1 - قضية فنية :
لقد كان المجال النظرى للشعر العربى إلى عهد قريب يغطيه الخوض فى مضامين الالتزام والذاتية وما يتفرع ويتفرق عنهما وفى ما يتصل بحياة الشاعر وأطوارها وقد لا يتصل بالشعر ، وكان ، ولعله ما زال قائماً عند البعض ، يكفيك لكى تصبح شاعراً أن تذكر الثورة ومشتقاتها فى شعرك وأن تدعى الالتزام بالقضية أو أن تكتب عن هذه وتلك ما قد يثير النوازع المكبوتة ويحرك المشاعر الجلدية . وفى الحقيقة لئن كان من حق الشاعر وإمكانه، مبدئيا ، أن يتناول أى موضوع شاء وأن ينزع فيه المنزع الذى يعتقد فان ذلك ليس كافياً بالضرورة ليخلق منه الشاعر المجيد ، مهما صفقت الجماهير، هذه التى قد تكون مرغمة على التصفيق ، وقد تكون مبتلاة بضعف الثقافة والوعى أو انعدامهما ، وكثيراً ما أغتر بحكمها المحتاجون إلى التصفيق وهي حال تعيسة بمقتضاها كان أن سمى الشاعر شاعرا وصنف الشعراء الى رجعيين وثوريين ، وكان أن فتح الباب على مصراعيه وغفل الناس عن المقاييس الحقيقية للفرز ، وضاعت القيمة . وقد ساعد الدارسون منذ القدم على تدعيم هذه النظرة المضمونية ( 1 ) بتقسيم الشعر الى أغراضه المعروفة وتصنيف الشعراء بحسبها وبحسب المعانى فهذا عندهم شاعر الحماسة وذاك شاعر الحب والآخر شاعر الفراشات ، وعنوا بتسقط الاخبار وولعوا بغرائبها ولئن حاول
(*) نص المحاضرة التى ألقيتها فى الملتقى الثامن لهواة الأدب الذي انعقد بقرطاج أيام 9 و 10 و 11 سبتمبر 1971 ، أورده مشفوعاً بأجوبة موجزة على بعض ما وقع الاعتراض فيه (1) راجع مثلا فى خصوص العصر الحديث عدد " الفكر " الخاص بأعمال المؤتمر الخامس للأدباء العرب - أفريل 1965 .
بعضهم تجاوز هذه النظرة فلكى يشير ، غالباً ، إلى بحر القصيدة وما طرأ عليه .
ولا نكاد نعثر على من مس جوهر الشعر والمرجع الاساس فى معرفة مراحل تطوره والمقياس الاول فى تقدير منازل الشعراء ألا وهو الفن .
ولعل مرد الغفلة عن تبين هذا الجوهر ومرجع الصعوبة فى الوعى به الى دقته فهو الخيط الدقيق المرهف الذي يشد الكتابة الادبية ويميزها .
ولئن كانت المعاني مطروحة فى الطريق تنتظر أول قادم فان تفنينها ، أى تشكيلها وتحويلها الى أعمال فنية هو " العصى الأبى " ( 2 ) وهو فضل الشاعر على غيره من الناس ، وينضاف اليوم الى هذه الصعوبة الطبيعية فى التعبير الفني جهد آخر يتمثل فى محو التفاوت الزمني بين المعنى ومبناه ، بين المضمون وشكله ، بدونه لا يكتمل نصاب الخلق ولا يعد الشاعر شاعراً ، وهو ما لم يتم فى الشعر العربى من بدأ هذا التفاوت ، رغم تكرر المحاولات .
2 - الوعى بقضية الشعر فى تونس :
إلا أننا بدأنا نلاحظ منذ بضع سنوات ، فى تونس ، ظاهرة تتمثل فى أن الفن الشعرى أصبح محل مراجعة جذرية وخلاف كبير . والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو التالي : ما الذى يبرر ، حضاريا ، إثارة قضية الفن الشعرى العربى ، وفى تونس بالذات ، من جديد ، والحال أن حركة الشعر الحر التى كانت تهدف هى أيضاً الى تطوير هذا الفن ما تزال خضراء ، وما زال الخلاف قائماً حولها ، وبالتالى ما الذى فى كيان وفى عصر الانسان ببلاد وخارجها يحتم ظهور مثل " غير العمودى والحر " وهل فى إمكان العربية طاقات موسيقية تعتمد لكتابة شعر جديد ؟
3 - الشعر الحر مرحلة انتقالية قصيرة بطبيعتها :
يلاحظ المتتبع لحركة الشعر الحر أنها تكاد تقف عند روادها الاول ، فقد سعى هؤلاء إلى استنفاد معظم الامكانيات التى خولتها لهم نافذة الشعر الحر فخلقوا بذلك نماذج وأرضيات ظل يسير حسبها ويقف عليها من يأتي بعدهم ،
حتى صارت اليوم قصائد الشعر الحر منسوخة عن بعضها بعضاً ليس ثمة ما يميز الواحدة عن الاخرى غير بصمات أولئك الرواد (3) .
