الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

قضية ( الغزو ) الثقافى والحضارى

Share

من الظواهر التي تلفت نظر المحلل لحياة المجتمعات وتفاعلاتها في العصر الحديث هي ظاهرة ما يمكن تسميته « بالغزو الثقافي والحضاري (1) . ويمكن تعريف هذا الاخير بأنه نوع من « الغزو » الاجنبي الذي يبث ويفرض على الاقل شيئا من تراثه الثقافي والحضاري على مجتمع او مجتمعات أخرى لا تنتسب أصالة الى هذا الزاد الثقافي والحضاري . ويتمثل هذا النفوذ الثقافي

والحضارى عامة في انتشار ثقافته وقيم ومفاهيم حياته بدرجات مختلفة الى مجتمعات أخرى . والمجتمع الذى يقع تحت سطوة الزاد الحضاري والثقافي الاجنبيين يمكن أن يوصف بأنه مجتمع يشكو من ( الاستعمار » او «الانبريالية» الثقافية والحضارية ، اذ أن سيطرة التراث الثقافي والحضاري الاجنبيين على مجتمع ما يخلق صراعا حضاريا وثقافيا بين « الغزو ، الحضاري والثقافي الاجنبيين والتراث الثقافي والحضارى المحليين حيث تكون مفاهيم وقيم الغازي ، هي المنتصرة والمستغلة للمفاهيم والقيم الحضارية المحلية .

ووضع عالمنا الحديث لا شك أنه وضع مثالى لانتشار ظاهرة « الغزو ، أو ة الاستعمار ، الثقافي والحضارى اذ أن وسائل المواصلات والاعلان العصرية الحديثة جعلت مجتمعات المعمورة كلها كأنها حارات قرية صغيرة لا تفصل قاطنيها الا انهج وحدود وهمية (2) . ان صغر رقعة العالم الحديث نتيجة لما حققه العلم في ميدان المواصلات جعل ظاهرة التفاعل الثقافي والحضاري بين مجتمعات العالم شيئا يستحيل عدم التأثر به بين مجتمعات العالم الحديث . وحتى قبائل افريقيا وآسيا يبدو انها لم تستطع - وهي تعيش في غابتها أن تصد التأثيرات التي وصلتها وتصلها من العالم الخارجي البعيد عن طريق موجات الاثير أو غيرها من مكاسب العلم التي ساهمت في تصغير عالمنا على اختلاف ثقافاته وحضاراته

ولعل اهم عناصر بث الزاد الثقافي والحضارى من مجتمع الى آخر هو العنصر اللغوى . فمعرفة لغات أجنبية تجعل الانسان العصري قادرا على أن يتفاعل مع تراثات وحضارات بعيدة عنه عن طريق مطالعة المنشورات المكتوبة التي تلقى بها وسائل النقل العصرية يوميا في مجتمعه النائي عن المجتمع الناشر لتلك المنشورات المكتوبة . وعن طريق معرفة وفهم اللغات يمكن للمواطن الحديث ان يتصل بالعالم الخارجي ثقافيا وحضاريا - دون ان ينتقل وبأسرع سرعة - عن طريق مذياعه الذى يمكن أن يحمله حتى في جيبه ويستمع في نفس الوقت الى شيء من الزاد الثقافي والحضارى لكل من فرنس و بريطانيا وأمريكا الخ

ولذلك نجد مثلا أن كلا من الاستعمار الفرنسى والانقليزى حاول بث لغته في مستعمراته مدركا أن « الغزو » أو « الاستعمار ، الثقافي والحضارى لا يتم

بناؤهما والحفاظ عليهما لمدة أطول بكثير من الاستعمار العسكري والسياسي دون تعليم - على الاقل - مجموعات لا يستهان بها من ابناء وبنات المجتمع المستعمر لغة المستعمر نفسه .

