الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

قصعة صبره

Share

كانوا يسمونها الولية هنية ، لان أحد الشبان فى القرية قتل دجاجتها الوحيدة التى عقدت عزمها على أن تقدمها . وعدة ، إلى سيدى عبد القادر الجيلاني ، فكشفت رأسها ، وشوشت شعرها المحمر بالحناء ، وكأنها تذروه ، وضربت بكفيها على ركبتيها المرتعشتين مرارا عديدة ، وهى تحدق فى الدجاجة المنتفضة ، ثم صاحت : - بر وليدى الله يقصف شبابك . . بر وليدى انلزك لسيدى عبد القادر إذا كانى وليه بقلب صافى .

ومضت ثلاثة أيام تقاطر الناس بعدها إلى كوخ " حمد الشايب ، يعزونه فى ابنه الشاب الذى سقط فى البئر المجاور للقرية عندما كان يسقي قطعا من الغنم ، ويدعون له بطول العمر . . وكانت " الوليه هنية " مركز حلقة النادبات ، تحرضهن على تقشير الوجوه وتقليع الشعور وتمزيق الثياب ، ونزع الحجول . وانتشر خبر الموت وآمنت نساء القرية " بهنية ، ولية لا يسقط دعاؤها على الارض . فأصبحن يترددن على كوخها صباح مساء يحملن إليها صرر السكر ودقيق القمح والشعير لتنالهن بركتها .

وكان لها ابن وحيد ناهز الثالثة عشرة لا يفارقها أبدا ويأبى أن تخلو بإحدى الزائرات لانه يخشى حرمانه من سفة السكر التى تعودها عند كل زيارة زائر . وكانت أمه تخشى عليه صرد الشتاء ، ولهيب الصيف اللذين يغزوان الجنوب التونسى كل عام . فتراه كامل السنة ملتفا ببرنس أسود تآكلت جنباته فظهرت تحته بلوزه بيضاء كادت تصبغ بلون البرمة التى كان لا يخشى أن تلامسها ثيابه وساقاه . وكان الصبية

ينادونه " المخنن ، لان المخاط دوما يابس على أنفه . أما إذا سال فلسانه يلحس بسرعة فائقة ما يجود به أنفه الكريم

طلبت منه امه يوما ان يقدم لنعجتها الهزيلة حفنتين من الشعير فى قصعة الطين التى يأكلان فيها . فقام يفعل ذلك ، ولكنه عثر قبل أن يصل إلى النعجة التى مدت عنقها ، وثغت ثغاء خافتا لا يكاد يبين فتكسرت القصعة ، وولى الطفل غاضبا قد تدلت شفته السفلى ومال رأسه ، وارتفع كتفاه كعادته عند الغضب ، يخبر أمه بالحادثة ، ويسب حجرة العثرة ويلعنها : - يا أمى هنية ! القصعة مشت فلوس . - بر وليدى ايدقك سيدى بن عروس يا خسارتى اللى ما كيفها خسارة . قصعة خير من مليتها ذهب .

وقامت إلى الاجزاء تفحصها ، ولعلها تريد أن تجمعها وتوحد بينها بالاسمنت . فقد سبق أن ثلم لها ابنها هذا برمتها فارجعت إليها ما انفصل منها بقليل من الاسمنت عثرت عليه قرب داربنيت بجوار كوخها . ولكن فزعها اشتد لما رأت الاجزاء صغيرة لا تجمع ولا يوحد بينها فحدقت فى ابنها طويلا ، ثم رعشت سبابتها مشيرة إليه وقالت : - امش للدوار الآخر تلقاش بياع عنده قصاع ناديه . انطلق " الهادى " راكضا فرحا لا يلوى على شىء . فهو ، كغيره من أطفال القرية - يسر كثيرا برؤية " البياع "، ومتاعه .

وما مضت ساعتان حتى كان الهادى يسير وراء حمار اسود علقت على جانبيه أصناف من الجرار والبواقيل ، وفوقه القصاع والصحاف وصندوق صغير يسميه البياع " الحانوت "

وجرى بعض الصبية نحو البياع وآحاطوا بحماره يضعون أيديهم على كل شىء فوقه ، وانتشر الباقون بين البيوت يبحثون على خرق الصوف ، أو بعض الوبرات حملتها الرياح ، ليشتروا بها قطعا من الحلوى أو حبات من العلك . وأطلت النساء من اكواخهن يحملن غرابيل فيها قمح أو شعير ، وفي مقدمتهن " الولية ، تحمل قرابة صاع من القمح فى حجرها ، وهى تسب امرأة استعارت منها غربالها

ولم ترجعه إليها . أما الهادى فقد مسك بذيل الحمار وراح يمد خلسة يده إلى " الحانوت "، ليسرق كعادته عند مجيء كل بياع ابرة وكبة يخيط بهما ثيابه ، ولو كانت جديدة غير ممزقة .

