قصة
فى الظلام الحالك نطق الشيخ فى سرعة وفى جنون قائلا : " انهم قطاع الطريق انهم يقتلون انسانا "
وهمست بالقرب منه زوجته قائلة : - " يارب ارحمنا " - أى ليلة هذه أى ليلة هى ! هل تسمعين ؟ ان انسانا صاح من جديد . - يارب السماوات والارض . - كفى عن شكواك وانصتى لو تذهب الى الباب فتقويه بخشبة - لماذا ؟ - لا ندرى ! لربما يأتون الى هنا . . . يا لهم من شياطين ! قال الحاج بصوت اجش متهدج
- اقوى الباب ! الاجدر بى ان اذهب - الى أين - لنجدة هؤلاء - انت تنجد الناس ! لا تفكر فى هذا الامر ! انك لو ذهبت لبقيت تحت أقدامهم
- آه ! آه ! - ما بك - لا شىء - لننم بربك . هل . . ماذا تفعل ؟ هل تنهض ؟ ان الصياح تجدد ! انه يأتى من كل مكان . هل تسمعين ؟ كل الناس يصوتون ، رجالا ونساء واطفالا ؟ انها الضجة الكبرى ! يا ربى هو التقتيل بعينه ! هم يكسرون الابواب بالفؤوس . فكأنه . . أنصتى
- يا سيدى ، يا سيدى ، يا سيدى يارب احفظنا من كيد اعدائنا واحفظ اخواننا ، رحمتك . . .
- أسكتى واتركينى اسمع - احفظنا يارب - اسمعي النساء يعولن . هذه حالنا فى كل ليلة - ان فى البشر كفارا لا يخافون شيئا قال الشيخ :
أنك لن تزيلى الشر من قلب صاحبه الويل لهم ! اناس لم يسيئوا قط ! اما هؤلاء الخبثاء ، القتلة . آه ! يارب . يا رجل هلا تنام ؟ ان ما يذيقه هؤلاء جميعا لا يمكن الا يجازوا عليه . هل تسمعني ؟
نعم ، نعم ، انى آت . - انى لا اخشى لا الضبع ولا الذئب ولا حتى الارواح . اما البشر فانى اخشى بعضهم . نحن ندفع عنا الحيوان بالعصا وبالسلاح وندفع عنا الارواح الشريرة بئايات الكرسي أما الاشرار من الناس فلا سلاح لنا نردهم به عنا
- أنصتى - لم نعد نسمع شيئا . لماذا هم يسيئون عظيم الاساءة الى الناس هكذا وفى صباح الغد تفشى الخبر بكرة فى انحاء المدينة : جثث عديدة اكتشفت فى القرى المجاورة مبعثرة هنا وهناك . رآها الفلاحون وهم متوجهون بخضرهم الى السوق ورآها بائعو اللبن الذين وصلوا المدينة باوانيهم المحمولة على الاحمرة . قد رأوها كلهم وكانوا الاولين . هي عشرون جثة منتشرة رزما رزما . قد عرف اصحاب البعض منها فى الحين . هم ليسوا من رعاع الناس هم محترمون مرموقون
بدأ الصباح فى هذا الفصل يشتد برده واطلت أيام الخريف عارية مذهبة وظهر الناس كأن لا هم لهم سوى اشغالهم فالدكاكين مفتوحة واعوان الامن الفرنسيون فى مفترق الطرقات لا تنام لهم عين والسيارات تمر جيئة وذهابا .
دخل قليل من الناس دكان الحاج . قال " حمو " العطار : - لم يعد هناك قانون وصاح آخر : - ولا كرامة ولا أخلاق وأردف الحلاق " زلام " قائلا : الفتك بأب سبعة أولاد ! بأناس وادعين ! أبرياء ! ببائع تبغ واخذ الحاضرون كلهم يتحدثون في آن واحد . أما الحاج فكان ينظر أمامه هادئا مطمئنا مشمرا على ذراعيه لابسا " مقفولة " منحنى الاكتاف لا ينبس بكلمة كأنه لا ينصت الى ما يتحدث فيه القوم وكانه تعود مثل هذه الاحداث فى كل يوم من حياته .
كان ينظر الى تلك الاشجار هنالك في الساحة الصغيرة مثل شأنها في الحدائق وفى ضواحى المدينة وقد اخذت تميل الى اللون الاصفر والارجواني والاشقر من دون أن تفقد أوراقها . ذلك أن اكتوبر هذا انتهى من الالتهاب فى سيل جارف من الذهب . أما الليل فقد بدا فى الظاهر بعيدا
وبقى الآخرون فى الدكان يتناقشون بدون انقطاع .

