الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

كامو بين الموت والخلود ، او الادب الحق

Share

ان الادب كنز تشترك فى استثمار جواهره كل الامم وعين طيبة تستقي منها كل اللغات ما لذ للنفس فيطرب  كل انسان لشكسبير كما يطرب لدانتي ويلذ له طاغور كما يلذ له  الشابى ويهتز للمتنبى كما يهتز لفيكتور هيغو ويعجب بتولستاى كما يعجب بفولكنير أو بابى العلاء

وان ذكرنا اليوم كامو فلاننا نؤمن فى نونس بنزاهة الفكر وصدق الشعور ونعتبر موطننا موطن الانسان مهما كانت لغته او اختلف لونه أو تميزت عقيدته

وانما يزيدنا حبا للانسانية والنزاهة الفكرية ان فزنا منذ ماض قريب فأبرزنا شخصيتنا على وجه الارض وحققنا انسانيتنا قصرنا لابشرا ناقصا ابتر بل بشرا كاملا كريما

وانما نذكر الاديب الفقيد لانه أدى فى حياته رسالة الادب الانسانى بعد صراع مر لما يرهق الانسان من قوى الباطل والظلم ولما تقاسية البشرية من داء الشر والفساد

فأدب كامو ادب نابض حى قد ساهم به الفقيد فى بعث الادب بعثا جيدا اذ وطنه توطينا مطلقا على خدمة الانسان

فما الادب تصفيف القوافى ولا ترصيف الألفاظ ولا هو جعجعة البلاغة العرجاء ولا قعقعة الجمل الجوفاء انما هو عصارة النفس تحاسب نفسها حسابا عسيرا امام نفسها امام الانسان امام الحياة . فسر الادب فى غزارة النفس فى صدقها واخلاصها فى تضارب ميولها وتلاطم اهوائها فى صراعها للزمن والموت وارادتها للحياة والخلود

فلا يخدعنك اذن ما تجد عند بعضهم من زقزقة العصافير وخرير المياه وتزويق الكلام وتنسيق القول فليس ذلك أدبا فانما هو رياضة للنفس وبلاغة التعبير عما وراء الاشياء وحقيقة الوجود وكنه الحياة ، عما للانسان من - شتى المشاكل ومنزلة أمام الموت والمصير

واذ حددنا الادب هذا التحديد فقد رايت انه تحديد قديم وعصرى معا الا انك ادركت أن هذه النزعة فى الادب قد تولدت من تطور الحياة اليوم تطورا حاسما بعد ماقاست الانسانية من شتى الآلام فأصبحت عرضة للدمار والفناء يهددها من الشر المطلق ما يهددها حتى كادت تفقد كل ما ادخرته من القيم وتمسكت به من المثل

ثم انك تعلم أن هذه النزعة الطريفه فى الادب لم تتولد من تطور الحياة تطورا سريعا فحسب بل من تغذية الفلسفة الوجودية للادب حتى كادت هذه النزعة الجديدة تتغلب بوسائل تعبيرها على سائر النزعات الاخرى فلا يعرف الادب الابها

وانت تعلم كيف دفع اصحاب هذه النزعه الادب دفعا فى سبل راقت للناس وشغفت الشباب فى شتى اقطار العالم شغفا لم يعهد تاريخ الادب شغفا مثله

وانت تعلم أن كامو قد كان ثانى اثنين على راس هؤلاء الأدباء لم تقل شهرته عن شهرة " صارتر " حتى نال اعجاب القراء لا بفرنسا فحسب بل بكافة اقطار العالم

فقد ساهم كامو كما ساهم صارتر فى تغذية الادب بالفلسفة حسب قواعد ثورية قد ضبطها صارتر فى مؤلفه " ما هو الادب " ودافع عنها دفاعا حقق لهذه النزعة فى الادب الانتصار على غيرها من النزعات وانت تعرف أن أهم ميزة لهذه النزعة فى الادب انما هى فى انكباب المفكر الاديب على مشاكل الحياة وخروج الفيلسوف من علياء التفكير الغامض المغلق الى مستوى المعرفه السهلة واقباله على الواقع بالتحليل والشرح

