قضى الله أمرا ما عليه يغالب وريب المنايا ما نجا منه هارب
وسيان من يهوى الحياة تشبثا بها والذي منها الى الله راغب
وكل الورى سفر لأخرى فماكث قليلا ومستخف بليل وسارب
وكم مر في التاريخ من علم ولم يخلده إلا فضله والمواهب
وما كانت الآثار إلا شواهدا وكم برجالات لنا اعتز جانب
تحدث عما شيدوه وما بنوا وما هى فى الاخبار عنهم كواذب
فقد فتحوها للعقول معاقلا وأقلامهم فيها القواضى القواضب
وقد رفعوها للعلاء منائرا تشع وما عفت عليها النوائب
وما المرء إلا ذكره بعد موته تخلده آثاره والمناقب
فيبقى على الأيام حيا مجددا يساير أجيالا لها ويواكب
وأجدر بالتخليد فى الدهر شاعر يردد فى الدنيا صداه وكاتب
ينير سبيل المدلجين ويهتدى به غير واع فى الدجنة حاطب
وما الراحل المعروف بالنبل والحجي سوى علم فيه تجل المصائب
فقد كان معدودا من الادبا الالي بأمثالهم حقا تزان المواكب
رجاحة عقل لم يزغ ودراية ورأى اذا ما أشكل الامر ثاقب
ونقد نزيه لم يكن عن تحامل يقر به ضد ويجأر صاحب
وحب أصيل للعروبة لم يزل به لاهجا ان قام فى القوم ناعب
هوى لم تكن تسليه عنه زخارف ولا حب دنيا أو غوان لواعب
ولم يك مهتما بغير بلاغة لأم اللغى وهى التى لا تغالب
بها نزل القرآن معجزة لها قد اهتزت الدنيا وخاب المشاغب
فكم كان فيها من كنوز عظيمة وكم فى مطاويها تبدت عجائب
بها اشتد ركن العلم في الارض جانبا وقد ذللت للسير فيها المناكب
لقد أنفق العمر النفيس دراسة ولم تلهه عنها اللهى والمكاسب
أقيم بأمثال له صرح نهضة أزيلت به ما خلفته الرواسب
فلا غرو أن كنا نشيد بذكره فاحياء ذكراه على الصحب واجب
فقد كان صلبا لا تلين قناته لغير اتباع الحق والحق غالب
ورب امرئ ذى شدة أصبحت به مذللة فى المعضلات المصاعب
له قلم فى النقد إن هزه انتضى به صارما لم تخف عنه المضارب
تروع اذا خاض الصفوف شباته فلا الرأى مشبوه ولا الفكر ناضب
يزيح عن الأخطاء سجف غطائها وما حجبتها عنه يوما حواجب
وللشعر فيما قد يصوغ فرائد تزين كما ازدانت بدر ترائب
له عند أرباب القريض مكانة تجل ووقع للتجلة جالب
سمعناه كم من مرة وهو صادح به فاستبتنا المبدعات الغرائب
ورب مقال حبرته يراعة له وبه للفكر كانت مكاسب
يرن صداه فى البلاد مرددا ترجعه أرجاؤها والجوانب
الى العلم فى الخضراء أدى رسالة بها اتضحت للناشئين المسارب
طرائقه تهدى العقول فيغتدى الط ريق لمن لم يهتد وهو لاحب
سلوا عنه طلابا عليه تتلمذوا جهالاتهم زالت به والغياهب
كذاك سعى فى النفع من قبل دائبا وقد فاز بالاسعاد ساع ودائب
فسر في حمى الرحمان يكلؤك الرضى فربك غفار وربك واهب
فانت الذى اخلصت فينا سريرة وتسلم بالاخلاص منا العواقب
على جدث يحويك ينهل صيب ومن رحمات الله تهمى السحائب
وجازاك رب العرش خير جزائه ولاقتك بالترحاب عين كواعب
27 اكتوبر 1978

