( باريس )
قالت العرافة : " عندما تولدون ينام الفجر في أعينكم ، وعندما تموتون يستيقظ".
لم يكن حسن درويش يحلم بعودة العمل كما كان الأمر في السابق . حركة البناء توقفت ، أو كادت ، بسبب القصف المدفعي المستمر . بل لم يعد هناك من يفكر ، في ظل هذه الحالة الملعونة ، حتى ببناء تصوينة لحديقة منزله . آخر محل قام به مع بغلته * مبروكة " كان منذ ما يزيد عن شهرين ، عندما نقل حجارة الباطون من الطريق العامة إلى مكان وعر اختاره الحاج عبد القادر لبناء منزل جديد لإبنه أمين تمهيداً لتزويجه . والحاج عبد القادر رجل عنيد يابس الرأس . قيل له بأنه يجازف بالمال وبالجهد دونما فائدة . فإذا ما توقف القصف المدفعي فإن الإحتلال العسكري ليس بالأمر المستبعد ولكنه يجيب دائماً على استهجان المتطفلين بقوله :
- المنزل سيبنى ، وإذا أصيب نعيد ترميه أو بناءه من جديد ، وإذا وقع الإحتلال فنحن باقون ، الحجر في مطرحه قنطار
ومع إنتهاء العمل في بناء منزل الحاج عبد القادر لم يعد حسن درويش بكسب ما يفي بحاجة البغلة من العلف ، فاستعاض عن الشعير بما تيسر من عشب تلتقطه " مبروكة ، من الحقول القريبة . لقد أصبحت مبروكة عبئاً ، كانت هذه الفكرة تؤلم كلما عبرت في رأسه . " مبروكة " ما زالت
فتية . ولكن البطالة تعم البشر جميعاً ، وتنتقل إلى الدواب ، لأن عمل هذه مرتبط بعمل أولئك . العمل الوحيد المتوفر هذه الأيام هو حمل السلاح . لكل من يرتدي زي القتال راتب . ولولا هذا المورد الجديد للرزق لأقفرت الديار من بينها . أصحاب الرأسمال هربوا بأموالهم وذويهم بعيداً . حسن درويش تجاوز الخمسين من عمره ، حمل السلاح يحتاج إلى أجسام شابة . فكر في الإنتقال إلى مكان آخر يستطيع أن يجد فيه عملا له و لمبروكة " . ولكنه عدل عن ذلك . زوجة وخمسة أبناء وبغلة . أين يذهب بهم ؟ ولداه الكبيران تركا المدرسة والتحقا بمقاتلي الحركة الوطنية فلا يسمع من أخبارهما الإ نتفا وقد يمدانه ببعض العون من حين إلى آخر . فكر في بيع البغلة . من يشترى بغالاً هذه الايام ؟ بعض الناس يبيعون أولادهم . جميع الطرق أصبحت موصدة .
وذات صباح أفاق حسن درويش من نومه متعبا ضيق الخلق . زجر ولديه الصغيرين لإنهما يتضاحكان بصوت مرتفع . وكشر في وجه زوجته خديجة عندما سألته ، وهى تتثاب : ماذا ستطبخ اليوم . أشعل سجارته اللف على الفريق ، وعزم على مغادرة المنزل قبل أن ينفجر ويهدم المنزل على من فيه ولكن صوتا ، آتيا من الخارج ، يناديه : من يريده فى مثل هذه الساعة من الصباح ؟ . طارت أفكاره إلى ولديه الغائبين فانقبض صدره ، وران على المنزل صمت ثقيل . تعوذ بالله وهب واقفاً بسرعة ، توجه إلى الباب وفي إثره يتزاحم زوجته وأبناؤه الخمسة . قال بصوت أبح :
- مين ؟ - صباح الخير يا أبو حسين - صباح النور مين ؟ إنهم ينادونه باسمه ، الحيرة تستبد به فتعقل لسانه - هل نستطيع الدخول ؟ - أهلاً وسهلاً تفضلوا وأبعد بيديه الزحام المتراكم خلفه
كانوا ثلاثة أشخاص بلباسهم العسكري ورشاشاتهم ، طوى الفرشة المبسوطة فوق أرض الغرفة وحولها طراحة للجلوس . دخل الثلاثة وجلسوا واضعين أسلحتهم أمامهم . عاد يردد بقلق :
أهلاً وسهلاً بالشباب وبعد برهة - . شاي يا أم حسين قال أحد الثلاثة: شكراً يا أبو حسين ، لا داعي للشاي . لن نطيل الجلوس تصفح وجوههم بحيرة وهو يقول بنبرة مضطربة - أهلاً بكم الشاي جاهز قال أحد الثلاثة:
عرفنا يا أخي أبو حسين بأنك تملك بغلة قوية ، ولهذا جئنا إليك . لم يفهم المراد من الإشارة إلى البغلة ، لكنه قال وهو يحاول الإبتسام :
" مبروكة " بغلة رائعة وهي في كامل قوتها . - القضية يا أبو حسين أننا نريد نقل بعض " الأغراض " الثقيلة من قرية "ميفذون " إلى قلعة الشقيف دون المرور في الطرقات المعبدة أو المطروقة . ومثل هذا العمل لا تستطيع سوى الدواب القوية . قال حسن درويش وهو يذرع الطريق بذاكرته :
من مفيذون إلى قلعة الشقيف ؟ - نعم وفي الليل فقط . - في الليل فقط ؟ - نعم وكل نقلة بمائة وخمسين ليرة . كادت الغبطة ، لو لم يتمالك نفسه ، أن تنفجر على قسمات وجهه ، قال بنبرة صافية :
- ومتى نبدأ ؟ - هذه الليلة إذا لم يكن هناك من مانع - ليس هناك أى مانع ، الإتكال على الله . يا خديجة الشاي .