وهكذا فان اللغة لا تبدو أداة اساسية « للغزو ، اللغوى فقط ( أي استعمال أو تضليل استعمال الفرنسية أو الانقليزية بدلا عن لغة الوطن مثل العربية في تونس أو غيرها من البلاد العربية ( وانما هي كذلك كما اشرت سابقا ، وسيلة أساسية لبث على الاقل قسم من قيم ومفاهيم ونظرات الحضارة الاجنبية الى المجتمعات التي يمكن ان يؤثر فيها «الغزو الثقافي والحضاري. ان وظيفة اللغة في « الغزو الثقافي والحضارى ترجع الى جعل نشر وبث ثقافة وحضارة المجتمعات الاجنبية أمرا سهل الانجاز وهذا يتضح جليا في التأثير الخاص لبعض اللغات العالمية كالانكليزية والفرنسية . ان تكلم هاتين اللغتين يقترن خاصة لدى انسان العالم الثالث بالعصرية والتقدم لان المجتمعات التي تستعمل هاتين اللغتين كلفة الأم هى مجتمعات متصفة بالعصرية والمدنية في العصر الحديث . فمن الناحية النفسية يبدو أن متكلم الفرنسية والانقليزية فى العالم الثالث هو اكثر افراد هذه المجتمعات تعرضا الى الغزو ، الثقافي والحضاري الفرنسي والانقليزي / الامريكي لان متكلم هاتين اللغتين أو إحداهما مجذوب نفسيا واجتماعيا أن يكرع من التراث الثقافي والحضارى لكل من فرنسا وانقلترا والولايات المتحدة (3) . وبالتالي فان هذا التهيؤ الشخصى لمتكلم ومتقن احدى أو كلتا هاتين اللغتين المقرونة بكثير من المغريات في عصرنا تجعل انسان العالم الثالث - خاصة - الذي لا يزال يرى نفسه ضعيفا على كثير من المستويات - ذا مقاومة ضعيفة أمام جاذبية التراث الفرنسي والامريكي الانقليزي .

والمسألة لا تقتصر طبعا على سقوط عدة أفراد من مجتمعات العالم الثالث تحت سطوة « الغزو ، الثقافي والحضارى الفرنسى الامركي الانقليزي خاصة . إن كثيرا من دول العالم - خاصة دول العالم الثالث تقع تحت سطوة الغزو الثقافى الحضارى لفرنسا وانقلترا والولايات المتحدة الأمريكية . ان الدول النامية قد تخلصت في الحقبات الماضية من الاستعمار السياسي والعسكرى لكن هذه المجتمعات ما زالت ترزح تحت شوكة « الغزو » الثقافي والحضاري اللذين بثت عناصرهما منذ أحقاب فى ربوع مجتمعات العالم الثالث .. إن

زوال كل من الاستعمار السياسي والعسكري وبقاء الغزو الثقافي والحضاري النفس المستعمر السياسي والعسكرى ما هو على أن التأثير الثقافي والحضاري  أكثر تغلغلا وتخنسا وبالتالي فان إبادته غير سهلة وعمره غير قصير (4) .

ان التراث الفرنسى والانقليزي قد غزا ثقافيا وحضاريا معظم مجتمعات العالم في الحقبات المنصرمة نظرا لاستعمار هاتين الدولتين لكثير من مجتمعات العالم خاصة بلاد ما يسمى الان بالعالم الثالث . والفاحص لظاهرة « الغزو الثقافي والحضارى اليوم يجد شهادة على ذلك في مناكب بلاد العالم التي تخلصت منذ سنوات من الاستعمار السياسي والعسكرى لفرنسا وبريطانيا العظمى .

ومنذ الخمسينات أصبح « الغزو الثقافي والحضاري الامريكيين ذا تأثير في كثير من مجتمعات العالم متقدمها وناميها على السواء نظرا لعالمية هذه اللغة فى العصر الحديث ولاقترانها بنمط الحياة العصرى المرتكز على العلم والتكنولوجيا باعثى الانسان الجديد !