وهكذا عبر كامو عن المسائل التى طالما اصطدم بها الفكر البشرى لا تعبيرا علميا فنيا غامضا بل تعبيرا ادبيا قصصيا قريبا من الفهم عند عامة القراء والمثقفين

فلن يصح لك ان تعتبر كامو فيلسوفا وان كانت ثقافته ثقافة فلسفية متينه جدا حتى اعتبر الفيلسيوف الالمانى نيتشة اعظم الكتاب في العالم . فانه مع انتمائه الى الفلاسفة قد تحرر من جمود الفلسفة وغموضها فكان مفكرا نابض الفكر واعيا لمشاكل الوجود واديبا حى الادب مدركا ادراكا دقيقا لمنزله الانسان فى الحياة

وانك ترى كامو وقد انكب على الواقع وبعث الادب بعثا أمات به أسلوب " البرج العاجى " وقضى به على الغرور فى الادب حتى اضمحلت تلك الصورة المالوفة للاديب العبقرى الذى ينعزل فى صومعة الكبرياء والتيه ثم يتخذ من احتقار الناس اصلا من اصول الادب ويعيش ساحبا في آلام متكلفة مصطنعة ومغامرات خيالية باطلة واحلام شاسعة ويضجرك ببكائه وعويله ويؤففك بسخطه الاجوف ويفرض عليك تشاؤمه الاخرق

فكأنما الادب ليس الحياة بل هامش الحياة

الا والله انما الادب ما التحم منه بالواقع فترجم الحياة الصاخبة الغزيرة وما الاديب الحق الامن شمر عن ساعديه فدخل فى كنه الوجود ليؤدى رسالة الفعل والعمل رسالة الجد والحزم

وقد ادى اليك كامو تلك الرسالة فوقف من الحياة موقفا خاصا عبر عنه فى كتبه تعبيرا حرا مطلقا وحارا صادقا طافحا بمحاسن الفن الصرف وجواهره الصافية

فالعالم في نظر كامو مذ اقبل على الخلق الادبي فى غمار الحرب الاخيرة لامعنى له يعقل ولاكنه له يدرك . فلا الدين يبرر شيئا ولا المذاهب الاخلاقية تفسر ما غمض من المشاكل وما استعصى من المعضلات

فلا ضابط اذن لسلوك الانسان الا الانسان وقد أفلست الاديان والمذاهب الاخلاقية وتحطمت القيم والمثل وافتضح للانسان مصيره الاظلم وتجلى ما يحيط به من الشر المطلق

والانسان فى مذهب كامو ملعون فى هذا الوجود وما حياته الا ضرب من المحال لما يقاسية من مر الفاقة وعلقم الشقاء

ثم ان الانسان يزيده فاقة وعسرا انه لا يعلم للشر مبررا ولا يقتنع بسلوى العقائد التى خابت في اقناعها ولا يتعزى بالخير والشر متغلب عليه

فهذا " مورسولت " فى قصة " الغريب " غريب فى هذا العالم قد قتل ولا يفهم لماذا قتل فصار مجرما وهو لا يدرى للاجرام معنى ولا يفقه لماذا يقف امام القضاة ثم يساق الى القتل وهو لا يدرى ما يبرر الحكم عليه بالقتل

فقد قضى عليه بالاجرام فأجرم وقد حكم عليه بالقتل قصاصا فكان جانبيا . . ولكن فمن جنى عليه ؟

الا أنك قد تقول : وأى تجديد فى هذا الموقف من الحياة وقد وقف مثله من وقف من شتى المفكرين والادباء منذ سقراط ؟ ؟

وانك قد تقول ما هذا الاضرب من التشاؤم والسخط على المجتمع والانكار للسنن الاخلاقية فأى طرافة فى هذا الموقف ؛

