اخذت السيارة تقترب من ضواحى الاسكندرية وعلى البعد بدت بعض الفيلات والمنازل المتناثرة وقصر كبير تطل حديقته على الطريق . . كان صلاح يجلس الى مقعد القيادة فى استرخاء وقد بدت عليه مظاهر الاعياء ومد يده اليسرى الى جيبه فاخرج منديله الحريرى يمسح به حبات العرق التى كانت تنساب فى رفق على جبهته وهى له وهو يمسح قطرات العرق انه يزيل آثار التعب . . وعلم اثر ذلك شعر براحة نفسية وعلت وجهه ابتسامة خفيفة واخذ يختلس النظرات الى آمال زوجته التى كانت تجلس بجواره . . كم هى فاتنة جميلة . . لقد مضى على زواجهما نحو عشر سنوات ومع ذلك فان الايام لم تزدها الا جمالا .
ولاحظ صلاح انها تنظر الى الافق نظرات شاردة حالمة . . . وفجأة استدارت وطلبت منه فى صوت مرتجف ان يخفف من سرعة السيارة ونظر اليها زوجها فى دهشة ما لبثت ان تحولت الى جزع عند ما وجدها ترتجف واحس بقلبه يعتصر . . . . وسألها فى لهفة " ما بك " فأجابت بصوت خفيض " لا شئ . . فقد اريد ان استريح . . ارجوك . . صلاح . . من فضلك . . . "
وعاد يسألها فى لهفة واسى " هل تودين ان نتوجه الآن الى طبيب . . ماذا بك اخبرينى . . . " وفى صوت لا يكاد يسمع اخذت تتمتم " من فضلك . . . . ارجوك . . ارجوك . . توقف قليلا . . نعم هنا . . هنا ،
ووقفت السيارة امام القصر وما كادت تقف حتى هبطت منها امال فى حفة وقد بدأ يزايلها الشحوب الذى اعتراها منذ قليل وعرفت الابتسامة طريقها الى شفتيها ونظرت الى صلاح وفى عينيها بريق غريب وقالت فى صوت عذب يفيض حنانا .
" اغلق باب السيارة . . سنطلب من سكان القصر السماح لنا بكوب من الماء والاستراحة قليلا فى الحديقة . . ربما تتحسن حالتى . . ثم نسأنف السير "
وهم صلاح ان يقول لها ان حالتها قد تحسنت وانه من الخير ان يواصلا السير الى الاسكندرية . ولكن نظرة واحدة منها فيها توسل وفيها ضراعة كانت كفيلة باسكاته فماتت الكلمات على شفتيه . ومد يده الى باب السيارة فاغلقها . . ووضع المفتاح فى جيبه وتأبط
ذراعها واتجها الى القصر . . ودقت آمال الجرس . . وبعد فترة صمت قصيرة ظهرت خادمة بدينة تتشح بملابس بيضاء فتحت الباب فى حذر وهمست متسائلة " من الطارق .
شرحت آمال الموقف بلهجة مضطربة ووقفت الخادمة تتأملها لحظة ثم وقع نظرها على السيارة التى تقف على الباب . . فتساءلت " هل هذه سيارتكما ". ولما جاءها الرد بالايجاب بدا على وجهها الاطمئنان ودعتهما لدخول الحديقا وتوجهت للقصر لتحضر لهما كرسيين . .
ودلفت آمال الى الحديقة وهى تستعرض فى ذهنها صورا من الماضى . ماضى طفولتها وفجر شبابها . لقد كان آخر عهدها بهذه الحديقة منذ ثلاثة عشر عاما خلت . . لقد تغيرت اشياء كثيرة منذ ذلك التاريخ ، جالت ببصرها فى الحديقة تبحث عن شجرة الورد ، شجرة الذكريات ولكنها لم تعثر لها على اثر ، انها لا تزال تذكر كيف كانت تجلس الى هذه الشجرة فى احمل ساعات الاصيل ترويها وتناجيها . . كانت تعلم ان هذه الشجرة عزيزة الى قلب خطيبها فكانت تعتز بها وتعتبرها رمزا للصلة الروحية التى تربط بين قلبيهما
كانت آمال تقيم مع اسرتها فى ذلك الوقت فى المنزل المجاور وكان محسن ابن صاحب القصر زميل طفولتها طالما لعبا معا واستذكرا معا وعند ما شبت آمال عن الطوق وتخرج محسن من الكلية الحربية لم يجد صعوبة فى التقدم بطلب يدها من اسرتها التى رحبت به صهرا وصديقا . . .
ومرت ايام الخطوبة سريعة شان ايام السرور والامل وقبيل الموعد المحدد لعقد القران اعلنت حرب فلسطين وكان خطيبها محسن من اشد الضباط تحمسا للاشتراك فى تلك الحرب ، انها لا تزال تذكر يوم سفره لينخرط فى سلك المحاربين . . كان يبدو مرحا . سعيدا . . كان يلمع فى عينيه بريق غريب لم تلحظه من قبل . . تعلقت به والدتة وهى تبكى . . انه وحيدها وسيتحطم قلبها اذا ذهب ولم يعد ولكنه نظر اليها نظرة تحمل بين طياتها معانى العزم والاشفاق معا . . وانحنى على رأسها فقبله
وجلست والدته صامتة برهة . . ثم نظرت الى ابنها فجأة وقالت له " مع السلامة . . وليوفقك الله . .
