تتلمذ محمد مزالى على يد محمود المسعدى فى المدرسة الصادقية سنة 1945 . لكنه يختلف مع وجهة نظره فى الادب . فالمسعدى يرى ان الادب تعبير عن مأساة الانسان فى صراعه مع نفسه ومع الطبيعة ، لكنه لا يصل الى ما يطمح اليه . بينما يرى مزالي أن الادب ملحمة . فالانسان اذا صحت عزيمته ، استطاع أن يقرر مصيره ويكون سيد نفسه ، ويفرض ارادته ، ولن يتأتى ذلك الا بالتضامن والتعاون والتآخي ( 1 ) . الخلاف بين وجهتى نظر الاديبين ، خلاف فى الرؤية الشاملة ، بين أديب متفائل وآخر متشائم .
ان الادب ليس بالضرورة مأساة تصور قصة كفاح الانسان مع القدر ، وتصوير عجزه وضعف قدراته ، كما انه ليس بالضرورة تعبيرا عن انتصار الانسان والحياة . فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة ، والانسان ليس بطلا دائما وليس متخاذلا دائما ، فحياة الانسان اذا شئنا جانب الصدق الفنى ( 2 ) لا تعرف الثبات على حال واحدة . فى حياتنا احباط وهزائم وآمال ضائعة , كما أن الانسان فى حالة كفاح دائم ، متفائلا بحياته ، متغنيا بانتصاراته . ويرى مزالى ان الادب تصوير لكفاح الانسان ومغالبته للصعاب ، متجاوزا المآسي . انه فهم تقدمى للادب ، نابع من نفس متفائلة ، كما أشرت . فاذا ما قلنا : إن الادب تعبير عن الحياة ، فان مزالى يرى الادب تصويرا لانتصار الحياة ، مستشرفا النظرة الشابية المتغنية بالحياة وارادة الانسان . انه
يتجاوز النظرة التشاؤمية ، ناظرا للحياة بعين الامل والتفاؤل ، انطلاقا من خطه الفكرى المؤيد لتوازنه واستقراره . فالاديب الحق قادر على استنهاض الهمم ، ورفض حالات الاحباط والاستسلام ، والتعايش مع الواقع الذى ينبغي ان يكون افضل ما يرتجيه الانسان لنفسه ومجتمعه . فرسالة الادب عند مزالى رسالة تقدمية ، ترفض الاغراق فى الذاتية والغموض واللامعقول والعبث وما الى ذلك ( 3 ) .
ويرى مزالى فى تصوير الادب على انه مأساة ، نفي للحرية التى وقف جل كتاباته متحمسا لها ، يقول : (( ليس القول بأن الادب مأساة ، نابعا فحسب من نظرة تشاؤمية الى الكون ، وسوء ظن بامكانيات الانسان فى الخلق والتأثير على الواقع ، بل انه ، فى آخر الامر ، نفى لحرية البشر , واقرار لتفاهتهم ، وبالتابع اعتماد على روح الاتكال والاستسلام أو ترنم بنغمة التشاكى والتباكى والتوسل ( 4 ) . فهو يناهض أدب الخيال المريض ويحبذ الادب الذي يوقظ الهمم وينمى الوعى والادراك السليم ، ويكون دافعا الى البناء والعمل والامل . ان محمد مزالى أحد الرواد التونسيين الذين حاربوا تقوقع الاديب وميوله النرجسية ، وباركوا الاديب الملتحم بقضايا شعبه وأمته ، صاحب القيم والمثل والمبادئ .
ولا يفوت مزالى التنبيه الى خطورة خلط الادب بالسياسة ، فالسياسة شؤونها عارضة ومتغيرة ، بينما الادب خلق وابداع ، يخلد عبر الاعصر والدهور ، طالما يحمل من المقومات الانسانية ما يجعله قادرا على البقاء تتناقله الاجيال والشعوب . فهو يؤكد على ضرورة التفريق بين الادب فى جوهره وسمو رسالته وبين الشؤون السياسية العارضة والشعارات المرتجلة ( ٥ ) .