فاللغة ، كما اشرنا سابقا ، هي بحق العمود الفقرى الذى يعتمد عليه هيكل الغزو ، الثقافي والحضارى لاى مجتمع يريد بن ثقافته وحضارته الى مجتمعات أخرى . ان « الغزو ، الثقافي والحضاري يمكن أيضا أن يبث عن طريق عوامل أخرى مثل التجارة ، السياحة ، التزوج الخ لكن العامل اللغوى - خاصة ذلك الذى يجعل الفرد يقرأ ويفهم بسهولة ما يحتوى عليه التراث الثقافي والحضاري - ينبغي أن يعتبر أهم العوامل لجعل ظاهرة «الغزو» الثقافي والحضارى ممكنة وذات عمر طويل نسبيا ان نظرة فاحصة على الشعوب الافريقية الآسيوية التي رزحت تحت الاستعمار الفرنسي والانقليزي تثبت أهمية العنصر اللغوى فى بث وتمتين سلطة « الغزو ( الثقافي والحضاري لهاتين الحضارتين الاروبيتين . ان متعلمى اللغة الفرنسية والانقليزية من الافريقيين والآسيويين أظهروا دائما تأثرا مهما من الغزو الثقافي والحضاري لفرنسا وبريطانيا اذا ما قورنوا بالجندى العامى الذى احتك بالمستعمر في الخدمة العسكرية ولكنه لم يتعلم لغته خاصة المكتوبة .

السوق الاروبية المشتركة واحترام العامل اللغوي

ان سهولة تعلم اللغات في العصر الحديث ، وما لذلك من حضارية وثقافية على الافراد والمجتمعات ، جعلت كثيرا من الدول المتقدمة تقوم بجهود جدية لايقاف مد انتشار المركبات المهمة « للغزو الثقافي والحضاري في مجتمعاتها .

ان السوق الاروبية مثل حي على احترام العنصر اللغوى بين أعضاء السوق. نتيجة لهذا المبدأ فان السوق الاروبية أسست «مخبرا» أو «مصرفا» لغويا يمد خاصة بعض الاعضاء بمصطلحات جديدة تجعل لغتهم قادرة على التعبير الكامل مثل الانقليزية والفرنسية لغتى التكنولوجيا والعلم . وهكذا فان اعضاء السوق لهم الحق الكامل في استعمال لغاتهم الوطنية فى اجتماعات السوق والنشرات التي تصدر عن السوق الاروبية . فالانقليزية والفرنسية اذن ليستا لغتى السوق الرسميتين رغم عالميتهما في العصر الحديث .

ليسأل المرء فى هذا الشأن عن مبدإ الاحترام اللغوى فى كل الحوارات التي تقع بين المجتمعات المتقدمة والنامية ؟ ما هي يا ترى مثلا ، لغة الحوار عندما يلتقى وفد تونسى ووفد فرنسی رسمیان ؟ هل يشعر الوفد التونسى أن عدم استعمال لغة بلاده في هذه الحوارات الرسمية شيء يقدح فعلا في الشخصية التونسية باعتبار أن هذه الاخيرة تنتسب اصالة الى التراث الثقافي والحضاري التونسي ؟

ان هذا المثال لا يساق على تونس وحدها كدولة نامية بل على معظم الدول النامية التي تبدو متخلفة لا اقتصاديا وصناعيا فقط بل ايضا ثقافيا وحضاريا ان هذه الدول نادرا ما تطالب بالمساواة أو تقليل الفروق في الميدان الثقافي والحضاري بين المجتمعات المتقدمة والنامية كما تنادى بالمساواة أو ما يقر بها فى الميدان الاقتصادي (5)

انتفاضة في فرنسا وكندا ضد « الغزو » الثقافي والحضاري

ان احترام لغة الوطن تبدو أكثر تجسما في المجتمعات التي خطت أشواطا في سلم التقدم والتحضر ، ومبدأ الاعتزاز بلغة الوطن يبدو - ويا للاسف _اقل شيوعا في كثير من المجتمعات النامية . وهذه الملاحظة تشير الى أن تقدم مجتمع ما لا يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا فقط وانما يشمل تقدما في كل الميادين المهمة التي تشكل حياة المجتمع . فالتقدم الثقافي والحضاري هو جانب تعتز به وتدعمه كل المجتمعات الحديثة صناعيا وعلميا واقتصاديا . فالتقدم في الميدان الثقافي والحضاري هو اذن جزء لا يتجزأ - في نظر المجتمعات العصرية الحديثة - من التقدم الاجتماعي ككل .