دنت الولية ، من البياع وأخذت تقلب احدى القصاع من كل وجوهها ، وتنقرها باصبعها بعد أن تضعها تحت أذنها حتى تعرف نغم رنينها وتتحقق بذلك من سلامتها . فكان البياع يكرر عبارة واحدة باستمرار وبدون أن يلتفت إليها : - عال العال . أصح من الحجر . قلت لك عال العال . فتجيبه " الولية " وكأنها معتزة بتجاربها دون أن تكف عن نقر القصعة ومسحها براحتها وبلها بلسانها

- أنا جدتى النورية الله يرحمها ورتني كيفاش نشرى الفخار بجاه سيدك عبد القادر خليني انشوف على كيفى . وطاب لها بعد المسح والنقر اشتراء هذه القصعة الواسعة الحمراء ، فقربت راسها من البياع حتى مس حاجباها البارزان حافة المظلة المصفرة المتآكلة : - هيا قول الحق . ها القصيعة قداش تعمل . فأجابها وهو يدور حول حماره يخيف الاطفال بسوطه : - هاتى اللى عندك

أفرغت حجرها فى حقة طماطم كبيرة يقسم صاحبها بالاولياء الصالحين لكل شار انها تعادل نصف الصاع . وبقى ما يقارب الحفنتين صته فى صندوق كبير كاد يملؤه البصل والفلفل . ولم يطل معها البياع المساومة لانه سمع امرأة أخرى تقول له ، وقد حركت رأسها المغطى بقطعة حمراء من معجر ظهر " جداده الابيض : يا وليدى راهى ولية . اللى يظلمها تتيتم صغاره فى مشواره . فلم ينس أن يضع لها فى قصعتها الجديدة قليلا من البخور ،

لتدعو له بالنجاح والتوفيق - ان شاء الله تقصد باب يتحلولك سبعة . . الله يسترك يا وليدى .

أوصت " الولية هنية " ابنها الهادى بالاحتياط والتحذر ، حتى لا تلحق القصعة بأختها ، فحرك رأسه يمنة ويسرة ومسح أنفه بذراعه متمتما :

- ما كسرتهاش بلعانى . فسكتت هنيهة آطرقت فيها مفكرة ، ثم قامت فجأة تحتضن قصعتها ، وقصدت قربى المؤدب صالح تسرع فى خطاها ، وقد مسك بطرف ردائها الخلفى ابنها الهادى الذى ما انفك يسألها : - فين ماشين ؟ . قولي . فتجيبه محاولة خفض صوتها ، وكأن أحدا يسمعها وهي لا تريد ذلك - أسكت يا هادى . هانا قريب نوصلو وصلت إلى " القربى " فوجدت بجانب المؤدب صالح احدى الملسوعات تتخبط وتصيح

يا سيدى المدب رانى ماشه نموت . آه يا ربى . فيسرع المؤدب فى حركة يديه ولحس اليراع بلسانه وصب الماء في الدواة المملوءة صمغا . ويكتب سطرين أو ثلاثة على قرطاس ابتاع فيه منذ ثلاثة أيام قليلا من السكر ، ويطويه طيات عدة ثم يمده اليها حطي هذا فوق اللذغة وسمى باسم الله ثم يأخذ صحنا ويقلبه فتقول امرأته التى لا يخفى عنها شىء لا يا راجل . نظيف طاهر . توكل على الله . فيكتب عليه بنفس السرعة والحركة : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق . سبع مرات . ثم يصب فى الصحن قليلا من الماء ويمحو الكتابة بسببه المرتعشة حتى إذا تكدر الماء اقترب من المسكينة

المتخبطة وصاح فى وجهها بحماس حلى فمك ، وسمى باسم الله .