ثم يذهب الى ما ذهب اليه بعض الكتاب فى الدعوة الى الادب الاشتراكى . ولست - من وجهة نظري - اؤمن بمثل هذه الدعوات . اؤمن فقط بجدوى الادب كفن راق يخاطب وجدان الانسان ، ومزالى دائم التأكيد على عدم الانصياع للمدارس أو المذاهب فى معالجة شؤون الفكر وقضاياه الشائكة مؤمنا بالفكر المتجدد المتطور . فالدعوة الى الأدب الاشتراكى ، يبدو أنها دعوة عارضة نتيجة لظروف سياسية واجتماعية . ومسمى الادب الاشتراكى
لا اراه بحمل ملامح وسمات للابداع الادبى والفكرى ، بقدر ما فيه من جور على حرية الاديب ، وهل يحق لنا الزعم بوجود أدب رأسمالى يناهض نظيره الاشتراكى ؟ . وما القول فى أن الادب انسانى بالدرجة الاولى ؟ ( 6 ) . الادب لغة للوجدان والمشاعر والاحاسيس . الادب لغة عالمية يفهمها الامريكى والروسى والافريقى والاوربى وسائر البشر . فى عالم الادب الخصيب ، أستمتع بكتابات تشيكوف وديستويفسكى وهيمنجواى وسارويان وكافكا وجبران خليل جبران والشابى وطه حسين والحكيم ، وغيرهم من كافة الجنسيات واللغات . الادب - ان لم تعقه اللغة - يتخطى الحدود والاقليميات . يقول محمد مزالى : (( الادب الاشتراكى يقتضى ( ترشد ) الاديب ونضجة وتعاطفه مع المجتمع الذي يعيش فيه ولكنه ينمو ويزدهر بمدى تجربة الادباء وعمقها وطرافتها )) ( 7 ) . والقول ينطبق على الادب بصفة عامة ، سواء أكان الاديب اشتراكيا أم رأسماليا أو غير ذلك من الاتجاهات والتيارات . فالاددب تعبير عن الحياة ، تعبير عن الخلجات وسرائر النفوس ، تعبير عن المشاعر والاحاسيس . الادب يخاطب الوجدان , جاعلا الانسان قضيته وشغله الشاغل .
يقول مزالى : (( الواجب يدعو الى رفع مستوى هؤلاء الادباء وتنمية مواهبهم وصقل ملكاتهم حتى يثروا بدورهم الادب التونسى ويخدموا بذلك المجتمع الاشتراكى الفاضل الذي نريد )) ( 8 ) . وهى مقولة صاغها فكر رجل مسؤول في الدولة ، ولم يصغها يراع الاديب ، فى محاولة لعقد مصالحة بين الاديب بمفهومه الانسانى وبين الاتجاه الاشتراكى . لكنها مصالحة تجور على الادب ، حيث تؤطره فى اطر محدودة تحد من انطلاقه الخلاق . ورأيه هذا يعتبر عارضا لانه فى مواضع كثيرة ، يدافع عن حرية الاديب ويحرص على عدم خلط الادب بالسياسة . فالسياسة فى عالمنا المعاصر هى التى توجه وتؤثر ، بينما المرجو ان تهتدى بنور الفكر والعقل المستنير ، أى تتوجه ويخطط لها فى ضوء الفكر . ودلل على ذلك بقيام ثورات تحقيقا لنظريات وأفكار من صنع الفلاسفة والادباء ( 9 ) .