ان فرنسا_مثلا - دولة عصرية متقدمة تبعا لكل المقاييس الحديثة لتقدم وتعصر ونضج الامم . ان موقف الفرنسى العادى الرسمى حيال احترام لسان بلاده لا يمكن ان يقدح فيه عموما . ان ساسة فرنسا وعلماءها الرسميين شهادة على ذلك . كما ان نشاطات الاكدامية الفرنسية Academie Française المستمرة انعكاس على مدى الاحترام والاعتزاز بالفرنسية كلغة لفرنسا . فان القانون الاخير الصادر عن حكومة جيسکار دی ستان شاهد آخر على أن قادة فرنسا السياسيين يحرصون على حماية اللغة الام من تفشى المفردات والعبارات الامريكية والانقليزية الى جسم اللغة الفرنسية . لان استمرار هذا التيار الثقافى فالحضاري يخيف المسؤولين السياسيين الفرنسيين من السقوط شيئا فشيئا تحت التأثير الثقافي والحضاري الامريكي والانقليزي .

ان هذا التخوف الفرنسى من مغبة « الغزو » الثقافي والحضاري الامريكي والانقليزي كان من الواجب أن يوقظ ضمير كثير من الدول النامية التي تتعامل  خاصة مع فرنسا ثقافيا وحضاريا ، ان على هذه الدول النامية ان ترجع البصر كرتين في قضية « الغزو » الثقافي والحضارى اذ تستمر في علاقتها مع فرنسا وغيرها من الدول المتقدمة . اذا كانت فرنسا تشكو من معضلة التفشي اللغوى والحضارى من الولايات المتحدة خاصة ، أفليس واجبا على الدول النامية أن توجه نفس السؤال الى ما يقع لتراثها الثقافي والحضارى من جراء النفوذ والسطوة المتمثلين فى التأثيرات الثقافية والحضارية ان مثل هذا السؤال هو في صلب التفكير المنطقى ومجرى الاحداث ان الشعور سمد « الغزو » الثقافي والحضارى لا ينحصر في فرنسا وحدها بين الدول المتقدمة ان كندا مثل آخر يشكو من الغزو الثقافي والحضارى رغم تقدم وتعصر المجتمع الكندى .

ان الانقليزية والفرنسية هما اللغتان الرسميتان للبلاد . فالانقليزية هي لغة الاغلبية والفرنسية هي لغة ربع المجتمع الممثلة خاصة في مقاطعة كيباك

ان الحكومة الفيدرالية أحدثت برامج وهياكل خاصة لجعل لغتى البلاد الرسميتين مستعملتين من طرف مریدی استعمالهما . إن تحقيق سياسة الثنائية اللغوية bilinguisme في المجتمع الكندى لم يكن أمر يسيرا اذ ان الصعوبات عديدة لانجاز مثل هذا المشروع . من هذه العراقيل تدخل العوامل العاطفية والتاريخية والاقتصادية ( باعتبار ان الانقليزيا هي لغة المستقبل في أمريكا الشمالية ) والذاتية الحضارية باعتبار أن الكنديين الانقليز ينحدرون من الحضارة الانقلوسونية بينما الكنديون الفرنسيون القاطنون بالكيباك خاصة ينحدرون من الحضارة اللاتيتية . اللهم في مشروع الثنائية اللغوية الذى تزكيه الحكومة الكندية هو مدى الاحترام الذي أعطته الحكومة الكندية للعنصر اللغوى في المجتمع الكندى المتقدم

رغم السياسة الرسمية الفدرالية حيال مبدا احترام اللغتين الرسميتين فان الاقلية الفرنسية في الكيباك تطالب اليوم باحترام أكثر خاصة لتراثها الثقافي والحضاري . وهذا ما ادى الى انتخاب الحزب الانفصالي للكيباك في شهر نوفمبر 1976 في الكيباك ان تعزيز اللغة الفرنسية والتراث الثقافي والحضارى لمجتمع كيباك هو اهم أولوية للقيادة السياسية للحزب الانفصالي في هذه المقاطعة الكندية . اذا كان المجتمع الكيباكي يريد الانفصال للحفاظ على كيانه وذاتيته الثقافية والحضارية خاصة فكيف يستطيع المرء فهم موقف معظم الدول النامية « المغزوة ، ثقافيا وحضاريا من الخارج ؟ ان مجتمعات كيباك وفرنسا وكندا تعد مجتمعات متقدمة من الاول . فتقدمها ربما هو العامل الرئيسي الذي دفعها لكي تثور وتتحمس الغزو ، الثقافي والحضاري . وان عدم وجود امتعاضات علنية ضد « الغزو ، الحضاري والثقافى فى معظم مجتمعات العالم الثالث لهو دليل على وجود نوع من العلاقة بين درجة تقدم المجتمعات في كل النواحى ودرجة وعيها بمخاطر الغزو الثقافي والحضارى الاجنبى على تراثها القومى ثقافيا وحضاريا . ففكرة التقدم لمجتمع ما لا يمكن فصل مكوناتها ( أجزاؤها ) . فالتقدم اقتصاديا واجتماعيا في المجتمعات العصرية يقترن بحب المحافظة والاعتزاز بالتراث الثقافي والحضارى كما بدا ذلك واضحا في كل من فرنسا وكندا وكيباك

