والاثر التونسى الذي اريد ان اتحدث عنه اليوم قصة تمثيلية رائعة ولكنها غريبة كل الغرابة كتبها صاحبها الاديب الاستاذ محمود المسعدى لتقرأ لا لتمثل ، ولتقرأ قراءة فيها كثير من التفكير والتدبر والاحتياج الى المعاودة والتكرار وحسبك انى قراتها مرتين ثم احتجت الى ان اعيد النظر فيها قبل ان املى هذا الحديث وهى بأدب الجد العسير اشبه منها باى شىء آخر ، وضع فيها الكاتب قلبه كله وعقله كله وبراعته الفنية واتقانه الممتاز اللغة العربية ذات الاسلوب الساحر النضر والالفاظ المتخيرة المنتفاة . وقصد بها الى اثارة التفكير الفلسفى لا الى التسلية والتلهية ولا الى الامتاع السهل والاثارة اليسيرة بل الى تعمق الحياة والفقه بها والنفوذ الى ما وراءها وقد تستطيع ان تقول انها قصة فلسفية كاعمق وادق ما نكون الفلسفة وتستطيع كذلك ان تقول انها قصة شعرية كاروع وابرع ما يكون الشعر ولا غرابة في ذلك فما اكثر ما يلتقى الشعر والفلسفة . والمثقفون جميعا يعرفون ان آثار افلاطون لم تخلص للفلسفة وحدها ولم تخلص للشعر وحده وانما التقطوا فيها تفكير العقل وتدبره وتوثب الخيال وتساميه فارتفعت بذلك الى مرتبة من العلو قل ان يظفر بها شعر شاعر ، او فلسفة فيلسوف .
ولا بد لقارئ هذه القصة من ان يلاحظ شيئين لابد من استحضارهما لفهمها وتعمق اسرارها . احدهما ان الكاتب تونسى عاش فى وطن قد الح عليه الاستعمار الاجنبى فحرم اهله الحرية وحال بينهم وبين النشاط الخصب واستتأثر من دون اهلة بالخير كله ولم يترك لهم الاما يقيم الحياة ، وحال بينهم كذلك وبين النشاط العقلي الخصب لولا فضل من قوة اصيلة فيهم عصمتهم من الاستكانة والادعان . وتطاول به الزمن وتتابعت معه الخطوب حتى فرض على اهل الوطن شيئا الا يكن ياسا فهو من الياس غير بعيد . والثانى ان هذا الاديب التونسى قد تثقف بالادب العربى كاحسن ما تكون الثقافة ثم اتم دراسته فى فرنسا فاتقن العلم بالادب الفرنسى كل الاتقان وتأثر فيها بكاتب مفلسف معروف هو البير كامو . والبير كامو هذا نشأ فى شمال افريقيا فى الجرائر وغلبت عليه الفرنسية كما تغلب على اكثر الشباب الجزائريين فاصبح كاتبا ممتازا من الكتاب الفرنسيين . وله مذهب فلسفى معروف نشأ عن الوجودية وهو يقوم على ان من العبث ان نحاول فهم الحياة الانسانية . فليس لهذه الحياة غاية معروفة يمكن الوصول
اليها وحكمة قريبة يمكن استكشافها ، وانما هى عبث من العبث ، وليس للانسان الا ان يكتفى بنفسه ولا يبحث عن حكمة وجوده ولاعما وراء حياته لانه لن يظفر بشئ وهو يشبه حياة الانسان او الوجود كله بهذه الاسطورة اليونانية القديمة التى تروى ان بطلا من ابطال اليونان قضى عليه بعد موته ان ينفق الخلود دافعا صخرة من الحضيض الى قمة الجبل وهو يدفعها امامه حتى يبلغ بها القمة ولكنها لاتكاد تبلغ القمة حتى تنحط الى الحضيض فيضطر الى ان يدفعها من جديد . وهو كذلك يدفع الصخرة الى القمة وتنحط به الصخرة الى الحضيض الى آخر الابد ان كان للابد آخر .
وليس لهذا القضاء الذي قضى على هذا البطل فقه ولا حكمة فخلوده عبث وجهوده عبث والوجود كله يشبه هذا العبث الذى فرض على هذا البطل اليونانى القديم .
الوطن التونسي
وتأثر كاتبنا بهذا الاديب الفرنسى كما تأثر بالادب العربى وبالوطن التونسى ، والحياة التى كان يحياها قبل الاستقلال ، وكانت هذه القصة صورة رائعة لهذه الالوان من التأثر كلها . فالكاتب يائس او كاليائس يدفعه الامل والخيال وطبيعته الانسانية الى ان ينشئ ويبدع ويبتكر فينفق الجهد ويحتمل العناء ويشقى بألوان من المشقة والالم حتى اذا استيقن انه قد بلغ الغاية وانتهى الى النجح ذهب كل ما أنشأ وكل ما ابدع وكل ما قدر لانشائه وابداعه من نتائج كأنه لم يكن وكأنه لم يبذل جهدا ولم يحتمل عناء ولم يقهر المصاعب او بذلك العقاب ، او قل ان شئت الدقة ، انه يتصور الانسان كذلك فى كل ما يقدر وفى كل ما يدبر وفى كل ما ينشئ او يبتكر . والانسان على ذلك مغرور بطبعه فجهوده الضائعة وعناؤه الذى لا يغنى عنه شيئا والمصاعب التى تذعن له والعقاب التى تذل له ثم تثور به ثم تعود سيرتها الاولى كأنه لم يقهرها ولم يذللها ولم يشق الاعوام الطوال بما بذل من جهد واحتمل من عناء فى سبيل قهرها وتذليلها ، كل ذلك لا يفل من عزمه ولا يجعل لليأس الى قلبه او عقله سبيلا .