كما يؤكد على حرية الاديب ، حيث لا ابداع من دون حرية واختيار )) لكنه كتب عن الالتزام سيرا مع الاحداث الاشتراكية ببلده . فقد تناولت الاقلام أهمية التزام الاديب بقضايا وطنه .هى قضية مثار جدل دائم اثر التحولات الاشتراكية . وقد اثيرت القضية ايضا فى مصر فى عقد الستينات ونادى بعض الادباء بالكتابة عن السد العالى - المشروع الهندسى العملاق - وعن المكاسب الاشتراكية ، والاحداث الهامة التى يجتازها الوطن . وذهب أدباء آخرون إلى نفس الزعم ، حتى خيل اليهم أن الأدب مجرد ( اكليشيه ) يخدم الاتجاهات السياسية والاقتصادية ، وليس معاناة من أجل كلمة صدق تقال وفي هذه الدعوة يسخر الأدب لخدمة الساسة . وهو منطق معكوس , رفضه مزالى فى موضع آخر . فلقد تبنى مزالى قضايا الادب من موقع التقدير لدور الاديب ، ونيل رسالته الانسانية . لذا ، حارب كل قيد يفرض على الاديب أو يملى عليه من خارج ذاته المبدعة . فالاديب فنان خالق ولا يتأتى الخلق الفنى ان لم يعش الاديب فى اجواء الحرية . وفى معرض دفاعه عن حرية الاديب ، ناهض فكرة الالتزام أو أن تكون السياسية موجهة للاديب . فحرية الاديب مقدسة ينبغى الا تمس ، ايمانا منه برسالة الادب الانسانية التى تملى على الاديب الحق القيم الرفيعة والغايات النبيلة .
ويعلي مزالى من قيمة الاديب كصاحب رسالة ، فهو يكافح الظروف المناوئة ويرسم صورة لغد أفضل ، رافضا لكل سلبيات الواقع . وما دام الادب جرية واختيارا - كما يقول مزالى - فانه يستطيع ان يسمو بمشاعرنا ونفوسنا , ويصبو الى المثل والقيم ، بروح خلافة لا تعرف الضعف أو التواكل . وان معانى الشابى فى استجابة القدر لارادة الانسان ، تفرض نفسها على كتاباته ، فالاديب (( يغالب المادة ويواجه العبث ، ليكون خليفة الله فى الأرض ، ويريد كى يستجيب له القدر ! )) ( 10 ) .
ومن القضايا التى شغلته ، قضية التفرغ للاديب ، ومدى تأثيره على حريته فى التعبير . وقد رأي أن التفرغ - كما فى البلدان الاشتراكية - لا يمنح الاديب حرية التعبير والفكر ، مما يؤثر على العملية الابداعية . ان فى معاناة الاديب وتجاربه وحالات الالم واليأس والفتور والتمرد ، ما يجعل ابداعه متوهجا . وإذا ما ساعدنا الاديب وجعلناه مرفها منعما ، فقد لا يجد فى نفسه حاجة الى أن يقول شيئا . يطرح مزالى الحل الوسط ، وهو
مساعدة الاديب عن طريق الجوائز والاعانات . وفي رأيى ، انه إذا ما انبرت الدولة فى منح الجوائز والاعانات ، فقد تقصرها على هؤلاء المباركين لسياستها والمادحين والممالثين ، فتفلت الفرصة للمبدعين الذين لا يكتبون بطريقة تطرب أهل المنح والعطاء .
هى قضية شائكة . وفى رأيى , أن الجوائز وسائل انعام تمنح للاديب من جهه او هيئة . والادب الحى يعيش فى ضمائر الشعور ووجدانها ، مرتكزا على قاعد عريضة من القراء . فالعقاد العملاق لم تحفل به الدولة على المستوى الرسمى ، واحتفى به تلاميذه وقراؤه المنتشرون فى مصر والعالم العربى والاجنبى ، وما اكثرهم . وابو القاسم الشابى ، الشاعر الشاب الذى لهج بشعره الكثيرون ، لم ينل فى حياته جائزة ولا حظي بتقدير من بنى وطنه والعجيب العجيب ، أن العقاد هو الاديب المعجزة والكاتب الموسوعى الذى الم بفنون المعرفة وعاش من كد قلمه ، ورضى بهذا الرزق الذى يأتيه , ويظل قلمه عفيفا ، عصيا على كل ذى سلطان ! . كما ان الشابى ذاع شعره وانتشر ولم تتجاوز سنه الخامسة والعشرين ، وكتبت عنه مئات الدراسات والبحوث الادبية ، برغم مرضه ومعاناته والمه ، فقد عانى معاناة اخرى حين رأى شعبه يرسف فى القيود .