ان المثال الكندى ينبغى ان يلفت نظر معظم الدول النامية التي تنتشر فيها الثنائية اللغوية المتمثلة فى اللغة الوطنية كالعربية عندنا في تونس والفرنسية. إذ الفاحص للملف اللغوى في تونس منذ الاستقلال لا يجد سياسة ايجابية معتدلة حيال اللغتين الرسميتين المستعملتين في البلاد التونسية . ان ما يلاحظه الدارس للملف اللغوى عندنا هو التقاعس عن محاولة تعديل كفة الميزان بين الفرنسية والعربية المكتوبة . إذ الفرنسية ما زالت تسيطر باستعمالها على كثير من مظاهر الحياة في تونس سواء كان ذلك في القطاع الادارى ، أو الميدان العلمي ، أو حتى في قطاعات أخرى أبسط وأقل اهمية مثل استمرار استعمال الفرنسية على التذاكر التي تستعملها شركات النقل عندنا . ان معظم هذه التذاكر مكتوب عليها بالعربية و الفرنسية المكان الذى يبارح منه المسافر وذلك الذى يتجه اليه . رغم وجود العربية على هذه التذاكر فان معظم مسلمى هذه التذاكر يفضلون استعمال الفرنسية حتى مع المسافرين الذين لا يقرؤون لا الفرنسية ولا العربية . ان كتابة مكان المبارحة والاتجاه بالعربية شيء طبعا شكلى لا يغير من المسافة التي تفصل بين نقطة المبارحة ونقطة الاتجاه ! رغم سهولة الامر فان معظم شركاتنا القومية للنقل ما زالت لا تولى اهتماما لتعريب كتابة تذاكر المسافرين . ان مثل هذه التغيرات البسيطة سوف لن تدخل حيز التفيذ ما لم تتدخل القيادة السياسية والسلط المسؤولة في البلاد.

فرغم المكانة المهمة التي توليها الحكومة الكندية الفدرالية الى لغتى البلاد الرسميتين. خلافا لما يجرى عندنا في تونس وفي مجتمعات أخرى - فان كندا - مثل كثير من الدول النامية - هي فريسة ( الغزو ) الثقافي والحضاري فشقا كندا الانقليزي والفرنسي يقعان تحت سطوة ( الغزو ) الثقافي والحضاري لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وانقلترا . فمعظم منشورات كندا من كتب ومجلات وجرائد ووثائق علمية وغيرها هي من اصل امریکی او فرنسی او انقلیزی . و نفس الشيء ينطبق على البرامج التلفزيونية التي تشاهدها أغلبية الكنديين . فمعظم هذه البرامج هى برامج امريكية حتى وان كانت تلفزتها على قنوات كندية

نتيجة للشعور بالغزو » الثقافي والحضارى للكيان الكندى فقد بدأت الحكومة الكندية الفدرالية منذ السبعينات سياسة ثقافية حضارية جديدة ، هدفها هو اضعاف شوكة « الغزو ( الثقافي والحضارى الامريكيين خاصة . فصدر لذلك قرار فدرالى يدعو القنوات والاذاعات الكندية الرسمية أن تجعل نسبة البرامج ذات الطابع الكندى مساوية الى 60 في المائة .