ولكنهم هبوا واقفين دفعة واحدة وهم يعتذرون له ولأم حسين على عدم استطاعتهم البقاء لشرب الشاي . وبنبرة حازمة قال أحدهم وهو يقترب من حسن درويش :
- سيأتي إليك اثنان منا عند الساعة التاسعة ليلاً ويذهبان برفقتك . وبنفس النبرة الحازمة قال حسن درويش :
- حاضر والتوفيق على الله . وشيعهم إلى الخارج أمام نظرات جارته الحاجة أمينة التي لا تفارق مصطبة بيتها .
لقد أدرك حسن درويش بسرعة أن " الأغراض " المعنية هي أسلحة ، فهو بيس غبياً إلى هذا الحد . لقد أصيبت عشرات السيارات ووقع عشرات القتلى على الطريق المؤدية إلى قلعة الشقيف منذ غدت بلدة القليعة " قاعدة لمدفعية العدو . ولم يعرف حسن درويش كيف جرع فنجان الشاى ، وكيف لف لنفسه سجارة وهو يتوجه إلى قبو المنزل حيث تقف " مبروكة " بإنكسار . فك رباطها على عجل وأخرجها إلى الشمس . نادى زوجته :
- يا خديجه يا خديجه . أجابت بإستغراب : - ماذا دهاك ؟ - أعطيني كيلة قمح بسرعة لم تصدق خديجة أذنها " كيلة قمح للبغلة ؟ " لقد جن أبو حسين . وعاد صوته يلعلع منادياً ابنته :
- يا فاطمة ، هاتى السطل والفرشاة وفيم كانت "مبروكة" تلتهم القمح بنشوة ، انصرف حسن درويش يغسل جلدها القذر ويحفه بالفرشاة وهو يدندن :
يا ديرتي مالك علينا لوم
لا تعتبي ، لومك على من خان .
وأثار غناؤه دهشة الحاجة أمينة التي كانت تراقب بإهتمام ما يجرى في منزل جيرانها ، وتتحرق للإلتقاء بخديجة .
المسافة بين قرية وقلعة الشقيف تحتاج ، عبر التلال والوديان المزروعة بالتبغ ، إلى أربع أو خمس ساعات ، إذا سار كل شئ على ما يرام .
من المستحيل على أن تقوم بأكثر من رحلة واحدة في الليلة . كان ينبغي عليه أن لا يهملها طيلة الشهرين الماضيين . فالإنسان لا يعلم متى تدق أسباب الرزق على بابه . لقد عمل عند الحاج عبد القادر أسبوعا كاملاً بمائة ليرة فقط . ليت هذا العمل الطارىء يطول قليلاً . القتال على كل حال مستمر . ولا يبدو أن قلعة الشقيف معرضة للسقوط أو للاستسلام . إنه يعرفها جيداً ويعرف من ولديه ومن سائر المقاتلين بأنها أصبحت من أشد حصون المقاومة منعة ، وإذا كانت الغارات الجوية والقصف المدفعي قد حولا الأقسام الظاهرة منها إلى ركام من الحجارة والصخور ، فإن باطنها المحفور في قلب الصخر أبعد منالاً من نجم العيوق ، وبسبب موقعها يسيطر خوف مقيم على نفوس سكان القرى والمستعمرات اليهودية في الجليل وفي سهل الحولة ، وقد تصل قذائف مدافعها الجبارة إلى مدينة حيناً على شاطئ البحر .