نعم فقد يبدو موقف كامو من الحياة تشاؤما مبتذلا لو لم يبن الاديب موقفة على حب الانسان حبا جما  فحب كامو للانسان كانما هو دين له اذ لا عقيدة له الا هذه العاطفة التى تدفعه الى الدفاع عن الانسان والتعصب له على المجتمع وعلى المذاهب التى تعلل الوجود وتبرره

وانك ترى كامو يكسو الانسان ثوبا من الرحمة والحنان ويخفف من حرارة فاقته بهذا الحب الخاص فانظر الى سيزيف " الملعون وقد حكمت عليه الآلهة بالشقاء الابدى تراه يكدح وراء صخرته  صاعدا بها الى قمة الجبل ولكنه لايكاد يبلغها حتى يسقط بصخرته عند الجبل ثم يتصاعد ثانيه فيسقط ويتصاعد فيسقط

وان يأخذك العطف على الانسان المعذب وكامو يفرض عليك هذا  العطف فرضا لبلاغة أسلوبه وصدق لهجته فلان هذا الانسان الشقي طاهر برئ ذو عظمة وجلال فهو شقى الا انه " فاعل " كادح وجاد فان كان " مور سولت " لا يفقه من الوجود شيئا فان " سيزيف " واع من لعنته يصابر فى وجه القضاء المسلط والقدر الغاشم ويقاسى عذابه ويتجرعه ولكن ليس للجبن اليه سبيل وليس للفشل أو اليأس عليه قوة

ثم يصور لك كامو المنزله البشرية اللعينة بثورتها على الاوضاع والنواميس تصويرا فنيا ينزله منزلة الاديب الحق فى قصته " الوباء " حيث كملت مواهبه الفنية وأوتى من سحر البيان ما يجعل كتابه جوهرة من أنفس جواهر الفكر الانسانى

وانك لتطالع " الوباء " فنجد فيه أوضح صورة لماساة الانسانية وقد أصبحت عرضة للهلاك المطلق وفريسة للشر الذى لاشر فوقه وانك لترى الانسان ولا حول له ولا قوة وقد انكسرت كل العقائد وتحطمت كافة المذاهب تراه " منغمسا فى لجة الفاقة الكبرى " كما قال أبو العتاهية . ثم تمر عليك المشاهد بعد المشاهد وفيها الانسان يقاسى وقد ظلمته الاقدار وخدعه الدين وكذبت عليه المذاهب وموهت عليه الشرائع وتسمع المؤلف على لسان الطبيب " ريو " يدافع عن براءة الانسان وطهارته ويمجده تمجيد الآلهة حتى يقدسه تقديسا

وانك لتقف عند اعسر المشاهد عسرا وتطلع على فراش كجهنم عليه طفل طاهر برئ يتجرع الموت جرعه جرعة والحمى تحرقه وحببها يعبث بلحمه فاسمع اليه يئن مسكينا وقد ثقلت عليه مرارة الداء

واقرأ على وجهه وعليه حسن الذى يموت وجمال الملائكة النيرين قساوة القضاء ومحال الوجود وقوة العدم وغلبة الموت على الحياة

وانك لا تطوى الكتاب الا وقد اصبح حب كامو للانسان حبك انت واعتزاره بمروءة الانسان اعتزاك انت

وهكذا يصير أدب كامو ادبك انت لانه لاغاية له الا الانتصار للانسان على الوجود والمصير واظهار المرء مظهر العز والنبل

ثم ان كامو لم يقف عند هذا الحد في دفاعه عن الانسان فقد سخر قلمه للذود عن حرية الانسان ذودا قد عرضه للنقد  اللاذع لاسيما انه قد وطن نفسه على انكار كل ما يشين بهذه الحرية وعلى مناضرة الحق والعدل

وقد ذهب كامو فى مناصرته للعدل الى رفض الثورة رفضا صريحا فى كتابه " الانسان الثائر " اذا اقتضت الثورة القتل والظلم واعتبرت مبررا للعنف والشر