الامل والخيال
قد استأثر الامل والخيال بامره كله ، فهما يدفعانه الى الجد فى غير طائل والى الكد والعناء فى غير احتمال ويخدعانه خداعا متصلا ويلقيان فى روعه انه
ان يخفق اليوم فسيبلغ النجح غدا . ولا عليه فى ان يخفق مرة فى اثر مرة فالنجح مكتوب له على كل حال بل لا عليه ان يكون النجح مكتوبا له او محرما عليه . فهو مدفوع الى الامل ومدفوع الى العمل لا يصرف فهما عنه الا الموت . والموت تصرف جيلا عن الامل ولكن الجيل الذى يأتي على اثر هذا الجبل لا يتعظ ولا يعتبر بما لقى الجيل الذي سبقه وانما يسلك طريقه ويمضى على اثر ، آملا عاملا محاولا ما لا مطمع له فيه ولا سبيل اليه ، كان ابا تمام قد صوره اصدق تصوير فى بيتيه المشهورين :
وركب كامثال الاسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبه
لامر عليهم ان تتم صدوره وليس عليهم ان تتم عواقبه
ليست إلا رمزية
وواضح جدا ان قصة كاتبنا هذه لا يمكن الا ان تكون رمزية فهو نفسه لم يخفق بعد جد وكد ولم يفكر فيما كتب له هو من نجح او اخفاق . واكبر الظن انه مؤمن في هذه الايام بالامل والعمل سالك طريقه الى النجح والتوفيق في توطين التعليم الثانوى في تونس ولكنه ينبئنا بانه كتب هذه القصة ايام عزلة وانفراد ثم اختبرها بعد ان عاشر الناس وعمل معهم فلم تنكره ولم ينكرها . والحمد لله على انها لم تنكره ولم ينكرها فقد اتاح له ذلك نشرها وامتاعنا بقراءتها . وما دام الكاتب قد اتخذ التعبير الرمزي له سبيلا وما دام لا يريد ان يكتب فلسفة خالصة وانما يريد ان يكتب فلسفة ادبية او ينشئ ادبا فلسفيا فليكن التعبير الشعري هو سبيله الى تصوير فكرته هذه بالرمز والايماء . ولقد وفق الى ذلك توفيقا ما اعلم انه اتيح لاديب عربى معاصر من الرمزيين لان ادباءنا الرمزيين في الاوطان العربية على اختلافها لم يبلغوا من تطويع اللغة العربية لفنهم ما يتيح لهم الاتقان والابداع فهم ما زالوا فى طور المحاولة والتجربة .
اذعنت لغته
اما كاتبنا فقد ادعنت له لغته اذعانا واستجابت له فى غير مقاومة ولا عناد واخشى ان تكون قد استجابت له اكثر مما يبغى فأطمعته في نفسها واغرته احيانا بان يشق عليها ويرهقها من امرها عسرا وكاتبنا يبدأ بانشاء بيئة شعرية خالصة لا تكاد تقبل عليها حتى ترى نفسك فى عالم
من الخيال غريب لا عهد لنا بمثله في الادب العربي الا احيانا قليلة حين يرمز الفلاسفة الى بعض ما يريدون تصويره من الوان الحكمة فيتصورون انسانا فردا قد وجد وحيدا فى جزيرة خالية فاستكشف وحده العلم والحكمة كما فعل ابن سينا فى الشرق وابن طفيل فى الغرب او حين يرمزون الى ما يكون بين الانسان والحيوان من استئناس وتذليل ومن فورة وعصيان كما فعل اخوان الصفاء فى بعض رسائلهم . ولكن كاتبنا على ذلك خصب الخيال ناقد العقل غنى اللغة يشيع الحياة والعقل والمنطق فى الجبل وصخوره وحيوانه المستأنس والمستوحش ويشيع الحياة كذلك فى الجو بما يبتكر به من هذه الهواتف التى تتحدث بين حين وحين إلى الانسان والحيوان والجبال بما يريد الكاتب ان تتحدث الى هؤلاء جميعا . واشخاص القصة عجب من العجب فهناك انسان ملكه الامل وحب العمل والامتناع على اليأس والثورة بالواقع من الحياة وهو غيلان وهناك امراة ميمونة التى تؤمن بالواقع اشد الايمان وتريد ان تكتفى به وترفض الامل والخيال كل الرفض وتحاول ان تكف زوجها عن الاستجابة لهما وتوئسه من غايتهما ، وهناك بغلهما الذكى الناطق ان أتيح للبغال حظ من نطق او دكاء . وهناك الصخور التى تعرض لها الحياة ساعة من نهار او ليل او ساعة بين النهار والليل . فتتحدث وتصلى وتسبح باسم تلك