البيت كله قائم باهله وقاعد .. حركات دائبة .. واصوات مهتزة .. تبدو فى نبرات هى خليط من الفرح والحزن .. فالخادم لا تكاد تستقر فمن المطبخ الى غرفة زوجة ابى الى غرفة أبى بالذات .. حاملة فى يدها اما آنية أو صحاف طعام .. أو طستا وابريقا ، وقد كانت اشبه بالدينمو كلها حركات لا تنقطع .. وأما والدى فقد كان فى غرفته الخاصة .. يظهر منها فى فترات بعيدة متقطعة على رأس الممشى المؤدى الى غرفة زوجته يتسمع ، واذا لم يسمع حركة أو نامة يرفع صوته الغليظ الذى يشبه صوت الرعد حين يدمدم مناديا الخادم واذا ما أتت الخادم القى اليها عدة اسئلة كلها لا تعدو حيز زوجه التى تعانى آلام الطلق .. وتنهى اليه الخادم باجابات سلبية .. فيعود الى الغرفة تتراقص على وجهه الاسمر الطويل المحتقن آيات الضيق وسمات الغضب ويلتقى - الضيق والغضب - عند ملتقى خطى الزاوية الحادة من عينيه
هذا ما كان عليه والدى والخادم . اما زوجة والدى فكما يفهم من سياق الحديث كانت فى غرفتها تعصف بها آلام الطلق فتتناوح كما تتناوح فروع الشجر لهبات الريح .. ولم يبق فى هذه الاسرة سواى . وكنت مثل كل
افرادها .. تنازع نفسى عوامل شتى ولكنها تختلف تماما عما تنازع نفس أبى ، ونفس الخادم ، ونفس زوجة أبى ، ونفس بعض الجارات اللاتى اتين للمساعدة بحكم صلة الجوار التى تربط بيننا وبينهن .. وهى صلة لا تقل عن القرابة اذا لم تزد عليها فلذا اعتبرتهن من الاسرة .
واهم ما كان ينازع نفسى هذا الجنين المنتظر وماذا يكون شأنه فى حياة الاسرة عامة ، وفى حياتى خاصه؟ ثم هل يكون لى مقام فى ظل ابى مع هذا الجنين جنبا الى جنب ولاسيما ومقامى قبل وجوده مهدد بالزوال ، وبالطرد ، ومطوق بالاذلال وبالخنوع بفعل زوجة والدى ، ودسائسها التى تشبه أعواد الحطب الجاف حين تلقى الى الفرن كلما خبت النار فتشتعل!؟ وان أنس لا أنس تلك الخطة البارعة التى حاكتها زوجة والدى فى أيام اختبار الكفاءة عندما رأتنى مجدا ، مجتهدا وقرأت فى جدى واجتهادى الفوز والنجاح . وخشيت أن أحتل مكانة فى قلب والدى التى كانت تستأثر بها وقد كادت تنجح فى خطتها لولا ان من الله على بفضله .. وجاءت اسئلة التاريخ سهلة يسيرة واستطعت الاجابة عليها دون ان اذاكر فيه ليلة الاختبار لان كراسة التاريخ
قد مزقتها يد الحقد والكراهية ، أربا كأنها أرادت ان تمزق بها ما درسته سنة كاملة فى المدرسة وانى كنت اشك أن تلك اليد لم تكن سوى يد امرأة والدى .. وأحال شكى يقينا ما لحظته من سمات الخوف التى كانت تتراقص على وجهها عندما اطلعت والدى على الكراسة الممزقة .. وتلك الحملات التى اخذت تشنها على امامه بدعوى انى مقصر فى واجبى ، وان هذه عملية اردت ان أدرأ بها عين والدى عن قصورى ، ليكون لى كمبرر اذا رسبت فى الاختبار .. انه منطق سليم .. ولكن اذا علمت انه صدر من امرأة تفوق اترابها فى الدهاء .. ربما يدخلك بعض الشك فى سلامته وربما لا تشك فيه كوالدى الذى كان لهذا المنطق فعل السحر فى قلبه .. فطردنى من أمامه . وتوعدنى بالعقاب الصارم اذا رسبت فى الامتحان ، وقد قلت انى نجحت رغم هذه الخطة ورغم انف زوج أبى فى امتحان الكفاءة
هذه زوج أبى .. وهذا أبى .. فكيف لا أحسب لهذا الجنين حسابه . لانه سوف يستأثر بالبقية الباقية من حب ابى وحنانه لى .. وثمة شئ آخر كنت اخوف ما اخافه .. وهو ان يكون هذا الجنين غلاما ، ومعناه انى ساكون خادما أو عبدا اذا اردت الحياة فى ظل ابى ، واما اذا نشدت الانطلاق والحرية فلست أدرى ماذا يخبئ لى القدر ، وأيا كان فلابد من رسم خطة
لحياتى فى المستقبل مع هذا الجنين ، وفى هذا البيت .