" أجر طيب وعمل وطني في نفس الوقت " قال حسن درويش لنفسه ، و " مبروكة " تسير أمامه بتؤدة وتصميم صاعدة تارة وهابطة طوراً . ومن حقول التبغ تنبعث ، مع ندى الليل ، رائحة حادة . وبدت القلعة ، في غبش الظلمة ، منتصبة أمام حسن درويش ورفيقه كمارد حجري رهيب . وكانت الأضواء الكاشفة المنبعثة من بلدة " المطلة " في الأرض المحتلة ، ومن بلدة " القليعة " في الشريط الحدودي ، تمزق ظلام الليل وتثير الهواجس في نفس حسن درويش . الجو جو حرب حقيقية . أين يكون ولداه في مثل هذا الوقت ؟ . ولماذا يقتل من يقتل ويشرد من يشرد ؟ .
- يا أخ حسن ، ستبقى أنت في هذا المكان ، وسنعود إليك بالبغلة خلال ساعة ونصف ، أو ساعتين على الأكثر ! فوجئ حسن درويش فتلعثم فآثر الصمت . لماذا ينتظر هنا ؟ ولماذا يأبيان أن يصل معهما إلى القلعة ؟ هل يشكان به ؟ الشك بمثله ، وإن كان آتيا من المقاتلين ، ليس بالصفة المحمودة وكيف يترك " مبروكة " لرحمة الأقدار ؟ . يجب أن يذعن . ولكنه قدم للحرب فلذتين من كبده . ربما كان مرافقاه لا يعرفان ذلك . الإنتظار في وحشة الليل يبدو رهيباً . لولا هذه الأضواء الساطعة التي تذرع الجو وتجرح هدوء الليل لأصيب بالجنون . لم يتوقف عن التدخين . شتلات التبغ حواليه أصبحت شابة . قريباً يبدأ القطاف تحت دوى المدافع . قيل لمزارع تبغ " الموسم جيد هذا العام " قال باستغراب : " ولم لا يكون جيداً وفي شرايين كل شتلة نقاط من دمنا . فى سبيل هذه الشتلات سقط حسن الحايك برصاص الجند قبل عشر سنوات . إنه يعرف حسن الحايك . وشهد يوم مصرعه . حوافر البغلة
تدق الأرض الصلبة فانتزع حسن درويش نفسه من غمرة أفكاره وهب واقفاً. الفجر بدأ يطل من الأفق الشرقي ، وعندما وصل إلى منزله كانت الشمس الدافئة ، والأسرة بكاملها ، بانتظاره .
واستعادت " مبروكة " عافيتها ونشاطها منذ أن عاد الشعير ليصبح مادة أساسية في علفها اليومي ، وكانت تقوم بثلاث رحلات في الأسبوع ذهاب وإيابا بين ميفذون وقلعة الشقيف . وبعد شهور على بدء عمله أصبح حسن درويش يرتدى زي المقاتلين ، ويملك بندقية " كلاشنكوف " خاصة به واغتنت حياته المحدودة بمعان جديدة وأهداف جديدة . وكلما حضر أحد ولديه لزيارة الاسرة كان يشعر وهو يعانقه بلون خاص من المودة . وإذا كانت الحاجة أمينة قد أدركت بفطنتها بأن جارها يعمل مع المقاتلين إلا أنها حاولت بدون جدوى ، أن تعرف إلى أين يذهب فى الليالي الحالكة . خديجة تكتفي بالقول بأنه ينقل الأسمنت والرمل لبناء التحصينات والملاجئ ، وعندما تستحلفها الحاجة أمينة بولديها الغائبين تضطرب خديجة وتغم بأجوبة غير واضحة .
ولم يعد حسن درويش ينتظر فيى ظلمة الليل بعيداً عن القلعة ، بل أصبح يلج إلى داخلها ويتعرف على دهاليزها ومخابئها وتحصيناتها ، ويصادق المقاتلين ويؤاكلهم ويمازحهم ، وكان يطرب لطلقات المدافع وهي تدوي كالرعد القاصف ، ويراقب انفجار قذائف العدو على صخور الجبل الصماء . وغدا مشوار الليل نزهة . وكثيراً ما كان يقوم بالرحلة بمفرده مع "مبروكة " التي باتت تعرف الطريق جيداً فلا يجد حاجة لنهرها أو زجرها أو الإمساك برسنها . " مبروكة تستحق وساماً " كان يقول لرففاقه مازحاً . وعندما جاء نعي ولده البكر حبس الدمع في عينيه وقال بإعتزاز : " ليت خديجة تجعل من المأتم عرساً " لكن خديجة أم ، وحسين كان أول شمعة أضاءت في حياتها لذلك أحاطها زوجها بكل عنايته ، وحاول التخفيف من ألمها قدر استطاعته . ومع إشتداد الخطر على الجنوب وعلى قلعة الشقيف بالذات ، أصبح غياب حسن درويش عن أسرته يطول أياما عديدة ، فأوكل إلى زوجته جميع مسؤوليات الأسرة .