الآلهة التى ابتكرها كاتبنا ابتكارا وهي صاهباء . واحسبه رمز بها الى الارض التى تحب الجدب والظمأ والقحول والاقفار . وصاحبنا غيلان يريدها على ان تشرب الماء وترتوي به وتنشق عما يمكن ان تثمر من الثمرات لتغير حياة الذين يعيشون عليها وتخرجهم من الضيق الى السعة ومن البؤس الى النعيم ولكن هذه الآلهة عنيدة ابية عصبة لا تسمع ولا تستحيب بل هى تبطش بمن يحاول ان يشكر ها على مالا تحب ، ولهذه الالهة التى تكثر السكون والركود والجمود نبيها ذو الاصوات الكثيرة المختلفة ، الذى لا يرى ولكنه يتحدث الى الناس والى الاشياء والحيوان جميعا باصواته المختلفة كلها فى وقت واحد ، مغريا بالاذعان للالههه وبعبادتها زاريا على الانسان غروره الذى يخيل اليه القدرة على عصيان الآلهة واستكراهها على ان تطيعه وتذعن لما يريد ان ينشئ عليها من ضروب الاصلاح والتعمير . وغيلان قد استكشف ينبوعا غزيرا وهو يريد ان ينشئ سدا يمنع ماء هذا الينبوع من التفرق والانتشار ليصلح به الارض ويملأها خيرا وثراء . وميمونة توئسه من ذلك وتريد ان ترده عنه وتزهده فيه . ولكنه لا يحفل بها ولا يسمع لها وانما يحفل بشخص آخر غريب رقيق فاتن بارع الجمال وهو ميارى رمز الخيال الذي يغري دائما بالمضي
الى امام وبالامتناع على الياس . وغيلان يوفق الى بناء السد وهو عنه راض وبه معجب ولكنه لا يكاد يتم السد حتى يثور به عماله فيدمرون ما بنوا تدميرا ويحاولون قتل غيلان نفسه ، لولا ان الالهة صاهباء تنجيه منهم . لعله ان يثوب الى رشده ويثوب عن محاولة ما ليس اليه سبيل . وغيلان على ذلك لا يثوب ولا يثوب وانما يستانف العمل كانه لم يلق اخفاقا ، يعينه على ذلك خياله الذى لا يعرف كلا لا ولا ملالا
وقد تم السد للمرة الثانية اوكاد وغضبت صاهباء فبطشت بالسد بطشا لا معقب عليه فهذه الطبيعة كلها قد ثارت . فالريح تعصف والرعديقص والبرق يخفق والمطر ينهل والجبل يضطرب ثم يزلزل بما عليه ومن عليه وينشق فتخرج من جوفه نار لا تريد ان تبقى على شىء . وهذا غيلان وخياله الحبيب ميارى لم يكفا عن عنادهما ولكن العاصفة تحملهما الى غير طريق .
وهذه ميمونة وحيدة تنحدر الى السهل واين هى من السهل يخيل اليها انه قريب ولكنه ينحط عنها ويبعد منها كلما ظنت انها قد كادت تبلغه
ولست ادرى افهمت القصة ام لم افهمها ولكنى اعلم ان هذا التلخيص الموجز اشد الايجاز مقارب ان لم يكن دقيقا ولا غرابة فى ان اشك فى انى قد فهمت عن المؤلف حق الفهم بعد ان قرأت قصته مرتين او ثلاثا فهذه طبيعة الرمز وهى كذلك طبيعة الشعر لا يقتله الفهم السريع اليسير وانما يحييه هذا الغموض الخصب الذى يضطرك الى ان تقرأه وان تقرأه ويعطيك فى كل قراءة شيئا لم تظفر به فى القراءة الاولى . وكم كنت اتمنى ان تكون لغة المؤلف ايسر شيئا مما هى فهو قد نحتها من صخر كأنه اشتقها من الجبل الذى تجرى عليه القصة فأضاف عسر اللفظ الى عسر المعنى وعسر الاسلوب .
شعر
والقصة كما قلت شعر كلها ولكنه شعر غير منظوم وربما عرض فيه النظم احيانا ولكنه نظم يبتكره الكاتب ليعرب به عن ذات نفسه لا يعتمد فيه على شىء مما عرف القدماء والمحدثون فى شعرهم التقليدى وهو الى الشعر الفرنسى المطلق ادنى منه الى اي شىء آخر .
وقد قدم لهذه القصة استاذان جليلان من الاساتذة التونسيين احدهما الاستاذ محجوب بن ميلان استاد الفلسفة والآخر الاستاذ الشاذلى القليبي استاذ اللغة والادب . وكلاهما قد فهم القصة واعجب بها ومسها بشئ من النقد .
فلاشاركهما فى الاعجاب بالقصة وفى تهنئة الكاتب والثناء عليه وان لم اثق كل الثقة بأنى فهمت القصة في يسر كما فهماها .