فتبسمل مرات متوالية ثم تستنجد بسيدى عبد القادر ، ويصب فى حلقها كل ما فى الاناء . ثم يتأخر إلى مكانه ليستد إلى الغرارة التى نضدت فوقها المزاود . التفت سيدى المؤدب إلى " الولية هنية ، فظن بادىء الامر أنها أتته بطعام أو بقليل من التين إذ أنها تملك تينتين فى الشعبة المجاورة لها . وقد تعودت آن تبعث إليه في منديلها مع ابنها الهادى قليلا من التين وغالبا ما يكون ذلك يوم الجمعة . ولكنه رأى القصعة فارغة لاشىء فيها . ولاحظ أنها جديدة لم يبلها الماء بعد ، فابتسم ابتسامة خفيفة حتى بانت بعض أسنانه السوداء المتفرقة . وقال : - مبروكه يا وليه ها القصيعة . - يبارك فيك يا سويدى المدب . هاني على كل حال جبتهالك باش تكتب على قعرها كليمة من القرعان اللى فى صدرك . يعنى تحبى تنزل فيها البركة . واللى يأكل فيها لازم يشبع بحول الله ؟

آيوا . هاذاك اللى نحب . الله يسترك بجاه الستين حزب . ومدت اليه القصعة فقلبها كما قلبتها عندما اشترتها ، وشمها مرات عديدة . فهو يعتقد أن الفخار المحروق بالنار لايكتب عليه اسم الله ورسوله . ولما تحقق آن النار لم تمسها بعد ، قرب اليه الدواة وصب فيها قطرات ماء ثم حرك الصمغ بذيل يراعه ولحس بلسانه ما تعلق به ثم وضع القصعة على ركبتيه وبدأ يكتب : " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا فلا نشبع . " حتى اذا انتهى لحس مرة أخرى يراعه . ثم وضعه فى الدواة واعاد للمرة الاخيرة قراءة هذه العبارة بصوت مرتفع احنا قوم لا نأكل حتى نجوعوا وإذا كلينا فلا نشبعوا ومد القصعة الى " الولية ، وهو يقول فى تأثر ظاهر

هذا حديث نبوى شريف لسيد الاولين والآخرين سيدنا ومولانا النبى المصطفى الكريم . صلوات الله عليه آمين . من كتبه على قصعة أو صحن لا ينوض إلا شبعان فرحان هو والعيال . فمدت يدها إلى خبنتها فأخرجت خرقة مطوية بسطتها فظهر فيها بخور ومرجان وعلك وعشرون مليما علق بها بعض من العلك الاصفر مدتها إلى سيدى المؤدب فتناولها باصبعين وكشف رأسه باليد الاخرى . ثم وضعها فوق رأسه وأرجع الشاشية التى اسودت حافتها السفلى وابيض اعلاها

وبعد ان شكرها وتمنى لها كل خير همزت ابنها بمرفقها فانتصب قائما ورجعا إلى الكوخ وهى تحدثه عن القناعة ونتائجها المحمودة . الا انه كان يردد سؤالا واحدا باستمرار فيقطع كلامها : - أمي . ما عادش نجوعوا ؟ فتجيبه بسرعة وكأن سؤاله لا يضايقها : - ان شاء الله ياوليدى . ان شاء الله . ومرت ثلاثة أيام وجاء يوم الخميس وهو يوم " سوق القرية ، يتجمع فيه السكان للبيع والشراء ، ويقدمون فيه شكاواهم إلى السلطة المحلية وخصوصا شيخ التراب .

وذهب الهادى إلى السوق ليتمكن وقت الزحام من اختلاس كمشة من الفول اليابس يقليها عند رجوعه . أما " الولية ، فقد شرعت منذ الصباح فى تنضيد المزاود وترتيبها ورتق بعض الثقب التى يحدثها الفأر فى كل ليلة ، حتى كان الضحى موعد الغداء فى الصيف ، فقامت تعد حساء قبل ان يعود الهادى فيغضب ويثور ويشتت ما نظمته من المزاود والمتاع ولكنها قبل ان تشرع فى الاعداد فوجئت برجل يقترب من الكوخ له شعر طويل يغطي اذنيه وقافيته ويتدلى على جبينه فيغطيه ويلامس الجفنين ، لم يمسه ماء ولا مشط فتعكل وتشابك . عليه قميص واسع طويل بشبه الجبة فى شكله . يسوق حمارا هزيلا عليه قفتان احداهما للقمح والاخرى للشعير ، وكيس من القماش الابيض كتب عليه " هدية من الشعب الامريكى ، فيه أنواع الدقيق المختلفة .

