الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

كتابات في الحنين :، من عجوز كئيبة .. إلى ابن لها في بلاد غريبة (*)!

Share

ابنى العزيز :

أبعث إليك بهذه الرسالة لتحدثك أخبارنا التى هى _ فى الوقت الحاضر_  طيبة والحمد لله ، غير أن والدك بدأ يحس ثقل الشيخوخة تنزل على كتفيه ، ونظرا إلى أن عينيه قد ضعف بصرهما ، فها أنذا - أمك العجوز - آخذ القلم لاحدثك عن أحوالنا ، فاعذرنى - يا بنى - إذا لم أكن أجيد فن الكتابة ، كما تعلم !

ابنى الوحيد :

أكتب إليك لتعلم أننا نحيا من زمان فى ضنك وضيق . فمنذ ثلاثة أعوام ، وقد فارقتنا ، لم يبتسم لنا الحظ ولو يوما واحدا ، ذلك أن النعيم والفرحة قد غادرانا بفراقك ، وحتى فى هذه السنة ، فكلنا فى عوز نتيجة البرد الشديد الذى نزل على حقلنا نزول الصاعقة تودى بالحقل الخصيب فلا تبقى منه على شئ ولا تذر ؛ زد على ذلك - يا بنى - أن بقرتنا الوحيدة قد اصيبت بداء عضال كلفنا علاجها ثمنا باهضا ، وأن عدد الأيام التى يعمل فيها أبوك أصبحت قليلة منذ أن عاد الى القرية رجال ما زالوا فى شرخ الشباب ، يقومون بالعمل المطلوب فى أسرع الاوقات .

ولست أنسى - يا ابنى - أن أخبرك بما كلفنا ترميم جزء من سقف بيتنا الذى طالما هدد بالانهيار إثر مطر غزير كاد يقضى على أركان الدار .

لكل هذا ، يرجو والدك أنه اذا استطعت أن تبعث إلينا ما به وعدتنا ، من غير أن تحرم نفسك حاجتها ، فان ذلك يفيد كثيرا عائلتنا .

صحيح إنه فى مقدور عمك وأهله أن يقرضونا شيئا من المال ، سيما وهم الأغنياء المترفون ، ولكننا لا نحب أن نمد إليهم يد السؤال ، حتى لا نظهر أمامهم بمظهر الفقراء المحتاجين .

ولدى الحبيب :

في كل يوم نري ابنة عمك ، وهى تزداد جمالا على جمال ، وأسعد لحظات حياتها هى التى تقضيها بقربنا متحدثة عنك ، متلهفة على لقائك ، معترفة أنها لا ترجو أكثر من أن تصبح شريكة عمرك ؛ ولكن أباها لا يريد أن نتحدث فى موضوع زواجك منها البتة ، لأنه يعتبرنا دونه مقاما ، ويعتبرك سئ السلوك على غرار ما كنت زمن الصبا .

ولكن , ورغم صلابة موقفه , فأنا واثقة أنك اذا تحصلت علي رتبة ( الماريشال ) ، وعدت الى البلد الأمين وأنت ترتدى الزى العسكرى الجميل , فان عمك سيلين آخر الأمر ، وسينطفئ غيظه الذى في الصدر .

أما أنا - يا بني - فانى أموت سعيدة عندما أراكما عريسين ، وقد ابتنيتما منزلا بجوار بيتنا ، تسكنان فيه ، وتسعدان به ؛ ولست أخفى عنك - يا ولدي - أن هذا المشروع الجميل هو محور سمرنا أنا ووالدك في كل مساء .

عزيزي ( جان ) :

لا تنس أن تبعث إلينا بشئ من المال نحن - والله - في أشد الحاجة اليه إذ لم نستطع حتى سد رمق الجوع بسبب ما حدثتك عن البرد النازل ، والسقف الساقط ، والبقرة الهازل ، والزوج العاطل . واعلم - يا ابنى - أن أباك لم يغمض له جفن ، منذ مدة ، ولا هدأ له بال ، بسبب تدهور الحال ، فلا تبخل علينا ، وأعنا بما تستطيع ولو بالنزر اليسير .

وداعا ، أيها الابن الغالي - واعلم أن كل الناس في القرية يسالون عنك وينتظرون يوم عودتك ، وأن الجيران يبلغونك السلام ويأملون رؤيتك فى أقرب الأيام .

أما أنا ، فأنت أدرى الخلق - يا جان - بأني لا أعرف الى الغبطة سبيلا منذ أن غادرتني . والسلام .                               من أمك التى تعبدك عبادة فرنسواز بيرال

اشترك في نشرتنا البريدية