الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

كتاب الحوادث والبدع، لابي بكر الطرطوشي، الطرطوشي

Share

متى ظهرت المصنفات فى البدع ) * ( يعسر ان نجيب على هذا السؤال فى مقدمة كتاب لكن لعله لا يخلو من فائدة ان نلاحظ بعض ملاحظات

ان التطور السريع الذى غير تغييرا بليغا الوضع العربى الاسلامى ، بل قلبه

احيانا راسا على عقب ، فى ظرف جيل واحد ، قد احدث امتعاضا شديدا فى قلوب اناس ألفوا ان يحيوا حياة ابائهم ، وآمنوا بان احسن سيرة فى الحياة هى احتذاء سيرة النبىء فى ادق جزئياتها ان الاخبار جمة فى هذا الصدد .

فلا عجب اذا ما ابدى هؤلاء انكارهم فى قسوة او مرارة كابى الدرداء بل لا عجب اذا ما سالت حقيقة دموعهم اسى وحسرة ، كالحسن البصرى او ربيعة ، على ماض جميل تولى . . . وحلت مكانه بدع ممقوتة  .

ولقد سجل الحديث فيما سجل ، باسلوبه المعهود ، اقوال هؤلاء . وهكذا تعكس لنا صفحة الحديث صورة لا يبعد ان تكون قريبة جدا من واقع القرنين الاول والثاني ان لم تكن الواقع نفسه ، ولا عبرة هنا بصحة نسبة القول لقائله اذ الانتحال يفيد فائدة الصحيح من نواح كثيرة

وهكذا فقد الفى من الف فى البدع فيما بعد الطريق ممهدة ، والمادة موفورة والمنهج مرسوما ، لكن الاوائل ، ان لم يبخلوا بالتانيب والانكار ، فقد ابدوا توقفا امام ولوج طريق التاليف فى الموضوع بل حذروا من فتح هذا الباب . فالامام مالك وقد كاتبه ابن فروخ من القيروان فى منتصف القرن الثاني يخبره ان البلد كثيرة البدع ويستشيره فى تاليف كلام لهم فى الرد عليهم - اجاب ( 1 )

" انك ان ظننت ذلك بنفسك خفت ان تزل او تهلك . لا يرد عليهم الا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم . ليس يقدرون ان يعرجوا عليه فان هذا لاباس به واما غير هذا فانى اخاف ان يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه او يظفروا منه بشئ فيتعلقوا به ويزدادوا تماديا على ذلك . قال ابو عبد الله - اشفق مالك ، رضى الله تعالى عنه ، ان يكون ذلك سببا لاظهار طريقة الجدل بافريقية فيؤدى ذلك الى اسباب يخاف من غوائلها ولا يأمن شرها ، فاراد حسم الباب " .

لكن لم يحسم الباب ولم يمض طويل زمن حتى الف فى البدع بالغرب ، الف في ذلك محمد بن وضاح القرطبي ) 197-286 ( وكتابه فى البدع والنهى  عنها اقدم كتاب بلغنا فى هذا الغرض . والف فى ذلك محمد بن سحنون ( 256-202 ( كتاب الرد على اهل البدع ( 1 ) ولم يبلغنا هذا الكتاب كما لم يبلغنا غيره مما سبق كتاب الحوادث والبدع ككتاب ابى زكريا يحى بن عون ( المتوفى سنة 298 في الرد على اهل البدع ) 2 ( وهذا طبعا مما يعطى لمؤلف الطرطوشى قيمة خاصة .

وقد الف الطرطوشى كتابه بمصر بعد سنه 480 كما يتضح من خلال اشارات النص

رأي القدماء فى كتاب الطرطوشى

ولم تخف هذه القيمة عمن ترجم للمؤلف ولا عمن نقل عنه فابن فرحون ) 3 ( يذكر الحوادث والبدع بين تآليف الطرطوشى الحسان فى الرتبة الثانية  وتعد تعليقته فى مسائل الخلاف

ويقول فيه أبو شامة ) 4 (

" وقد صنف الامام الشيخ ابو بكر محمد بن الوليد الفهرى الطرطوشى - رحمه الله - كتابا ذكر فيه جملا من بدع الامور ومحدثاتها التى ليس لها اصل فى كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا غيره وهو كتاب حسن مشحون بالفوائد على صغره اخبرنا به شيخنا العلامة ابو الحسن على بن محمد الهمدانى  قراءة منى عليه "

وكذلك فقد استمد منه ايضا ابن الحاج ) ٥ ( بعض معلوماته وان كان لا يستعمله الا نادرا ولا ينقل عنه نقلا حرفيا

محتويات الكتاب : يعرف الطرطوشي البدع فيقول

" فان قيل لنا . . فما اصل البدعة ؟ قلنا - اصل هذه الكلمة من الاختراع ، وهو الشئ يحدث من غير اصل سبق ولا مثال احتذى ولا ألف مثله . . هذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الالسنة ، وفيما تفعله الجوارح والدليل على هذا ما سنذكره فى اعيان الحوادث من تسمية الصحابة وكافة العلماء بدعا للاقوال والافعال "

فكل ما احدث اذن " من غير اصل سبق ولا مثال احتذى " بدعة ؛ وكل بدعة منكرة فى نظر المؤلف الذي لا يشير ، ولو ادنى اشارة ، الى البدعة المستحسنة . وحقل البدع شاسع جدا ، يعم جميع تصرفات الكائن البشرى من اقوال وافعال ، على ان كتاب الحوادث والبدع لا يتناول من هذا الحقل الا ركنا ضيقا جدا يهم مسائل قليلة كلها تدخل فى باب العبادات

ان التقى الشعبى تمادى على اعتقادات وثنية لم تمح ، وابتدع عبارات لم تكن وعاج بعمل التقوى نحو اللهو تلك هى المنكرات التى سدد نحوها الطرطوشى سهامه .