أوقف حماره وخل الكوخ متمتما دون أن يتكلم أو يستأذن فتبعته العجوز صامتة مرهفة سمعها . وتسلقت عيناه مختلف الاعمدة والاثاث . ثم أدار وجهه إلى المرأة الواجمة وقال بلهجة لا تكاد تفهم : - ها الكيب فيه عمود ما هوش رزق حلال ، وصاحبته ما زالت تلوج عليه . بعديه عليك تسلمى . راهم رجال صبره صعاب ياسر . ردى بالك . فارتبكت " الولية " حتى اصطكت ركبتاها وقالت متوسلة يا سيدى صبره سامحنى ! رانى لقيته فى الواد جايبه السيل . لم يلتفت اليها " ولد صبره ولم يجبها بل أسرع فى تحريك يديه وادارة رأسه مرددا هذا النداء الذى اقشعر منه جسم العجوز يا رقود صبره . . هيا هات . . هات . وبسرعة خاطفة مد يده مفتوحة وارجعها مغلقة . ثم بسطها أمام العجوز وفيها البخور . فقالت بلهجة المؤمنات الخاشعات ، وقد ازداد ارتباكها واشتد جزعها :

يا رجال صبره . وخطا بعد ذلك نحو حماره الذى راح يتحسس بمنخره كل ما يعترضه من قشور الغلال ، والقراطيس . حتى اذا مسك بشكيمته التفت إلى العجوز وقال : اجعل معاك رجال صبره . تمشى حويجة ؟ فأسرعت نحو الكوخ . ولكنها قبل أن تدخله رجعت إليه وطلبت منه فى توسل آن يستريح عندها حتى ينطفئ الحر . فما كان منه إلا أن قيد حماره ووضع على الارض ما كان عليه ثم دخل الكوخ هذه المره كما يدخله الآخرون . لقد انقلب انسانا عاديا ! ورجع الهادى من السوق وفى شاشيته كمشة الفول التى ذهب من أجلها ، فأمطر أمه التى كانت تعد الطعام فى زريبة أمام الكوخ بوابل من الاسئلة حول هذا الرجل الغريب . ولكنها اكتفت بقولها - اسكت يا هادى ! راهو من رجال صبرة . إذا كان تقول كلمة حتى فى قلبك يعرفها .

فوضع لاول مرة فى حياته كمشة الفول بدون اعتناء وجرى نحو ولد صبره يتأمل شعره وقميصه وعكازيه ، ويتفحصه لمعرفة الخصائص التى جعلته يعلم ما فى الصدور ، ويأتى بالبخور من الفضاء وأتى " ولده صبره " على آخر ما قدمته له الولية في قصعتها الجديدة التى يشبع كل من آكل فيها ، حتى ظهرت كتابة سيدى المدب ، فسألها ، وقد بدأ جادا مهتما : ها الكتيبة هذى الواش ؟ آش كون كتبها ؟ فهم الهادى بالجواب ولكن أمه صفعته هذه المرة . ولعلها اول مرة تضربه فيها ! إنها تريد ان ينالها شرف الاجابة . قالت في بشاشة متصنعة :

هاذيك يا سيدى كتبها المدب صالح ، باش تنزل البركة . فزام ولد صبرة ، وتمتم وأطرق . ثم طلب منها فجأة أن تغسل القصعة بماء المطر والصابون ، وأن تأتيه بقليل من الكمون ، دون أن يذكر لها الغاية والسبب . وناولته العجوز قصعتها بعد أن غسلتها . ثم أتته بصرة صغيرة فيها قليل من الكمون طلبته من جارة لها منذ أيام بعيدة . ولكنها ندمت على تسرعها وعلى تضييع فرصة تستبعد عودتها . إذ كان بامكانها آن تنكر وجود الكمون عندها ، فيأتيها به من الفضاء بسرعة خاطفة مضغ الرجل ما رمى به فى فمه من الكمون ، وقرب وجهه من القصعة . ثم نفث مزيجا من الكمون والبصاق فانتشر فى قعر الاناء وقال جازما ضاربا كفا بكف :

- تو يكفى . جدى صبره راضى عليك . من اليوم قصعتك دائما بالخير والخمير مليانة . اتهنى وارقدى بالنوم . فسرت العجوز سرورا لم يسبق لها أن رأت مثيله فى حياتها . وخطت نحو غرارة السفلى التى تعودت أن تضع فيها كل ما تخشى عليه من الهادى ، واخرجت مزودا صغيرا حلت خيطه وأفرغته فى حجر " ولد صبره " بكل تستر . ولا يزال الهادى وبقية الناس يجهلون الهدية تمام الجهل ، وينسجون حولها الاقاويل

