الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

كانت له

Share

لم يكن كعادته يرسل النكتة ويوزع الابتسامات بل كان على النقيض فى ذلك اليوم . . فبالرغم مما يشيعه عادة من سرور ولطف وظرف حين نجلس اليه كل صباح . . وحين نجتمع به كل مساء الا انه اليوم يبدو متجهم الوجه عبوسا ساهما حزينا :

لقد اقلقتنى حالته تلك فأردت ان اسرى عنه ما استطعت واخذت أمهد للحديث معه . . وابتدرته بقفشة من تلك التى يطرب لسماعها والتى كانت مفتاحا ندلف بوساطته الى مقصورة أحلامه الجميلة التى تتسم بروح الانس والايناس ولكن صاحبنا خلافا للعادة التى خبرتها فيه لم يهتز وكأن ما ذكرته لا يعنيه وليس له به رغبة . .

ورغم ذلك فان أملا راودنى لتحقيق ما وطدت العزم عليه . . أملا كان مصدره ذلك الشعاع الايجابى الضئيل الذى ارتسم على على عينيه الحمراوين اللتين تشكوان الأرق والسهد . . فقلت : انها بادرة طيبة لعلى أنال نتائجها سريعا . وبدون تردد فاجأته بثانية لم تطرق سمعه ولكن هيهات فنظرته لهذه لم تكن خيرا من تلك . . والواقع ان

نظراته أغاظتنى وقد كنت مع الرفاق أعرف فحواها عندما يكون (( مزاجه )) صافيا أما الآن بما هو عليه وبما هو فيه فلم اتمكن من تفسير مكنوناتها التى كنت شديد الحرص على معرفتها فى هذه الآونة . . وخشيت أن اصارحه بشعورى هذا خوفا من ان يتركنى ويذهب وهو فى هذا الظرف أحوج الي من قبل . . أو أنا فى هذا الظرف أحوج الى مواساته وتبديد غيومه :

وعدت بالذاكرة لليوم السالف حيث كان صديقى باسما باشا وجمهرة من صبية الحى وشبابه وأطفاله ملتفون حوله يستمعون لقصصه المثيرة وأحاديثه المسلية وكأنه يمثل قاعدة شعبية أو مسرحا فكاهيا كاملا . . وتذكرت حسينا وصالحا ولطفيا وغيرهم من المارة الذين لم يسلموا من قفشاته خاصة نورى ذا الكرش المنتفخ والاطرف المترهلة والأوداج القانية التى كانت فى واقعها جوهر تلك الفكاهة والتندر . . وقارنت هذا الماضى القريب بحاضره فوجدت بعد المسافة وبعد الغور . . ورددت متمتما لا بد أن هناك أمر ذا شأن عظيم قد شغل صديقى ووقع فى حبائله . وجلست بمنحى عنه أقلب الامور رأسا على عقب وأبحث مشاكله التى كنت مطلعا عليها واحدة تلو أخرى . . لعلى أقف على المشكلة التى سيطرت عليه فأفك عنه غلال كربته .

واحترت ! احترت ! . . هل هى مشكلته المنزلية ؟ أم مشكلته العاطفية ؟ وتركز تفكيرى عليهما بعد ان اقتنعت بثانوية خلافهما . .

وفاجأته بالأولى بعد ان صبغت ملامحى بصبغة الجد : كيف حال والدتك ! . . وهل لا زالت تشكو شللها أم تحسنت حالتها ؟ .

ولم يجب بل ازداد وجهه تجهما مما جعلنة اؤنب نفسى . . ولكنى ما دمت بدأت فلأمض قدما الى النهاية ولو بلغ السيل الزبى .

وأعدت على سمعه مستفسرا المفاجأة الثانية .

الم تر عزة هذه الايام . . أم لعلها سافرت مع ذويها فى رحلة طويلة ؟ . .

وزوفر زفرة حارة خلت تضاعيفها حمما صاعدة من بركان فيزوف المشهور . . وشرد بنظره بعيدا بعيدا وكأنه يتبع شبح انسان يكاد يتوارى فى ثنايا السحاب ويختفى خلف هامات الفضاء اللانهائى وانتبه لنفسه وأخذ يجذب نظراته قليلا قليلا للوراء حتى عادت الى الواقع القريب اليه ذلك الذي لم يكن سواي . . ونظر الى نظرة المريب الذى يكاد يقول خذونى . او نظرة الذى ناء كاهله بحمل ثقيل وأراد ان يلقيه سريعا . . ولكنه فى آخر لحظة جمع قواه ومسك ما بنفسه وقال لى . . بالله دع الجراح لا تنكاها !