ولئن كانت هذه حال الشعر الحر على صعيد الواقع فحاله على الصعيد النظرى تبدو أتعس . وقد تبادر الى كثير من الاذهان الواعية أن تتساءل منذ سنوات : " هل الشعر الحر دواء أم مسكن بالنسبة لما يشكوه الشعر العربى من صداع وتصدع ، هل هو حل حاسم ، أم حل وسط لا يمنع ظهور المشكلة من جديد ؟ " ( 4 ) .
والحقيقة أن ضعف إمكانيات الشعر الحر لا يكمن فى عدم إتساع التفعيلة . أساسه ، إلى عدد من الصيغ والتراكيب اللغوية وإنما يتجاوز ذلك إلى علة جذرية تتمثل فى حفاظه على هذه التفعيلة أى على نوعية الشعر العمودى فكان أن جاء تطوره كميا لا نوعياً ، يتناول الطول والقصر ولا يتناول المادة ذاتها . واقتصر أصحابه وأنصاره على التباهى والاحتجاج بأن شعرهم هذا " يتمطط فيه عدد التفعيلات ويتقلص حسب ما يتطلبه المعنى المراد التعبير عنه" (5) .
ولعله مما زاد فى إضعاف طاقة الشعر الحر أنه اقتصر على ما كان موحد التفعيلة من البحور بل نراه اليوم يكاد يقف عند بحر واحد أو بحرين وبذلك تنتفي الغاية من وجوده .
وبمقتضى هذا التطور الكمي المحدود كانت عطاءات الشعر الحر ضئيلة لم تلبث أن استنفذت فى وقت قصير وبقيت مشكلة التفاوت بين مضمون متقدم وشكل فنى متأخر قائمة .
4 - جدلية حميمة بين الشكل والمضمون :
وقد لا نجد من ينكر التطور الحاصل فى الحضارة البشرية منذ بداية عهد التصنيع على الاقل ، ومع ذلك فسألمع الى أهم المظاهر والظواهر التى يتميز
بها عصرنا هذا الذى وصف مرة بالذرى ومرة بالكونى ومرة بالالكترونى وأخرى بالجنسى ، والتى من شأنها أن تطبع تفكير أهله وتفرز أشكالا فنية خاصة ، ألمع الى هذه المقومات لاخراجها من نطاق البديهة ، وتجسيمها لكل ذى نظر وبصيرة .
ولكن الخلاف ينشأ مع القول بأن الشكل الفنى القديم للشعر العربى لم بعد قابلا المتعبير عن هذا المضمون الحضارى تبعاً للعلاقة الحميمة بين أى شكل فنى وبين البنية الاجتماعية والحضارية التى ينتسب اليها . وحجة المعترضين في هذا الخلاف أن ذلك الشكل منبث من عبقرية اللغة العربية لا نستطيع له تبديلا ليس فى الامكان أبدع مما كان !
5 - تزعزع المفاهيم والتصورات الخرافية والغيبية :
يقول مؤلف كتاب " حوار مع اليسار الاروبى المعاصر " وهو بصدد الحديث عن نقاط التحول فى تاريخ الحضارة الحديثة : " ما أكثر ما تغيرت صورة العالم ولشد ما تطور عقل الانسان ، فبعض الحقائق العلمية الاولية التى يعرفها تلاميذ المدارس اليوم ، كانت تعتبر فى الماضى غير البعيد جرائم كبرى . . . ولكننا اليوم نستقبل بفرح أنباء غزو الفضاء ، ونتابع بحماس فوق شاشة السينما أو التليفزيون تلك المركبات الضخمة التى تحمل بداخلها بشرا من عالمنا تدور بهم حول الارض أو تهبط فوق القمر ..." ( 6 ) .