ومرت سبعة أعوام حافظت فيها الولية هنية ، على سلامة القصعة التى سمتها " قصعة صبره " . فكانت تلفها بعد الأكل فى قطعة من القماش الاخضر تدعى أنها من أرض مكة المكرمة آتي بها إليها أحد الحجاج كما وعد . وكانت إذا أشفقت على جارة لها سمحت لها بتقديم الطعام فى قصعة صبره ، إلى الضيوف . فهم ولا شك سيشبعون . وفى أحد الايام من صيف العام الثامن تركت الولية هنية ، ابنها الهادى مع الفجر لا يزال نائما فوق قطعة الحصير التى أعطاها إياه أحد التجار بالقرية مقابل ما يأتيه به من الماء في كل يوم خميس من العين المجاور للقرية ، وقصدت بنت أختها . صالحة ، لتنسج معها الصوف برنسا لاحد أبنائها . واستيقظ الهادى ، فلم يجد أمه بجواره كالعادة فتثاءب طويلا ثم نهض إلى البرمة وسط الزريبة فأفرغ ما فيها من الحساء فى قصعة صبرة ، وبدأ يأكل منه حتى آتى عليه . فقام يتخطى وترك القصعة بدون حام يحميها .

وكانت الفاجعة . فقد رأى جمل مصباح الاشقر الذى تعود زيارة الزريبة كل صباح يرفس القصعة بخفه الامامى والخلفى ويمر كعادته وئيدا لا يزعجه الرمى بالاحجار . فكر عندئذ فى ردم القصعة بعيدا من الكوخ . ولكنه أعرض عن فكرته آخر الامر وترك " قصعة صبره " مهشمة قد تباعدت أجزاؤها ، وسطر فى ذهنه سير الحادثة بحلقاتها وجزئياتها حتى يرويها لامه عند مجيئها . وجاءت العجوز مع الضحى ، وعلمت الخبر فاستاءت أشد استياء ، واقسمت الا تذوق طعاما ولا شرابا كامل هذا اليوم المشؤوم . وأكدت أن الجمل الاشقر سيقتله رجال صبره فى أجل قريب . أما الهادى فقد انزوى مصغيا إلى تاريخ القصعة المجيد الذى ترويه الام فى حماس يشوبه الاسى والاسف وكان يشعر بلذة عميقة ، ويفكر فى موقف أترابه من الحادثة وجمعت " الولية " الشقف ، فى قطعة القماش الخضراء المكية وحملته مع كل ما تملكه من بخور إلى أعلى التل المجاور ، بعد أن طلبت من الهادى أن يحمل معها جمرة فى حقة طماطم قديمة ، وجمعت

بمعونة الهادى احجارا ملونة بنت بها تحويطة " صغيرة . ثم كدست بداخلها الشقف كله ووضعت فوقه الجمرة ، وهى تطلب من ابنها آن يقترب من التحويطة حتى تناله رائحة البخور الذى أخذت تذروه فوق النار فيتصاعد دخانه كثيفا يتخلل شعرها ورداءها . ولم تعش " الولية هنية " بعد هذا الحادث المؤلم إلا سنتين كانت تزور خلالهما التحويطة فتبخر وتستنجد برجال صبره وأحيانا بسيدى عبد القادر . ولكنها لما شعرت بدنو الاجل وعجزت عن بخ ، الاطفال المرضى أخذت تردد أمنية وحيدة أمام كل زائرة - آنا يا بنيتى تتمنى يعملوا الناس في الخير وقت اللى نموت ويدفونى فى التحويطة اللى فيها شقف صبرة حتى انكون من دنيتى الى جنتى . وماتت الولية ، فدفنت فى التحويطة تلبية لرغبتها . وكدس ابنها الهادي الشقف من جديد فوق قبرها . ولكنه لم يحرق البخور هذه المرة ! ولقد رافقنى مرة أخ لي صغير فى زيارتى إلى جدتى ، فرأيته قد التقط شقفة حمراء وجدها فى طريقنا ، واحتفظ بها فى يده . حتى اذا لقتربنا من التحويطة فاجأنى بقوله مترنما :

يا هنية . ياولية . خوذى منى ها الهدية . واستريني فى الصباح . واسترينى فى العشية ورمى بشقفته فانضمت إلى الكدس المتعاظم المنتفخ ثم التفت آش بيك ما ترميش شقفه لامك هنيه ؟ فشعرت بسؤاله يضايقنى . ولكنى أردت إجابته بلغة يفهمها فقلت : على خاطر ما لقيتش فتركنى واقفا وانساب يبحث عن شقفة يقدمها باسمى . فلما وجدها جرى نحوى ملوحا بيديه . واقترب من التحويطة فرمى بالشقفة بعد أن قال فى اعتزاز الجواد تهزه أنانية الطفل هذى هدية خوى . ها هو معاي . وأشار إلي بيده كأنه يخاطب حيا أمامه . فأسرعت اليه لاضم إلى صدرى براءته .

اشترك في نشرتنا البريدية