وقد اثار عليه انكاره للثورة كثيرا من المفكرين والادباء فى العالم لاسيما بعض الادباء الذين يدينون بالشيوعية . وقد سخط عليه خاصة كل من ظل ميالا الى الثورة ومقدسا لما للثورة من قوى التجديد والتطور لاسيما اذا  اقتضت الحياة اساليب العنف والبطش

وقد أدى كامو ما أثاره عليه كتابه " الانسان الثائر " من الانكار الى الاعتزال اعتزالا اشتد عليه باستمرار الحرب فى الجزائر واشتداد الثورة الجزائرية

واننا نؤاخذه نحن المغاربة اكثر مما نؤاخذ اى أديب آخر لانه منا ومن أرضنا ولان الواجب يدعوه الى الوقوف معنا فى وجه الشر المطلق المسلط علي الجزائر تسليطا .

الا اننا قد يلين عليه قلبنا كما لان قلبة على الانسان مطلقا وقد لا نرهقه لا سيما انه قد مات واحتوى عليه العدم وعبث به عبثا فسحقه سحقا وقصف - شبابه قصفا

وقد يزول ما لنا من القساوة عليه لو اشرفنا عليه فى تلك العزلة المرة ووحدة الحيرة اللاذعة بين الياس والفشل امام قوى الظلم وبين حرارة الايمان بالانسان وحب الانسانية جمعاء

ثم بالله عليك أهى عزلة الغى والغرور ؟ اهى عزلة الانفة والكبرياء والعظمة الجوفاء ؟ أهى تلك الصومعة الهادئة التى لاذ اليها بعض الحكماء اهو ذلك " البرج " الذى طالما تبجح به الادباء الفسقة ذوو الرياء والزنادقة السفهاء ثم بالله عليك هل اعتزل كامو جبنا او عجبا ؟

اننا لم نعهد قط عند مؤلف " الغريب " و " العادلون " و " الوباء " غرورا او عجبا ولم نسمع قط فى صوته صوت الكذبة السفهة ولا لعثمة الجبنة الجسبة وانه يحق لنا نحن المغارية أن ننكر عليه صمته عن القضية الجزائرية وبعض آرائه المخالفة لهدفنا الاول الذي هو الجزائر الحرة المستقلة

وانه يحق لنا ان نتمسك بالثورة مهما كلفنا من تضحية ودماء وان نرفض آراءه فى الثورة الا ان المروءة تقتضى ان نعذره لانه خير الصمت عند الحيرة والاضطراب ولاذ الى السكوت وقد عسر عليه تقدير الثورة الجزائرية حق قدرها فلا نقس عليه بالله وان هو قعد عنا ولنرحم حيرته وهمه وغذاب وحدته ومرارة محنته الفكرية لاسيما انها تزدان بالصدق والاخلاص

وان صح لنا نحن المغاربة أن نقتل فى سبيل حريتنا وأن نثور ثورة صاخبة دامية ومطلقه هوجاء بجبال الاوراس وبلاد القبائل للعز والكرامة فلا ننس أن صوت " صاحب الوباء " انما هو صوت البؤساء مثلنا صوت المعذبين مثلنا صوت رجل وقف موقف الحق حتى اطرده الزبانية من الجزائر وكافح الظلم في ظلام المقاومة السرية وأبى أن يخدم طغاة الاستعمار فيصير صنيعة من صنائعهم او حجة من حججهم " للجزائر الفرنسية "

فقلما وجدت اديبا التزم ما التزم هو من الاخلاص للانسان فلحم بين الحياة والادب لحمة بعثت الادب بعثاوحاك بين الانسان والادب من الوحدة ما يجعلك لاتجد بعد تعريفا اليق للادب من هذا " الادب ما هو ؟ انما هو الانسان " والادب خالد ما دام الحق حيا خالدا

اشترك في نشرتنا البريدية