وفعلا فان الانسان ، وهو ما يزال يختزن تجربة حربين مدمرتين توجتهما القبلة الذرية على هيروشما ، قد شهد منذ بداية المنتصف الثاني لهذا القرن من الحوادث والاحداث ما قلب الحياة فى داخله وفي الخارج وعمق الهوة بينه وبين الفترات السابقة من التاريخ وأكد بالتالى حاجته إلى تعبير جديد . "فما من شك أننا نعيش اليوم فى خضم ثورة علمية تكاد تفصل بين الماضي والمستقبل وهي تفعل فى حياتنا المادية ونظمنا الاجتماعية وتفكيرنا
وعقائدنا ... " (7) ويمكن أن نذكر من بين نتائج هذه الثورة(*) تزعزع المفاهيم والتصورات الخرافية والغيبية التى كانت تسيطر على الانسان .
فلقد خرج الزمان والمكان من حيز الخرافة بمفعول التنقل السريع المبرمج وخضعا إلى الملاحظة والاختبار العلمي فخلص الفضاء ومحتوياته المسموعة والمرئية من هالة التقديس والعبادة التى طالما أضفيت عليه ، وأقيمت المحطات فيه وبدأ الانسان بذلك يجتاز مرحلة " العصر الكوكبى " الى " العصب الكونى " . وإن مجرد النزول على سطح القمر الذى طالما مثل إلاها صغيراً يستضئ بنوره الأدب العربى لكفيل وحده بأن يزعزع تاريخاً كاملاً من القيم والتصورات وقد كان أرمسترنف واعياً بقيمة الحدث عندما قال : " خطواتي القصيرة المعدودة على هذا السطح خطوات عملاقة فى تاريخ الانسان " .
ومن بين المقومات الاساسية للعالم الخرافى الذى كان يقبع داخله الانسان بعض العناصر الحساسة من الجسم كالقلب ، وقد كان يعد من قبيل المجردات ، حتى أرسى به مقص الجراح وتمت عملية الزرع كأكبر ما تكون الاحداث التي شهدها الإنسان فى تاريخ إكتشاف الجسم والحياة وكقمة الانقلاب فى عالم الاحساس والحساسية .
وقد طلع النهار أيضاً على أسطورة الجنس و " الجنس اللطيف " بالخصوص ، بعد أن شرحها ( بتشديد الراء ) الواقع والعلم وشرح كل ما يدور فى فلكها
من خدع تتستر تارة تحت اسم الحب وطورا تبلغ حد العشق والهيام ووقف كل من الجنسين على حقيقة الآخر ، وتعوضت فى ذهن الرجل صورة المرأة - الحلم بحقيقة المرأة - اللحم وأفاق الشاعر العربى على خيبة مرة .
أما الأديان السماوية فقد تقهقر سلطانها وهبت عوضها ريح الايديولوجيات خاصة بعد أن تبين دور بعض الديانات فى تخدير الشعوب وتغذية روح الاقطاع والتسلط فيها وتسويغ التهامها . وتبع هذا أن تضاءل الاعتقاد فى السحر والسحرة والراجمين بالغيب وبارت بضاعة المستحيل والحظ والمطلق والخلود وتبخر المفهوم الرومنسى والطبقي للكتابة الادبية وللحياة بما يشتمل عليه من اعتقاد في " الوحى المقدس " (8)والالهام والعبقرية والبطولة الفردية الخارقة .
وحاءت النظريات الحديثة مؤكدة أن الشاعر بشر كسائر البشر ولئن تميز بشيء فبثقافته وقدرته على التعبير والتأثير ، وأن الكتابة عمل كسائر الاعمال داخل المجتمع كما أن الكتاب إنتاج ، والكاتب عامل منتج لا يجب استغلاله .
وقد ساهمت الدراسات الاشتراكية واللغوية والصوتية فى خلخلة مفاهيم القداسة والثبوت فى اللغات المكتوبة فاتجهت الرغبة إلى إستغلال الطاقات التعبيرية التى يمكن أن تفيد بها اللغات المنطوقة .
وعلى الصعد الاجتماعي تتسم هذه الفترة من التاريخ بتقلص سلطان الأب وتزحزح المفهوم البورجوازى والعروشى للعائلة ، ورفض الانموذج بصفة عامة ، إن فى الحياة وإن فى الفن .
