من خلف أستار الحياة ، وغشاوات الفكر ، من خلف حدود المرئيات والاوضاع ، من خلف جراحى وافراحى ، انى أراه وأحسه فى الخلوة والجماعة فى العلانية والخفاء ، فى اليقظة والحلم ......
كم تواريت عنه فرارا من مأساته ، وكم تلفعت بالاستار ومستعار الاصباغ ، علنى أنسى حقيقتى بنسيانه ، لكنه قد زرع فى جبينى وقر له القرار فى ضلوعى ...
وحتى فى تلك الليلة الشقراء ، عند احتفالى فى انفراد بذكرى مولدى ، مع رسائل واشباح واسطوانات ، حتى فى تلك الليلة اللالاء ، لم أخلص منه وكانت دموعه تغلى فى عروقى . شاهدته بحقيقتى الحائرة ، عبر الزجاج والشتاء والليل ،
وهو يضرب فى مترامى الابعاد ، فوقه نار وتحته نار . الارادة خذلته والشمس أصلته ، والظمأ اللافح حطمه .. نعم رأيتك ، يا عذابي وملء قلبي دم . . شفتان ترتعشان وبهما ما بزهرة الخريف من جفاف
نظرات زجاجية تتحسس فى احتضار بعض أسباب الحياة ، ثم ترتد ذليلة يائسة عند اصطدامها برمال ساهمة وبشبح الفناء ، فى شكله المزعج . .
الا ان جوارحك تنصعق ازاء فكرة العدم وتأبى نفسك الا التشبث باهداب الرجاء ، وتحس باعصابك تنهار ويتسرب اليها التخدر والموت الوئيد وتنفلت من أعماق كيانك صيحة تتبخر بين حيازيمك ، وتذوب كصبابة الزيت فى سراج يحتضر . .
ويتلالا السناء فى البعيد . . عندئذ أراك تنتعش وينبجس فيك حب الحياة وينبثق فى عتمة صدرك فجر الامل وتتسارع اقدام ، ويرقص قلب ، وتنفتح شفتان . . لكن !
لكن أواه ! لا شئ . . سوى السراب يتلالا كاشعاع مسعور . اذاك تعلو قهقهة السراب فاذا بهيكل أحلامك ينهار واذا بقصور رؤياك وامانيك تتلاشى كالفقاقيع . .
انى لى أن أسعفك يا ابن السراب . . يا أنا . . منذ الازل وحتى الابد . انك حقيقتى وجحيمى وحقيقة اخوانى التائهين عبر الزمان ..
كم أرى صورتك المؤلمة فى حياة الاحياء تلك الصورة المتحركة بين احضان الظلال وتحت وهج الشمس . .
وكم اسمع صيحتك حائرة على آلاف الشفاه ، فى العزلة والاجتماع ، فى اليقظة والمنام .
أنى لى أن اسعفك يا ابن السراب . . يارمز اخوانى المشردين فى الابعاد والاجيال . .
أحس بعرقكم الزكى يتصبب على جبينى وبمأساتكم تزعزع اعصابى ، وبآهاتكم تحرث حنجرتى . .
لكن السراب يبهر الابصار ، ويمتلك الالباب ، ويختلس جذوة الانطلاق ، وعندما يماط اللثام ، وعندما تنقشع الغشاوة , اذاك تتعرى الحقيقة فى ابشع شكل , واذاك يزعق السراب بقهقهة كهدير الحريق ..

