوا جميعا وسألوه عن السبب فاجاب ضاحكا الا يحق لى ان افرح فى خطبة صديقى نزيه ، نعم لقد كلفت والدى بخطبتها من والدها لصديقى فوافق على ذلك دون تردد وقبلت نيابة عن صديقى ولم يقدر نزيه ان يكتم فرحته وأعلنت الخطبة ولم تكن الحفلات فقط فى بيت نزيه فقد كانت مقامة ايضا فى بيت فؤاد لانه خطب اخت نزيه وهكذا ازدادت الروابط بينهما تحيى صداقتهما الخالدة . .