6 - حوادث وأحداث :
ويتمثل المقوم الثاني من مقومات بنية " هذا العصر المتفجر " فى ما شهدته بلادنا والعالم العربى والانسانية عامة من حوادث وأحداث ساعدت بدورها على إضعاف سلطان الخرافة . نلاحظ فى البدء موجة استقلال الشعوب ومن بينها بلادنا ، وتحول الصراع فى أغلبها من كفاح ضد المستعمر الى صراع داخلي
أكثر تعقداً وتجريداً وأعمق أسباباً ، كما نلاحظ كثرة الانقلابات التى يقوم بأغلبها العسكريون ، عل ذلك ، بالنسبة للعرب ، حاجة منهم الى الانضباط والواقعية .
وقد جاءت هزيمة جوان 1967 كما جاءت الانتفاضات الطلابية فى العالم معلنة عن إفلاس طرق التعبير الموروثة ، ويهمنا ونحن بهذا الصدد أن نشير الى تاريخ 1969 بالنسبة لتونس والى الصواريخ التجريبية التى أطلقتها أخيراً .
7 - السنة الادبية والفكرية القومية ( 9 ) :
نلاحظ فى بدء هذا العنصر أننا شعب رفض(*)فى مجموعه التعاضد وبان أن من طبعه النزوع الى الملكية الفردية والتفنن الشخصى ونحن نعيش منذ الاستقلال فى مناخ فكرى من شواغله وقضاياه الاصالة والتفتح ونحيا فترة بحث عن الذات واستجلاء لمقوماتها ونحن أيضاً ، باعتبار انتسابنا الى هاته الارض ، نخضع لسنة أدبية وفكرية ( * ) ننتسب بموجبها الى فصيلة الادباء الافارقة الذين صهرتهم قرطاج وكان على يدهم تطور الشعر اللاطينى وإن من
(9)عنوان الفصل الرابع من الباب الثاني من كتاب : اللغة العربية ومشاكل الكتابة - للبشير سلامة - تونس 1971 - وفى الفصل حديث مفصل عن هذه السنة . ( * ) لست بصدد البحث فى الاسباب والعلل. ( * ) رأى بعض المناقشين فى الاشارة الى هذا العنصر دعاية الى فكرة سياسية معينة من شأنها أن تقطع الصلة مع الماضى والحاضر العربى ! وأود هنا أن أرفع التباسا قد يطرأ من وراء السعى إلى تركيز أدب تونسي وثقافة تونسية والمناداة بهما . فليس هذا العمل إلا من قبيل تركيز شخصية هذه البلاد وتدعيم كيان هذا الشعب الذى لئن أشبه غيره من الشعوب فلا يمكن أن يصبح نسخة مطابقة ، ولا يمكن أن يظل تابعاً ، مقلدا . لقد جاء الوقت الذى علينا فيه أن نصدر ، ونسهم ، وأن نقف إلى جانب غيرنا وقوف الند للند ولا يمكن أن يرفض هذه الفكرة ويقاومها إلا من حكم عليه بالتبعية المؤبدة والانبطاح الشاق . وكل من ينادى بها ويعمل لأجلها خالصة فنحن معه .
يطلع على ما قاموا به فى هذا المضمار وعلى ما تميزت كتابتهم الادبية والشعرية منها بالخصوص يلاحظ تقارباً كبيراً ، محيراً مدهشاً أحياناً ، بينهم وبين حركة الشعر الجديد في تونس اليوم رغم إختلاف اللغتين ورغم التباعد فى الزمان فكأن التاريخ أعاد نفسه فعلاً ، وكأنه لا مرد لقوة هذه الأرض ونفوذها فى نفوس الساكنين إليها عبر التاريخ ، وهو ما يؤكد انتساب ما نقوم به اليوم وأصالته ، وسماكته .
8 - ما وجه الغرابة إذن في ظهور الشعر الجديد ؟
ووسط هذا المناخ الذى تسير مفاهيمه وقيمه الموروثة نحو الانهيار تحت تأثير الاحداث والحوادث التى يشهدها عصرنا ويتقلب فى أتونها الانسان وعلى أديم هذه الارض المتفردة المشهود لها بالطرافة والسبق إلى التجديد ولدت حركة الشعر " غير العمودى والحر " تعبيرا منتظرا واستجابة طبيعية متحتمة ، إذ من شأن الابنية الحضارية لاى عصر من العصور أن تفرز أبنية تعبيرية عاكسة لها خاصة بها ، وقد تكون بعيدة الشبه بسابقاتها .
نتساءل إذن ماذا يبقى للأبنية الموسيقية التى استنبطها الخليل بن أحمد فى القرن الثاني للهجرة من إستقرائه تشعر أناس يبعدون عنا بعداً سحيقاً فى الزمان وفي المكان ؟ إنها تبقى أبنية معلقة فى الفضاء غريبة لا شئ يشدها إلينا وإلى عصرنا ، غير ذواكر من يعيشون بمحفوظاتهم ومن هم صورة متحفية لواقع قديم واجترار لمعالم تأخرية تتحتم مقاومتها .