قالها بنبرة اعرفها فى صوته . . انه مخلوق يجيد نوعا وربما انواعا من صفاء النفس المشوب بالسخرية . . ليس من الهين اللين ان يرى فى كل الاحيان لانه مغلف فى طيات التواضع والتسليم والاذعان وربما كان مغلفا باطار المقاومة الموجبة والمراس الصلب لا يظهر نفسه الا ذا عمد المتحدث اليه الى المصارحة والمجاهرة والمبادرة بالقول ، أو إذا وخزه وخزة تحرج احساسه . . وعلى هذه القاعدة طرقت أخف الاحتمالين الى نفسى وأقربهما الى تصورى بعد أن بدا لى من طريقة اصغائه وشروده رجاحة ابداء ما يخفيه .

فقلت استحثه على الافضاء بما يعتمل فى صدره :

وهل فى الامر جديد ؟ . . ألم يحن الوقت لكى نأكل أرزك الذى منينا به أنفسنا كثيرا ؟

فأجاب فى اندفاع فوجئت به :

هذا ما كنت أمنى نفسى واحلم يقظا به اياما وليالى وشهورا وبالتحديد منذ التقينا صغارا نلهو ونمرح ونتبادل الشوق والمحبة ومنذ استقر عزم والدينا على ان نكون نوال لى وأنا لنوال . . ومنذ كبرت نوال وانقطع ذلك اللقاء بحكم العرف الساند ومقتضيات ديننا السمح . . وكانت أسعد حالاتى عندما كان أهلها يزوروننا اذ كنت أرى طيفها فى كل ركن من أركان الدار وأشم عبيرها وأنعم به أينما ذهبت وحينما حلت . . فى مدرج الجاهة كنت اتصور زميلاتى اياها . . وهى وحدها . . فى طيات الكتب وملخص المحاضرات . . فى كل ما أتناوله واحس بوجوده على البسيطة وكنت اجد فى جلوسى معكم كل يوم على تلك الصورة الماضية متنفسا أعبر من خلاله الى يوم جديد يقربنى من يوم الوصال المشروع . . ويقربنى بالذات من يوم تخرجى من الجامعة كخطوة الزامية فى اتمام ما عقدت عليه العزم ولكن . . ولكن يا لهذا الزمن . . الزمن الذى أبى الا ان يضع العراقيل . . وكانت ليلة البارحة . . وكانت ليلة ليلاء حالكة السواد مليئة بالاعاصير والرياح . . تلك هى ليلة البارحة حينما طلبت الي والدتى ان أجتمع بها بعيدا عن أعين أخوتى الذين كنت ألمس فى نظراتهم الي كلما اقترب ميعاد زفافى نظرة الحسد . . نظرة من يؤثر الشئ لنفسه دون اخيه وكان الاجتماع الذى أوجست منه استبشارا أو خيفة وكانت القنبلة التى ألقتها والدتى والتى أصابتها أضرارها ولحقتها شظاياها واشعاعاتها اذ قالت بعد مداورة ومحاورة ومقدمات . . يا ابنى لقد اتضح لنا اخيرا ان نوال ارضعتها خالتك معك ولهذا أصبح عدم زواجك منها أمرا مقطوعا . . وعجبت ما شأن ما تقول امى بى وبنوال وما دخل خالتى والرضاعة فى امرينا . . ولم اعفها من الاسئلة المتلاحقة حتى عرفت ان الرضاعة تجعل المنظور محجوبا . .

وهنا اشتد شعوره بعدم امكان الاسترسال

ولحظت انه لم يكن لديه على الاطلاق اية رغبة فى التعبير بما يجيش فى صدره . . واجتاحته غصة وهو يدرك عينى النافذتين ترقبانه وطفق يحاول ان يتناسى وان يشرد بذهنه وبصره مع الخيال البعيد . . وعلى نسق العادة التى تمثلتها - فى صديقى هذا والتى كانت أقرب الاحتمالات الى نفسى بادرته قائلا :

ومذا بعد ؟ ٠٠ فقال :

. . وانتابنى شعور معاكس لتلك الآمال المجسدة فارتميت بدون ارادة منى على الأريكة ورحت فى اغماءة وانتبهت والدتى الى ما انا فيه فاستدعت من فى الدار ليساعدونى على ان أفيق ولكن انا لهم ذلك والصدمة كانت اكبر بكثير مما يظنون ونقلونى الى غرفتى بعد ان اشارت والدتى المقعدة التى أثر عليها اغمائى اشد الأثر وأسوأه وشعرت انى وحيد برغم اغمائى الا من نوال والاتجاه المتضارب لرغبتى فيها فيما سمعته على لسان ولدتى .