ان تشجيع الاديب لا يأتى عن طريق حفلات التكريم وموائد التفاخر ومظاهر البذخ , انما التشجيع - فى رأيى - اذا نحن اذعنا أبداعه وفكره على الناس ، وأصخنا السمع لحلو الكلمات التى يصوغها يراعه . فالاديب صمير الامة . وكم يع يعانى الاديب اذ يواتيه الاحساس ان ما يكتبه ليس الا صرخة فى واد ، وكم يسعد الاديب أن يجد لكلماته صدى فى النفوس ! ان التشجيع الذى قصده مزالى ، اذا روعى فيه أن يشمل كل الادباء المبدعين , بصرف النظر عن نوعية كتاباتهم أو ميولهم ؛ طالما كتاباتهم ذات مستوى فنى متميز ، فان مثل هذا التشجيع سيأتى بالثمرة المرجوة .
وينبرى محمد مزالى فى تحليل اسباب عدم ذيوع الادب التونسى , و اقتصار التعريف على أشعار الشابى ، دون الاهتمام بغيره . وقد ترسب هذا الفهم الخاطئ فى نفوس الكثيرين من ادباء تونس ، مما يجعل الاحباط يخيم على نفوسهم . ورأى مزالى فى هذا ظلم المشرق لأدب المغرب وخاصة أدب تونس ، وكذلك ظلم المستشرقين الذين لم يعنوا العناية الكافية بدراسة هذا الادب .
وينصح الادباء ينبذ سلبيات الماضى ، التى أورثت تونس الكثير من المثالب وعوامل الاحباط . فلا بد اذن من استعادة الثقة بالنفس . حتى يتبوأ الادب التونسى مكانته اللائقة .
وعن اتجاهات الادب التونسى ، يرى مزالى انها تنزع الى الالتزام بواقع المجتمع الطامح الى تحقيق العدالة والحرية والاشتراكية . لكن التقدم التقنى السريع وسيطرة الانسان على المادة والطبيعة ، مقابل عجزه عن السيطرة على الذات , قد أخل بتوازن الانسان وشعوره بالانسحاق والوحدة ، وهذا ما يعبر عنه الشعر والقصة والمسرح . والشعور بضياع الانسان فى عالم مادى سريع التغير ، لم ينعكس فقط على الادب التونسى ، وإنما امتد الى الادب العربى كله ، والأدب العالمى المعاصر . وهو ما عبر عنه الدكتور زكى نجيب محمود ، حيث علل اتجاه الأدب الغربى الى الذاتية المفرطة بأنه رد فعل الحضارة العقلية التى تضاءلت أمامها شخصية الفرد . وان كان مزالى خص العالم الثالث بهذه الظاهرة ، رغم ان نصنيبه من التقدم العلمى ضئيل , كما انه لا يعايش كل الحضارة العقلية ومظاهر الرفاهية . لهذا فأن الشعور بالانسحاق والاحباط فى التفرد وابراز الذات ، يعظم فى المجتمعات الغربية ,عنه فى المجتمعات الشرقية ، وخاصة دول العالم الثالث .
ان كتابات محمد مزالى تبرز نضج المفكر وتجدده , بعيدا عن التبعية ، وحس الاديب الذواقة المؤمن بحرية الادب ، المعتز بتراث شعبة وأصالة أمته . ولعل أدق وصف لشخصية مزالى الادبية ، ما كتبه رشيد الذوادي : (( ان محمد مزالى أديب يمتلك شخصية قوية ، يعايش الناس ويحترق من اجل الضمير الاخلاقى ، وفكره يؤثر فيك لانه احاسيس وتجارب معيشة وفيه ظواهر القدرة والمسؤولية والرؤى البناءة وما يشد الانسان الى الكفاح المتواصل وما يحفزه الى نشدان الحقيقة وتبيان الطريق )) ( 11 ) .

