اشتدت الحركة بشارع باب الجديد قرب الثامنة صباحا ، فأكتظ بالمارة ، وكثرت السيارات متلاحقة ، متقاطعة تفرم كسكاكين الكفتاجى ، وعلا ضجيج التلاميذ وهم يتزاحمون على أبواب مدارسهم. وظهرت من بين المارة صديقتان فى طريقهما الى المدرسه ، تبدو عليهما الاناقة وجمال المظهر ككل فتاة فى سن السادسة عشرة ، ويدور بينهما حديث لذيذ . - آش يخدم ؟ - توه يخدم مع مهندس وباش يحضر مناظرة ويولى هو بيده مهندس وانت يا سعاد ؟ - أنا وخيتي نراه تبدى عنده محفظة مذخمة وما نعرف واين يخدم ؟ . . - أنا أسمه فاروق - أنا أسمه رحومة
وكأن لهذا الاسم رنينا خاصا في قلب سعاد ، فتسبح فى بحور من الخيال وتفكر في أمل طالما ترجته وسعادة كثيرا ما انتظرتها ، ويطوف حولها شبح رحومه الذي كثيرا ما شغلها أمره كلما رأته امام المدرسة ينتظر خروجها , وكثيرا ما فكرت فيه حين تتلاقي أعينهما ، فيرمى لها بكلمة عذبه بعد ما يلتفت يمنة ويسرة كأنه لا يريد أن يسمعه أحد سواها . ومن لا يعرف رحومه في رحبة الغنم والمركاض ، انه لا يغيب عن انظار سكان تلك الجهة .
كانوا يرونه " يفصل في الحوم ويخيط فى الزناقى " أو يلعب بالكرة فى بطحاء الخيل ، أو بتشاجر مع صديقه رزوقة لانه لم يعطه سيجارة . وقف أمام حائط من حيطان الشارع يحيى سكان الحومة ، فهو يعرف أوقاتهم واحدا واحدا .
وأسرع نحو عم الحاج وهو قادم من بعيد يرفل فى جبته " الستكرودة " وقد بدا من تحتها بطن كبير كبطن الحامل ، واحتقن وجهه بالدم لانه كان مثقلا بقفتين ، ويحييه رحومه : - الله يعينك عم الحاج . . .
فيجيبه بلهفة : - هز هز يا رحومه للدار . . - آه ما أثقلهم ! تحب تسقط لى قلبي . لا يا سيدى . - أنت هز يا رحومه باش نعطيك كراك . . . ويفرح رحومه لكلمة العطاء ، ويحمل القفتين الى دار عم الحاج . فيعطيه حاره برتقال قائلا :
- أضرب عاد ياحومه حتى تشبع ! قول عمك الحاج مايحبكش . . . ويتقبل رحومه هديته دون رضا متمتما : - ها القرنيطة باب ! باب ! ماعطانيش حتى عشرين مليم ويأخذ في تقشير غلته ، فيدوس قشورها بقدميه على الارض ، ويرمى بعضها فوق السطوح .
وأعترضته أمي ددو ذاهبة الى الحمام فأعانها على حمل صرها ، ودعا لها : - انشاء الله بالشفاء يا امى ددو . . . - يعيش ولدى يا رحومه - خوذ هاو دوره . وامام الحمام تقابل رحومه مع صديقه رزوقه : - عند كش زقيره بربى - روح وأنت باقى تحب اللقم الباردة . - يزينا عاد . هات وما تمرضنيش . - هاو عندك الفلوس بره أشرى - يزى فك مش لازم حتى أنا قاعد ليك . ويزداد الحنق بينهما فيتبادلان السب والشتم ويأخذان فى المشاجرة حتى يصلح بينهما أحد السكان .
ويذهب رحومه ليشترى سيجارة ، فيضعها فى جيبه ، ثم يأخذ طريقه الى المسرح البلدى ويتجه الى قصدرية الزبلة التابعة له ، فيقلبها رأسا على عقب مفتشا عن باكو دخان فارغ من النوع الرفيع ليضع فيه سيجارته واذا تحصل على مرغوبه ذهب ليتمم بقية أعماله . فيمر بنهج الجزيرة قرب خروج المتوظفين ، حيث ينتظر سى طارق الشاب الانيق المحترم صاحب " الفيلا " الجديدة بالمركاض والمتوظف باحدى ادارات نهج الجزيرة .