ثم اخذت اتطلع الى الافق . وكانت ليلة مزدهرة نجومها وامضة .. وسماؤها صافية الا من بضع قطع من الغيوم تنير هنا وهناك كنثار الفضة زادت السماء جمالا ، وكنت حينئذ فى غرفتى مستلقيا على سريرى . وكانت النافذة مفتوحة تبدو فيها السماء كشراع شد اليها من طرف وترك الطرف الآخر لينسدل تدريجيا حتى يصل إلى الارض ، وكانت النجوم تبدو كالرقش فيها ولولا قطع الغيوم التى تتحرك بطيئة ما كان الرائى يظنها الا قطعة من القماش الازرق أسدل على النافذة . وكانت قطع الغيوم تحاول ان تحتبس ضوء النجوم الوامضة ولكنها سرعان ما كانت تنجاب عنها . واخذتنى العزة بنفسى فقالت لا يعدو ان يكون هذا الجنين الا كتلك القطع من الغيوم . لا يلبث أن ينجاب عنى متى كبرت واصبحت رجلا اعتمد على نفسى ، ولكنى سرعان ما طردت هذه الفكرة عنى عندما تبين لى الفرق بين الانسان وبين النجوم . فالنجوم لا تحتاج الى أحد . فتراها تزهو فى السماء وتبتسم لمحبيها وكارهيها . أما الانسان فلابد أن يعان ويستعان به . ويكره ويكره ، ويحب ويحب ، ولكن فى الانسان من يرتقى الى مراقى النجوم بشرفه وكرمه
واخلاقه وانسانيته ومروءته على الاقل مضيت فى هذه الفلسفة المس فيها بعض الهوى حينا وانتكس بالخيبة أحيانا عندما أحاول التوفيق بين بعض النظريات واخيرا توصلت الى نتيجة واحدة وهى ان سعادة الانسان فى المحبة . وعلى الاخص محبة ذوى القربى ، وعلى رأسهم الوالدان ... وكان الجهد والاعياء بلغا حدا كبيرا فى نفسى واحسست بها تتهاوى تحت ثقلهما واحسست كأن انامل من حديد تضغط على أجفانى ، ورويدا رويدا ، استسلمت لسبات عميق .
ولست ادرى هل طال نومى أو قصر ، عندما قمت على صوت الخادم التى انهت الى نبأ هبوط الجنين المنتظر الى هذه الحياة ، وعقلت المفاجأة لسانى ولكنى استطعت أن أعرف منها ان الجنين غلام ذكر ، وفى ثورة نفسية
تركت غرفتى اعدو إلى ما غير وجهة معينة ، ولكنى لم أكد اخطو بضع خطوات حتى ظهر أبى على عتبة غرفته وكان ظهوره كافيا لان أتسمر فى مكانى حتى يعين لى الجهة التى اتجه نحوها .. هكذا ربانى وعلمنى ، فوقفت انتظر الامر مطاطئ الرأس ، وبدلا من أن أسمع أوامره كالعادة المتبعة .. سمعت خطواته تدنو منى فرفعت بصرى لاراه يتقدم الى فى خطوات ثابتة متزنة كنت اتوقع فيها حربا واتوقع فيها صفعا ، واتوقع فيها كل شىء ما عدا أنه يأخذنى فى احضانه ويطبع على جبينى قبلة ابوية اودعها كل حنانه وحبه ونداها بدموعه ، وايدها بقوله : البركة فى حياتك يا بني فان اخاك من ابيك لم تكتب له الحياة الا بمقدار ما هبط اليها .