وان مجيىء الحزب الانفصالي في مقاطعة كيباك الفرنسية أيقظ من جديد لا في هذه المقاطعة وحدها بل في كندا كلها الشعور بضرورة إعطاء أهمية للكيان الثقافي والحضارى فى شد عرى الوحدة الكندية (6)

أى عبرة تستفيد منها الدول من تجربة فرنسا وكندا والسوق الاروبية المشتركة ؟

انه مما لا شك فيه أن معظم دول العالم الثالث تنتشر فيها ازدواجيات لغوية أو حتى ثلاثيات لغوية . ففى معظم دول العالم العربي مثلا هناك عادة ثلاث لغات مستعملة : اللهجة الدارجة والعربية الفصحى والانقليزية او الفرنسية أو هما معا. ونتيجة لتفشى لغة اجنبية على الاقل في معظم هذه المجتمعات النامية خاصة بين الثلة المثقفة والحاكمة فان « الغزو الثقافي والحضاري الفرنسي او الانقليزي / الامريكي ظاهرة لا يمكن انكارها في مجتمعات العالم الثالث . ومن الخطا المنتشر فى الرأى العام في هذه الشعوب هو الاعتقاد بأن هذه المجتمعات متأخرة فقط اقتصاديا وصناعيا، والحقيقة أن هذه المجتمعات هي متأخرة أيضا حضاريا وثقافيا . وهذا يعنى أن « الغزو » الثقافي والحضاري الاجنبيين يفقران التراث الثقافي والحضاري المحليين . وفي هذا الصدد فان التفسير الماركسي لفكرة الاستغلال الاقتصادى الذى تقوم به الدول المتقدمة خاصة الرأسمالية للدول المتخلفة يجب أن يشمل أيضا مفهوم الاستغلال الثقافي والحضارى . ان كلا من الاستغلال الاقتصادي والثقافى الحضارى لهما مرمی متشابه . فالاول هدفه حرمان أهل المجتمع المستغل من ثرواته الطبيعية والثاني هدفه ايضا حرمان أهل نفس المجتمع من حضارته وثقافته وبالتالي جعلهم عبيدا ثقافيا حضاريا للمجتمع المتقدم ذى « الغزو ، الحضارى والثقافي (7)

ورغم ان ظاهرة « الغزو ، الثقافي والحضارى لا يمكن انكارها لكل ملاحظ بصير للعالم الثالث فان القضية ما زالت بعيدة عن المناقشة الجدية في صحف و منشورات العالم الثالث خاصة . فجريدة Le Monde Diplomatique لشهر مارس 1977 تحدثت باختصار على أخطار . الاستعمار ، الثقافي لا على الدول النامية فقط بل على التراث الثقافي والحضاري الانساني بصفة عامة ان كاتب المقال ايراني الاصل وهو يتفق مع كاتب فيلسوف مسیحی مارکسی ينادى بمبدا حوار الحضارات لبناء حياة انسانية أفضل ( 8 ) . وهو طبعا ثائر على كل « غزو » ثقافي وحضاري من شأنه أن يجعل الثقافات والحضارات العديدة لمجتمعات العالم ذات طابع متشابه جدا وبالتالي روتینی (رتیبی ) وذا نظرة قصيرة ومحدودة للآفاق الانسانية التي يمكن لكل حضارات وثقافات العالم أن تساهم بها اذا أمكن طبعا صد « الغزو الثقافي والحضاري للمجتمعات العظمى في العصر الحديث.

وان مجلة «العربي» لشهر فيفری 1977 نشرت مقالا افتتاحيا يطرح مشكل الغزو » الثقافي والحضارى خاصة في البلاد العربية . إن أحمد بهاء الدين يتساءل عن القرارات التي اتخذت لصد « الغزو ، الثقافي والحضاري الذي يتعرض له العالم العربي أثناء اجتماع وزراء الثقافة العرب في اول اجتماع لهم في الاردن . ان محرر مجلة العربي ينادى الامة العربية بان تتفاعل - ولا تنغلق على نفسها مع التأثيرات الثقافية والحضارية الحديثة . لكن هذا التفاعل لا بد ان يقوم بدور المتفاعل المعتز بنفسه وبثقافته القومية . ان مثل هذا الموقف يصد كل « غزو » ثقافي وحضاري يمكن أن يخرب جديا المعطيات الثقافية والحضارية للامة العربية انه يدعو مثل قارودی Garaudy إلى نوع من التفاعل ذى الصبغة الحوارية المتساوية بين المجتمعات العربية وغيرها من الدول المتقدمة والنامية.