انها حقيقة ثانية . . حقيقة تنبعث من غرفة والدتى . . حقيقة مكسوة بالصياح والعويل والنحيب

وتنازعنى عاملان الوساوس الشيطانية والواجب . . وقلبتهما . . أأذهب لأقف على ما حدث واستطلع سر هذه الجلبة فى غرفة شهدت مصرع حبى وأملى الكبير فى نوال أم ابقى وليكن ما يكون ؟ . . وغامت الدنيا امامى وعدت لمسيرتى الاولى فى الاغماء الذى لم اكن اعرف هل هو حقيقة ام تصنع . . على كل بقيت واستحضرت صورتها فى ذهنى .

ولعلك تسألنى فى انكار وحقد من هى ؟ . . انها نوال . . !

استحضرت صورتها وعلى ظلال تلك الصورة قبعت أحلم يقظا بالمستقبل السعيد

الذى كنت سأنعم به مع نوال وتنعم هى الاخرى به معى خاصة وانا اعرف شعورها نحوى وكلانا انا وهى نتبادل هذا الشعور و نشيد به اذا ما سنحت الفرصة . . وتعددت الوان تلك الظلال واتسعت دائرتها لما كان وسيكون وتخيلت انى حصلت على الشهادة الجامعية وتخيلتها بقامتها الممشوقة وقوامها البديع الملفوف وشعرها الكستنائى الرائع ووجهها المستدير الذى تعلوه تانك العيان السوداوان الناعستان اللتان تلمعان فتزيدان من فتنتها ومن روعة جمالها . . وتخيلتها وهى تشرئب بعنقها الذهبى ورقبتها الطويلة من وراء الستر لترى اللحظة السعيدة التى اتناول فيها شهادتى الجامعية تلك الشهادة التى كانت تربط اطراف الحلقة المفرغة التى كانت سلواى وعزائى منذ احتجبت عن ناظرى نوال :

وسكت وزفر زفرة اخرى فقلت استحثه على اتمام روايته واحلام يقظته وماذا بعد ؟

فقال : وكان هذا واقعى طيلة ليلتى السابقة حتى أذنت الديكة فثبت الى نفسى ونضحت عنها هذه الاحلام واقتحمت الغرفة قاصدا ركن والدتى ولشد ما كانت دهشتى عندما وجدتها والمنزل خاليين وابتدرنى هاتف يقول - عد لاحلام يقظتك او اغماءتك فقد قضى الامر الذى كنتما فيه تختصمان . . لن نغفر لك موقفك السلبى المشين هذا - وتشجعت فطردت عن نفسى شبح هذا الهاتف وعدوت الى الشارع أسأل وأستفسر عما حل بالاهل .

والتقيت باخوتى فى رواحهم وكانت اطراقتهم تدل على ان أمرا جللا قد حل بهم . . ورشقونى بنظرة موحدة ثابتة تشع من أعينهم جميعا نظرة كانت نظرتى فيها لشخصيتى أحقر وأدنى منها . . وأطلقت ساقى للريح حتى وصلت لهذه الزاوية التى اعتدت ان أمضى فيها

اوقات فراغى صبيحة كل يوم وعشية انفس فيها سابقا عن شجونى وعواطفى واستعجل بها يوما جديدا يدنينى منها . . أما الآن فهى سلوتى الوحيدة وموطن ذكرياتى الحلوة المريرة ولن افارقها ليلا ونهارا .

واشفقت عليه فى الظاهر ، وان كان باطنى يؤنبه على فعلته النكراء تجاه والدته التى كانت ضحيته وتجاه مستقبله وصحت به : وماذا عن الجامعة أملك المتبقى أو نهاية حلمك ؟

فقال : ان التى كانت جامعة شملنا قد اختارها الله لجواره . . والتى كنت اذهب للجامعة لاجلها حكم عليها اللبن الذى ربطنى بها ان تذهب . . لهذا فقد تغيرت فى نفسى قيم كثير من الأشياء . . ومعايير كثير من الاحلام

. . ومعايير كثير من الناس . . ولهذا ايضا فان آمالى قد تبددت أو بمعنى أصح وتعبير أدق قد تلاشت فى طيات ذلك الغد وهذا الرواح ولم يبق لى فى يقظتى وأيامى الآتية التى أسال الله ان تكون معدودة الا تلك الذكرى الأليمة وهذه الاحلام المزعجة المريرة