وقلعة الشقيف صامدة أبداً. فالصليبيون عندما بنوها اختاروا لها رأس قمة صخرية هائلة تنحدر ، من جهة الشرق ، على نحو جداري حتى تصل إلى مجرى نهر الليطانى مباشرة ، وأى هجوم بري عليها من جهة الشرق يبدو
عملاً انتحارياً ، حتى محاولات الإنزال الجوي من الجهة الغربية انتهت إلى فشل ذريع . وتتعرض المسارب والطرقات الموصلة إلى القلعة إلى القصف المدفعي ليلاً ونهاراً ، لذا كانت الطريق التي شقتها " مبروكة " بحوافرها ، الطريق الأسلم لإيصال العتاد والمؤونة إلى المقاتلين الصامدين في قلعة الشقيف . فمنذ الليلة الاولى اختار حسن درويش طريقاً وعرة في الجهة الغربية من القلعة ، فإذا فاجأ الفجر القوافل ، قبل وصولها ، بنوره ، يصبح جبل الشقيف ستارا يحجبها عن مراكز الرصد للعدو . وغدا حسن درويش المسؤول الأول عن " طريق الفجر " كما سماها المقاتلون .
كانت القافلة تتألف من " مبروكة " ومن ثلاثة بغال تسير في إثرها . وكان حسن درويش تلك الليلة ، برفقة شاب جديد لا يعرف عنه سوى اسمه أبو الوليد وكان أبو الوليد على صلابته ، وديعاً صبوح الوجه ، هادئ النبرة . وكان طوال الطريق يدندن بأغنيات شعبية تتحدث عن يافا ، التي غادرها صبيا إثر حرب الأيام الستة ، وعن بيارات البرتقال . وتذكر حسن درويش - هو يسير أمام رفيقه الشاب - ولده حسين ، فطفرت الدمعة من عينه فتناول علبة الدخان من جيبه ، فتوقف أبو الوليد عن الغناء وقال له :
- أليس من الأفضل عدم التدخين يا أبو حسين ؟ - ولكننا فى مأمن - من يدري يا صاحبي ، عيون العدو في كل مكان .
انتهى حسن درويش من لف السيجارة ووضعها في أعلى أذنه ، وعاد أبو الوليد إلى الغناء بصوت هامس ، و " مبروكة " تقود القافلة بثقة . " متى يغدو جميع شبابنا كهذا الشاب " قال حسن درويش يحدث نفسه وهو يسير إلى جانب رفيقه . " ومتى يغدو جميع أبناء الجنوب كالحاج عبد القادر " الأضواء الكاشفة تحيل الظلمة إلى نهار " ومتى تصبح جميع المواقع كقلعة الشقيف . كلما اقتربت " مبروكة " من القلعة ازداد نشاطها . " ليت نفوس الكثيرين من البشر كنفس مبروكة . وقطع صوت أبو الوليد أفكار حسن درويش :
- يجب أن نوقف البغال قليلاً فقد بلغنا مكاناً مكشوفاً .
أسرع حسن درويش بإتجاه " مبروكة " وأمسك برسنها . قال أبو الوليد :
- ما رأيك ؟ - ننتظر قليلاً ثم نسأنف السير ، فالفجر بات قريب البزوغ. - ألا نغير الطريق ؟ - لا ، يجب أن ندرك الطريق الخلفية قبل ضوء الفجر . - وهذه الأضواء - إنها من " القليعة " ، لا بد من متابعة السير . - على بركة الله .
وعادت " مبروكة " تجر القافلة وراءها ، وعاد الرجلان يسيران في المؤخرة جنبا إلى جنب . سأل حسن درويش رفيقه :
- هل أنت متزوج ؟ - لا ... خاطب . - وأين خطيبتك ؟ - في مخيم عين الحلوة - هل قمت بعمليات داخل فلسطين ؟ - لا ، حتى الآن . ذاك حلمي الكبير . - كم عمرك ؟ - ست وعشرون .