ان بقية الدول النامية ينبغى أن تبدأ فى المناداة بمبدا الحوار المتساوى بين الثقافات والحضارات العالمية لان مساهمات الثقافات والحضارات المختلفة في أرجاء المعمورة أثبتت ايجابيتها وإغناءها للتراث الانساني الثقافي الحضاري على مر العصور . اذن فان السماح لسيطرة وسطوة ثقافية وحضارية واحدة في العالم الحديث هي ضربة حاسمة الى التراث الثقافي والحضاري الانساني الذي حافظ عبر التاريخ على مبدا ديمقراطية الثقافات والحضارات من مجتمع

او مجموعة مجتمعات الى أخرى . ان قضية « الغزو » الثقافي والحضاري ينبغى أن ينظر اليها بكل جدية وحساسية في العصر الحديث لسهولة إنتشارها مع مر السنين بسبب ما حققه العلم والتكنولوجيا من وسائل حديثة تسهل وتقوى من انتشار ظاهرة « الغزو » الثقافي والحضاري في انحاء المعمورة .

ان الدول النامية - مع الاسف - مازالت تنظر الى نفسها بمنظار حقير حيال تراثها الثقافي والحضاري . وما كان عليها من تفعل ذلك لو علمت أن زادها الثقافي والحضاري - بما في ذلك عنصرها التقليدى la Tradition يمكن ان يحتوى على عناصر ايجابية للانسان بصفة عامة تفوق ما يحمله الغزو » الثقافي والحضارى لفرنسا أو الولايات المتحدة .

ان ظهور وانتشار بعض القبسات الحضارية الشرقية في المجتمعات الغربية العصرية لشاهد على أن فى طيات الحضارات غير الغربية العصرية مفاهيم وشعائر وحكما لها مساهماتها فى سعادة البشر اينما كانوا ان انتشار الصوفية ، واليوقا Yoga والصلوات الروحية ...M.T  وغيرها بين المجتمعات الصناعية العصرية لدليل على ان للحضارات الاسلامية واليابانية والهندية مساهمات » يغزو » مفعولها اكثر فأكثر افراد المجتمعات العصرية خاصة الغربية منها

ان ابناء وبنات الدول النامية والمسؤولين السياسيين فيها لا بد أن يأخذوا بعين الاعتبار مفهوم التفاعل الثقافي والحضارى الذى فيه عنصر الاخذ والعطاء. ان التفاعل الثقافي والحضارى الذى فيه يأخذون ولا يعطون هو « استعمار » ثقافي وحضاري يحرم أهل الثقافة والحضارة الاصليين من الارتواء والمعرفة لتراثهم الثقافي والحضارى وهكذا فحرمانهم من التشبع بزادهم الثقافي والحضارى على حساب التعرف على زاد ثقافي وحضاري أجنبي يجعلهم يشعرون بالغربة الثقافية والحضارية (9) وهم فى بلادهم ! ان « غزوا » ثقافيا وحضاريا من هذا النوع يصح أن يطبق عليه مفهوم « الاستغلال ، عند ماركس . لكن هذا « الاستغلال » هو استغلال ثقافى حضارى يحرم فيه الشعب من استعمال عناصره الثقافية والحضارية الخاصة به نتيجة لذلك فالتراث الثقافي والحضارى للمجتمع المستغل - حضاريا وثقافيا  يبقى راكدا أو

یزداد فقرا مع مر السنين . هذا في نظرى مصير الدول النامية خاصة ، ان لم تقم بخطط وسياسات جديدة تمكنها من التصدى والحد من «الغزو » أو الاستغلال » الثقافي والحضارى للدول الصناعية المتقدمة . ان القيادات السياسية فى العالم الثالث تلقى عليها اكبر المسؤولية (10) في اصلاح النظام العالمي الثقافي والحضاري . ان عدم النهوض بتراثها الحضاري والثقافي لا  يحرم فقط أهل هاته المجتمعات بل التراث الانساني كله من المساهمات الثقافية والحضارية للمجتمعات البشرية التي حافظت على معالم مختلفة - رغم تشابهها - أحيانا - مثرية لذاتية الانسان الثقافية والحضارية

اشترك في نشرتنا البريدية