وودعت آمال خطيبها وهى تشعر فى اعماقها انها لن تراه بعد ذلك اليوم . . . كانت تحس احساسا خاصا بان القدر يدخر له المصير الذى طالما تاق اليه . . . . وافاقت آمال من تأملاتها وذكرياتها لتجد نفسها امام شجر برتقال . . . وخالجها شعور غريب. . . . اندفعت نحو الشجرة . ووقفت تتأملها . . وقرأت هذا التاريخ منقوشا عليها 11 ديسمبر سنة 1947 . . نفس التاريخ الذى نقشته مع محسن يوم اعلان الخطوبة . . لقد
استطاعت الايام والليالى ان تحرمها من خطيبها ، ولكنها لم تستطع ان تمحو ذلك التاريخ . .
غالبت الرغبة فى البكاء . . لكن دمعتين حزينتين استطاعتا ان تنسابا فى رفق على وجنتيها رغما عنها . . واخرجت منديلها الصغير لتجفف به دموعها وهنا شعرت بزوجها يربت على كتفها ثم لا يلبث ان يضمها الى صدره . . وكانت قد نسيت فى غمرة الذكريات انه يقف بجانبها . . ولم تستطع ان تبدى تفسيرا معقولا لموقفها ، شعرت بصداع شديد واحست بالارض تميد تحت قدميها واكتست الدنيا فى عينيها غلالة سوداء ونظرت الى زوجها وقالت له بعبارة تخنقها العبرات . . " اننى متعبة يا صلاح . . هيا بنا . . "
فنظر اليها فى دهشة وقال " لقد ذهبت الخادمة لتحضر لنا كرسيين وقدحين من الماء كطلبك وها هى قد حضرت . . يجمل بنا ان نستريح اذن قليلا ثم نسأنف السير . . "
واقبلت ام السعد وكان هذا هو اسم الخادمة تحمل صينية بها اقداح القهوة والماء . . ويجانبها يسير صبى صغير يحمل كرسيين من الكراسى الخفيفة
ونظرت آمال الى اقداح القهوة . . وطاف بذهنها هذا السؤال . . هل تعرفت عليها ام السعد رغم مضى ثلاثة عشر عاما على آخر مرة وطئت فيها قدماها عتبة هذا القصر . . فاذا كانت قد عرفتها ، فهل ستظل على صمتها ام انها ستطلق لسانها وتحدثها امام زوجها عن الماضى البعيد . . .
ورفعت آمال بصرها فالتقت عيناها بعينى ام السعد وقرأت فى عينيها قصة السنوات التى قضاها سكان القصر فى حزن . . وقرأت فى عينيها ايضا انها عرفتها ولكن لم تشأ ان تصرح بذلك امام زوجها . . فاطمأنت نفسها وجلست ترتشف القهوة على مهل . .
وبعد نصف ساعة كانت آمال قد استعادت هدوءها ورباطة جأشها وضغطت على يد صلاح وطلبت منه ان يستأنف المسير ووقفت تلقى على شجرة البرتقال نظرة اخيرة . . . 17 ديسمبر 1947
وفى طريق خروجها رفعت بصرها الى نوافذ القصر واستطاعت ان تلمح فى احداها سيدة تلبس نظارة . . لقد تسلل الشيب الى رأسها فأحال سواده الى بياض يحكى بياض الثلج . . انها والدة محسن . . شد ما غيرها الزمن . . لقد اصبحت حطاما يعيش على الذكرى .
ومرة ثانيه امتدت يد آمال الى منديلها الصغير تجفف به دمعتى رثاء لقلب الام الذى حطمه الحزن . . وفى ابتهال صامت رفعت عينيها الى السماء تطلب لها من الله السلوان . .
وعندما اجتاز باب الحديقة وقف صلاح ليقول فى صوت خفيض حاول ان يبدو طبيعا " لقد كان ساكن هذا القصر انسانا فاضلا . . استشهد وهو فى ربيع العمر . . وما ان سمعت آمال هذه الكلمات حتى انتفض جسدها وسألته " او تعرفه " .
فانساب صوته هادئا حزينا : نعم . . التقينا يوما ما على ارض فلسطين . . . . كنا زملاء فى الجهاد . . قاتلنا سويا . . وحققنا معا كثرا من الانتصارات . . كان شجاعا كأجمل ما تكون الشجاعة مؤمنا كأروع ما يكون الايمان . . ولم تنتقص الثروة التى تركها له والده شيئا من شجاعته او ايمانه . .
فى بعض الامسيات كنا نجلس سويا فى حدائق البرتقال نتحدث . . وفى ظلال الحرب وعلى بعد خطوات من فوهات المدافع كان كل منا يحكى للآخر ذكرياته وآماله واحلامه . . لقد حدثني كثيرا عن خطيبته ، كان يرى فيها نموذجا للخلق والجمال . .
يحتفظ بصورتها معه ويضعها على قلبه . . . فاذا ما هدأت المعركة أخرج الصورة واخذ يتأملها وكأنه يناجيها او يتحدث اليها .
وأحست آمال بقشعريرة تسرى فى جسدها والتفتت الى زوجها متسائلة " هل ذكر لك صديقك اسم خطيبته . . " وتعلقت انظارها بشفتيه . . تنتظر الجواب ، واتخذ صلاح مكانه فى مقعد القيادة قبل ان يجيبها فى هدوء وهو يحاول جاهدا ان يخفى ابتسامة . .
يذكر لى اسمها ولكنى على اثر عودتى من الحرب سألت كثيرا وتحريت حتى عثرت عليها . . . . "
وشهقت آمال . . وارتفعت الدماء غزيرة الى وجنتيها فى اللحظة التى امتدت فيها يد صلاح تداعب شعرها .
وانطلق صوته فى جد . . " صديقتى يا آمال . . اننى اكتشفت فيك الليلة وفاء نادرا . . اننى احترم هذا الوفاء واحنى رأسى تقديرا له . . . " وانطلقت السيارة بهما فى طريقها الى الاسكندرية . .