وران صمت لا يتخلله سوى وقع حوافر البغال على الارض الصلبة . وبعد فترة قال حسن درويش : - لدي أمنية كم أود أن تتحقق ! - ما هي ؟
- أن تزول جميع التنظيمات وجميع الأسماء وجميع الشعارات ولا يبقى سوى قوة واحدة بقيادة واحدة وإرادة واحدة .
لم يتمكن أبو الوليد من الإجابة ، فقد ارتمى ضوء باهر على مقربة أمتار معدودة منهما فقرفصا بسرعة ، بينما استمرت البغال في سيرها بإتجاه القلعة . وبعد ثوان قال لرفيقه :
- الأمر يبدو صعباً هذه الليلة ، وأخشى أن تكتشف البغال . - لماذا لا يأخذ كل واحد منا بغلين ثم نبتعد عن بعضنا قليلاً - فكرة معقولة .
سارا ، يظهر منحن ، ليلحقا بالبغال . وفي اللحظة التي اقتربا فيها من البغل الأخير سطع النور فوقهما مباشرة ، ثم أعقبته عدة قذائف مدفعية متلاحقة . جرى كل شئ في سرعة مذهلة . تطاير جسد أبو الوليد أشلاء بين شتلات التبغ . وعندما فتح حسن درويش عينيه شعر بحريق لاهب يجتاح جانبه الأيمن من أعلى الكتف إلى أسفل الفخذ . وبمجرد أن استعاد وعيه نادي رفيقه بأعلى صوته ، فلم يسمع جواباً . نور الفجر بدأ بالإنتشار البطئ بحث بناظريه عن البغال فتبين ثلاثة منها ، على بعد أمتار ، مسمرة فى مكانها " أين الرابع ؟ " . دمه ينزف بغزارة . القلعة تنتصب قبالته بكل شموخها حاول الوقوف فلم يستطع . أخذ يزحف ببطء بإتجاه البغال . الوجع يغشى الجسم بكامله . البغل الأخير ممدد ، بحمله ، فوق الأرض ، وكان فى حالة إحتضار " أين أصيب المسكين ؟ " . طريق القلعة الخلفية على بعد مئتى متر أو أكثر قليلاً . " مبروكة قادرة على إتمام المهمة " . البغل المصاب يمنعها عن السير . أدرك البغل المصاب وألقى برأسه على رقبته الدافئة " لا بد من قطع الحبل " ذراعه اليمنى لا تلبيه ، تحسسها باليد اليسرى فلم يجدها . بحث عن سكينه باليد اليسرى " يجب قطع الحبل المتصل برسن البغل المصاب لكي تصل " مبروكة " بالقافلة إلى القلعة " . أمسك بالسكين ومال قليلاً ليصل إلى الحبل . أنفاس البغل المصاب تلهب وجهه ، يجب قطع الحبل من الوسط حتى لا يتدلى بين قائمتي البغل الثالث الخلفيتين . استجمع كل ما بقى لديه من قوة ليحز الحبل بسكينه . . الحبل ينقطع . صرخ ب " مبروكة " على النحو الذي تفهمه منه جيداً. القافلة تتحرك وتستأنف السير . عاد فألقى برأسه على رقبة البغل
وعيناه مصوبتان بإتجاه " مبروكة " ، حاول الصراخ : " إلى طريق الفجر يا مبروكة " ولكن صوته لم يغادر شفتيه . نور الفجر يتسع فوق الهضاب القلعة تبدو وسط دائرة النور كنسر ضخم يربض فوق قمة الجبل . عيناه تزوغان . جسد البغل المصاب ينتفض بشدة تحت رأسه ، " ستصل مبروكة حتماً فهي التي شقت طريق الفجر بحوافرها ، على بركة الله يا مبروكة " ، ضياء الفجر يتحول إلى سواد ، أصداء أغنيات أبو الوليد تملأ سمعه وتطرد الطنين الحاد الذي يجتاح رأسه . " أبو الوليد يحقق حلمه ويعود إلى بيارات يافا.... الشاي يا خديجة " مبروكة " تعرف طريق الفجر جيداً الحجر مطرحة قنطار يا أبا حسين ....ليت خديجة تحول المأتم إلى عرس ...حسن الحايك مات بثلاث رصاصات ست وعشرون سنة على بركة الله يا مبروكة " . أهلاً بأبو حسين وأبو الوليد يا ديرتي مالك علينا لوم على بركة الله يا .... " .
قالت العرافة لشتلات التبغ المكوكبة بحنان فوق الجرح المضئ: - غذاؤكن اليوم دم !
- باريس -