ويحين الوقت فيأخذ المتوظفون فى الخروج أفواجا واسرابا متلاحقة ، ويظهر من بينهم سي طارق يترشق فى مشيته ، متشاغلا بمضغ علكه وهو يتحدث مع زميلة له . فلما رآه رحومه كشخ وأسرع نحوه :
-أنست .! ولم يرد عليه سى طارق بل أعطاه المحفظة كالعادة قائلا : - بره هز للدار . . . فيزداد تبالد رحومه ، ويملأ نظره من محاسن الفتاة ثم يسأل سى طارق : - آش كونى هذه ؟ تخدم معاك ؟ فيحمر وجه الشاب ويغضب وتجحظ عيناه ويصيح به - أذهب من وجهي يا هم ويزى من البلاده . . . ثم يأخذ بيد فتاتة ويواصلان سيرهما . اما رحومه فيبقى جامدا فى مكانه ينظر اليهما ثم يحول نظره قائلا : - حتى أنا عندى . . عندى سعاد ! وكأنه تذكر اشياء هامة فيضرب بيده على رأسه صائحا : - أوه النهار راح ، وقتاش نوصل . واسرع فى مشيتة حتى وصل الى باب الجديد ، وهنا وقف ليصلح احواله ، أزال غبار ملابسه ، ووضع نظارتيه الشمسية على عينيه ، وكان قد اشتراهما من سوق العاصر ليجدها وقت الحاجة ، وضع المحفظة تحت ابطه ، واستقام في مشيته ، واعتدل ووقف أمام باب المدرسة .
وجد الطالبات قد بدأن في الخروج فأخذ يبحث عن سعاد بلهفه عجيبة ويفتش عنها بنظراته المملوءة شوقا وانتظارا . وفجأة التقت أعينهما معا . فأهتزت الفتاة هزة خفيفة واحست بتأجج وسط أحشائها ، وخفرت وجنتاها خجلا ، ثم نظرت الى صديقتها وقالت : - ووه رحومه جاء! . . - وآينه ؟ . . - هاك أللى فيده محفظة . . . ويعتدل رحومه في مشيته ثم يخرج من جيبه باكو الدخان ويشعل السيجارة التى وضعها فيه ، وان كانت هى الوحيدة ، ويرمى بالباكو بين ساقى سعاد . فتلتفت سعاد الى زميلتها مبتسمة :
- وخيتى رحومه يتكيف الكمال . . . وتأخذ الصديقتان طريقهما الى المنزل ، ورحومه وراءهما يتتبع خطاهما . وهكذا مرت فترة من السنة الدراسية بين رحومه وسعاد . ويظهر أنه أحس ينقص فى شخصه ، فالتحق باحد مراكز مقاومة الامية ، وجعل يواصل الدروس الليلية .
ومرت أيام ، وأسابيع ، ثم أشهر ، ولم يعد رحومه يرى سعاد . ترى ما الذى أصابها ؟ أهى مريضة ؟ أم أصابها مكروه ؟ ولكن لا هذا ولا ذاك ، بل هو شىء أعظم ومصيبة كبرى سلطت على رحومه . كأن قد تقدم لخطبة سعاد أحد الشبان المثقفين ، فوافق عليه والدها ، وتقرر عقد قرانها ، وفارقت الفتاة مدرستها لتتهيأ وتستعد للزواج . اما رحومه فاصبح ساهما واجما ، دائم التفكير ، يردد على فمه تلك الاغنية التى حفظها منذ اختفاء سعاد عنه .
يا هاجره يا مليعه الكبيده
ردى على الدمعه والتنهيده
وما أحوج رحومه الى الدموع والزفير والتنهيد ! . . . خرج ذات يوم ليروح عن نفسه فى حديقة القرجانى وهى اقرب حديقة لحومته ، وكان الجو كئيبا يبعث السامة فى نفس رحومه ، وارسلت الشمس شعاعها الحزين فى أرجاء الحديقة فازداد رحومه كآبة ويأسا وكان قد أخذ معه كتبه ليحضر دروسه وظهر قذر اللباس ، رث المظهر ، لم يعد يتكلف الاناقة او يتصنع الاحترام ، واهمل هندامه وجعل يهتم بقراءته . وقبل ان يشرع فى تحضير دروسه ، القى نظرة خاطفة على المارة . . . وفجأة ما الذى رآى ؟ ما الذى جلب نظره ؟
انها سعاد ! نعم انها مصحوبة بشاب أنيق محترم ! انه خطيبها ! فكانت الصدمة العنيفة لرحومة . ولم يستطع أن يمسك سيل دموعه المنهمرة ، فترك لها العنان حتى جعلت تتساقط أحر من الجمر ، واستولى عليه اليأس فنظر الى سعاد نظرة طويلة ، وبأرتباك عجيب أخذ كتبه وجعل يمزقها كلها وبعث بها مع الريح . ثم ارسل زفرة من فجاج قلبه وقال فى حسرة : - ما عادش تصلح لى ها الكتب لاش كون باش نزيد نقرأ .