9- اختلال التوازن هذا تعقبه على الدوام حركات ثورية ( 10 ) :
إذن قضية الشعر العربى طرحها التفاوت الحاصل بين شكله ومضمونه ، واستفحال هذا التفاوت الى درجة الانفجار الذي يعد عند العارفين إنقاذا للشعر من الموت ، والذي كان من نتائجه ظهور حركة الشعر الحر كمرحلة إنتقالية ، وقصيدة النثر التى إعتمدت مفهوماً نثرياً للشعر فأقحمت عليه وركبت على جسمه تركيبا فما لبث أن رفضها ، وهي تبقى على كل حال ظاهرة اجتهاد ودليل وعى بالقضية .
ثم جاءت حركة الشعر " غير العمودى والحر " الذى انطلقت بوادره من نونس (*) وبدأت تنتعش منذ سنة 1969 عندما فتحت لها مجلة الفكر صفحاتها وإنضاف لها فى ذلك الملحق الثقافي لجريدة العمل ومجلة ثقافة .
ولم تكن هذه المبادرات سوى حلقات من سلسلة التطور الفني للشعر العربى . وقد كان تطوره منذ القديم فى وجهتين : داخل الوزن ( تصرف في البحور القديمة أو الاضافة اليها ) وخارج الوزن (التخلى عن البحور وإعتماد معطيات جديدة ) .
10 - بامكان العربية أبنية موسيقية جديدة (11):
وإذا ما تأكد لنا بناء على ما تقدم ونتيجة ، تكاد تكون علمية له ، أن الوزن ( نعنى به دائماً الأبنية الموسيقية الخليلية ) انتهى دوره ، واتفقنا على ضرورة تجاوزه إلى إستنباط موسيقى جديدة ، وإذ أن أى بنية موسيقية شعرية ، ما دام الشعر يعتمد الكلمة أساسياً ، لا يمكن أن يتم استنباطها الا باعتبار اللغة المكتوب بها فلنا أن نتساءل عما إذا كان بامكان العربية معطيات موسيقية أخرى تعتمد لكتابة شعر جديد . والرأى عندى أنه بامكانها ، إذ أن الوزن ليس من عبقريتها كالنحو مثلا " إذ الشعر هو لغة كلغة الخطابة ولغة الامثال يخضع الى النحو الذى هو القاسم بين كل وسائل التعبير " ( 12 ) . وعندما نبحث في شعر اللغات الاخرى نرى أمثلة متعددة لشعراء مقتدرين تجاوزوا حدود الأبنية الموسيقية القديمة ولم يسلبهم أحد لقب الشعراء ، وقد ذهب البحث ببعض شعراء المرحلة الرمزية بفرنسا ، تحت تأثير الشعر الانفلوسكسوني ، إلى توقيع الابيات بحسب النبرة بينما الشائع أن الفرنسية لغة مقطعية فشعرها مقطعى Poesie Syllabique، فما بالك بالعربية ذات الطاقة الموسيقية النادرة ؟
11 - غير العمودى والحر شعر مقطعى نبرى Poesie Syllobo - accentuelle
وإذ أن العربية لغة مقطعية كالفرنسية ونبرية كالانفليزية فانه بالامكان كتابة شعر عربي جديد يعتمد تتابع المقاطع والنبرات وتبقى الحرية لكل شاعر في تنظيم ذلك التتابع وتنسيقه حسب بنية كنانه وعصره وموضوعه . وتحدد النبرة L'accent علميا يكونها " إشباع مقطع من المقاطع بأن تقوى إما ارتفاعه الموسيقى أو شدته أو مداه أو عدة عناصر من هذه العناصر فى نفس الوقت " ( 13 ) فتكون مواطنها فى العربية الحروف الممدودة والحروف المشددة والحروف المسكنة وما قد يبزه السياق ، وهو يكثر فى لغة كلغتنا مما يجعل منها مادة غنية بالتضاريس الايقاعية وقد حدد الايقاع بكونه " تردد ارتسامات سمعية متجانسة بعد فترات ذات مدى متشابه "(14) .