. . فالعين التى كانت تبصر الجمال وتطرب لكل جميل لم تعد تحدق الى غير الضباب وسراب النهار ، والأذن التى كنت اسمع بها آنات المرح والسرور لم تعد تصغى الا لصدى الاعماق وعويل الهاوية . . والنفس الطربة التى كانت تتلمس المستقبل وترجوه لم تعد تشعر بغير الحاضر وويلاته والزمن وجناياته الا فما أحلى تلك الايام وما أعذب احلامها وما انطوت عليه وما امر ليالى الحزن وما اكثر مخاوفها . . الا فدعنى يا صديقى واذهب انت الى شؤونك وشجونك ودعنى انا الى مكامن ايام تعذبنى بأصدائها وتخيفنى بأشباحها . . عد أنت الى الحياة وأنا إلى النزع . . أنت الى الانس والالفة وانا الى الوحشة

والانفراد ، وعدت بذاكرتى للأغوار البعيدة وللأزمان السحيقة استطلع الكلمات والمعانى التى كانت تتراقص فى نفوس المفكرين الذين أرسوا قواعد الفهم والادراك والتحصيل وتذكرت ذلك الفيلسوف المفكر جان جاك روسو وتذكرت بالذات المقطع الذى كتبه عندما كان يحلم منفردا فى موقف لم يكن بعيدا عن موقف صاحبنا هذا واسترجعت المقاطع والتعابير والافكار ونسقتها وأطلقتها على صاحبى قائلا فى حنان بالغ وتأثر مجنح مكتوم :

(( كل ما فى الكون رهن الزوال وليس من شئ يستطيع ان يحتفظ بشكل محدد ثابت ثابت . فاحاسيس المودة التى تربطنا بما حولنا من أشياء تتغير ولا بد من تغيرها . فهى دوما تجرى امامنا أو تسعى خلفنا تسترجع الماضى الذى قد انقضى أو تستقبل الآتى الذي قد لا يقع . . وليس فيها جميعها شئ واهن يتعلق به القلب . ويكاد لا يكون فى دنيانا هذه شئ حوى لذة عابرة . اما السعادة الدائمة فاننى أشك فى ان احدا قد عرفها ويكاد لا يكون فى امتع لذاتنا لحظة واحدة يستطيع القلب ان يقول مخلصا (( كم اتمنى لو تدوم هذه اللحظة الى الابد ؟ . . )) واذن فكيف نستطيع ان نصف بالاسعاد حالة عابرة تترك القلب منقبضا فارغا . وتعقب المرء ندامة على شئ مضى وتعلله بأمل فى شئ سيتلوه ))

ونظر صديقى الى نظرة لمحت فى طياتها الانفعال بما رددته على سمعه وأجابنى بنفس المعنى وعلى لسان روسو قائلا :

ولكن : ان كانت هنالك حالة تستطيع النفس ان تجد فيها مستقرا تستريح فيه تماما وتستجمع هناك كل

وجودها دون ان تلجأ الى الارتداد الى الماضى او الامتداد نحو المستقبل . حيث الزمن بمثابة فراغ وحيث يستمر الحاضر غير منقطع ولكن دون ان يوجه الخاطر الى استمراره دون أدنى بادرة تشير الى تعاقبه ودون ان يخامر الانسان الى شعور بالحرمان والمتعة باللذة أو الألم ، بالأمل أو الخوف ، الا مجرد شعورنا بوجودنا . وبأن ذلك الاحساس وحده قادر على أن يملأه فعلى قدر دوام هذه الحالة يستطيع من وجد نفسه فيها ان يسمى نفسه سعيدا ، لا سعادة ضئيلة ناقصة نسبية كالتى نحسها فى ملذاتنا الدنيا بل سعادة موفورة كاملة كافية لا تترك ادنى فراغ فى الروح يسعدها ان تملأه . هذه هى الحالة التى كثيرا ما وجدت نفسى فيها وانا مستغرق فى أحلام خلوتى والتى قد تستجد وتنطبع فى مخيلتى وكيانى .

وتركته وذهبت بل قد عدوت خوفا من ان يصرعنى بأفكاره السوداء وخيالاتها البارقة واحلامه المثيرة التى لم اكن اعرف حتى ذلك الحين وحتى فيما تلاه من شهور وأعوام هل كان صاحبى فى مسلكه ذلك وطريقة تفكيره وقبوعه وهلوسته على حق فيما انتهجه أم لا !؟ وكان أملى الوحيد هو أن تكشف لى الازمان أو السنون الباقية من عمرى عن هذه العقدة وهذ الموقف الذى تذوقه صديقنا والذى ارتسمت فى عقله انطباعاته الدنيوية والحسية والعاطفية التى ستشله وتمحوه وتبدد راحته فى الحياة الدنيا مجتمعة .

( جدة )

اشترك في نشرتنا البريدية