12 - " غير العمودى والحر " امتداد للشعر العربى (*):
وهكذا يتجه الشعر الجديد الى اعتماد الثروة الموسيقية الكامنة فى اللغة مكتوبة ومنطوقة وهو اتجاه تشترك فيه معه ، وأن إلى حد وبنسق مغاير النماذج الناجحة من الشعر العربى عبر مختلف عصوره . فالموسيقى ، وهذه الموسيقى الداخلية بالخصوص ، الكامنة فى المقاطع والنبرات ، هي القاسم المشترك بين مختلف أشكاله . ولذا يعد الشعر الجديد مولودا حميما للغتنا وامتدادا طبيعيا لشعرنا ، لا خروجا عنه ولا مروقا عليه ، ذلك أن " الشعر العربى القديم ليس قائماً بالفعل على النظام الكمي وحده بل على نظام آخر يسانده في سياق القصيدة هو النظام النبرى " (15) وقد اكتشف هذا النظام
منذ أريد من قرن عدد من المستشرقين وقرروا وجوده . وأنا أتساءل عن جدوى نتبعهم للنبرة وتسقطهم لها داخل الوزن فى حين أنها كامنة فى ذات اللغة ، ومن طبيعه تركيبها الصوتى ، واضحة عليها ، لا تحتاج إلى بحث وفرط عناء .
13- الشعر ليس موسيقى فقط :
ولقائل أن يقول : ما الفرق إذن بين الشعر الجديد وبين النثر وكلاهما يكون من مقاطع ونبرات ، فتكون الاجابة : هو الفرق بينهما فى لغة كالفرنسية أو كالانفليزية .
ونحتاج فى هذا المضمار الى دراسات مخبرية طويلة يجتمع عليها الشعراء وعلماء اللغة والاصوات والنقد والجمال والفيزيا والكيميا والرياضيات وغيرهم ، مثلما وقع بالنسبة لشعر لغات أخرى .
والحقيقة أن المميز النوعى للشعر يتجاوز عنصر الموسيقى الى عناصر اللغة (*)والصورة (* ) والمعنى والكتابة والمعمارية والتنسيق بينها جميعاً . ولذلك فلئن كان لكل من خرج عن الوزن (*) فضل الشجاعة والمغامرة فليس معنى ذلك أنه حقق الغاية وولج بالضرورة باب الفوز العظيم .
14 - من يعارض الشعر الجديد ؟
وإذا ما كانت هذه حقيقة الشعر الجديد ، بحث متواصل عن طرق تعبيرية جديدة تحتمها المرحلة الحضارية الراهنة ، وتتسع لها إمكانيات اللغة العربية فلم يعارض ؟ ومن يعارضه ؟
قد تكون المعارضة أمراً طبيعياً فى تاريخ الحركات الفكرية والادبية وبها يتحرك التاريخ ، لكنها تبلغ حد الارهاب أحيانا فتصبح غير طبعية وتتسم بالعدوان ، خاصة إذا كانت ضد حركة التقدم والصعود .
وإني أود أن أسجل ظاهرة قد تبدو غريبة ، وهى التجاوب الكبير الذى يلقاه الشعر الجديد من قبل الجاهلين بالعربية الفصحى وبالبحور الشعرية القديمة ذوى المعارف الاولية بها كأصحاب الاختصاصات الاخرى . لقد استمع اليه أو قرأه الفلاح والتاجر والعامل واستاذ الفلسفة ، والفيزيائى والرياضى من الطلبة وغيرهم فتفطنوا الى ملامح عصرهم وأنفسهم فيه ، وعارضه الكثير من طلبة الآداب العربية باسم ما لقنوا من قواعد وما حفظوا من شعر قديم ، ورفضه الكثير من الاساتذة الدارسين فى الشرق ، كما وقف ضده أدباؤنا مثقفونا الرسميون وخاصة منهم المشرفون على حظوظ النشر والاعلام .
15 - بوادر حركة نقدية طلائعية :
ومهما يكن من أمر فان الذى يهون على العاملين ، ازاء هذا الواقع ، هو ما يشاهدونه من نفاذ الادب الجديد الى عقول وقلوب طليعة الشعب وصانعي غده ، وقد أخذ النقد الادبي يتجه اتجاها سليما على يد بعض الشبان ، الصغار جدا أحيانا ، والذين تعززهم ثقافة حديثة ، وقدرة على فهم المستويات الفنية للنصوص الجديدة وتحليلها ، سيتمكنون بفضلها لا محالة من تدعيم حركة الادب الطلائعي التونسى والسير بها الى الامام ، ومن ضمنها طبعا هذا الشعر الذي يحمل شعار " غير العمودى والحر".