اسلوب المؤلف في النقل :

ان مصادر الطرطوشي كثيرة متنوعة غير ان الكاتب لا ينقل نقلا يفقد تأليفه  كل طرافة

فهو لا يذكر - وهذا يجب ان يلاحظ - مصنفات سابقيه فى فن البدع : لا يذكر مثلا كتاب محمد بن وضاح ، الاندلسي ايضا ، ولا كتاب محمد بن سحنون . فهل كان يجهل الكتابين ؛ ان كان ذلك فهو ، مهما يكن الامر ، لا يجهل المؤلفين اذ هو يورد بعض اقوالهما الفقهية .

ولا يجهل كتب الفقه عامة ، كالعتبية او المجموعة كما لا يجهل خاصة كتب الحديث التى تغذى بمادتها معظم الكتاب . فلقد اكتال الطرطوشى من بحر الاثار العديدة الواردة فى انكار الوان شتى من البدع كيلا وافيا .

لكن هل كان ذلك الاكتيال عفوا ، يخضع للصدف ، هل كان حبا فحسب فى احتذاء الاقدمين وانكار ما انكروا وان تغير الوضع ؟ كلا ان المشاهدة هى التى تشرح النقل وتكشف عن سر الاختيار - ينقل الطرطوشى من اقوال الايمة المحترمين ما فيه اعانة على انكار ما يشاهد حوله . ان فى تكرار الانكار دليلا على رسوخ العوائد المنكرة وثباتها وشيوعها فى زمن المؤلف وبعضها ما زال شائعا اليوم

اذا ما اعتبرنا هذا اتضح لنا ان " الحوادث والبدع " لا يخلو من الواقعيات الحسية وانه لا يدخل تماما فى زمرة كتب الفقه النظرى

الاسلوب الجدلى :

غير ان كتاب الحوادث والبدع ليس موجها الى العموم فحسب كي يقلعوا عما هم فيه  من منكرات الامور . فهو موجه ايضا الى الخصوم والمخالفين من اصحاب أبى حنيفة ، والشافعى ، ومالك ممن لا يطلع على اسرار المذهب واغوار الاصول ولم يتحقق بالكليات وانما نظر فى " الاطراف والجزئيات " فهو كتاب ارشاد من ناحية وكتاب جدل متحمس قاس احيانا على المعارضين من ناحية اخرى ألفه مولع بمسائل الاختلاف عارف بالاساليب المنطقية ، مناقش لكل رأي ولو كان الرأى رأى مالك لا يدع فرصة تمر الا وابرز تناقض المخالف ودحض حجة بحجة مرددا - فان قال . . . قلنا - حسب طريقة اهل الجدل المألوفة

ولا يتورع الطرطوشى ، خلال نقاشه ونضاله عن الاستنجاد بالمعتزلة كاصحاب اللطف منهم ليبين ما يوجد من حكمة الآهية فى تحريم القتال فى الاشهر الحرم مثلا .

فالكتاب لا يخلو من بعض حرية فكر واجتهاد . لكن يجب ان ننبه الى ان أقيسه الطرطوشى أقيسه فقهية كما يقول ابن رشد لا يؤتمن معها الزلل ويغتفر فى شأنها الاضطراب وقلة الاحكام

قيمة الكتاب :

لقد قصر الطرطوشى كتابه على تطهير العبادات مما دخلها من بدع لكن هذا الكتاب يتعدى قيمة اليوم بالنسبة لنا هذا الهدف الذى رسمه له مؤلفه ان الشعائر لها محيط اجتماعي تقام فيه ، ففي وصفها ووصف منكراتها خاصة ، وصف للبيئة واهلها ، وصف لا للتقاليد فحسب بل لعدد عديد ممن  انكروها وممن انكر عنهم ، وصف لامزجة وعقليات بسيطة شعبية كان لها اثرها البعيد فى توجيه الفقه الاسلامى واعطائه تلك الصبغة الخاصة التى جعلت منه سدى من اجوبة عن اسئلة ساذجة صادرة عن كل سليم صدر همه فى حكم دم البراغيث وشبهه

ان كتاب الحوادث والبدع متين الصلة بالشعب ، اى انه شعبى فى تبويبه واستطراده فى لهجته ومشاكله التى يريد لها حلا . عبثا تبحث به عن عميق التأملات فهو يجهلها وعبثا تبحث به عن وضع الامور مواضعها من الخطورة والتفاهة ، فهو يكاد يقسو عمن يشرب الماء غير مص او ياكل اللحم غير نهش قسوته عمن يحدث فى الدين زيغا والحادا : انه لا يعرف لسلم القيم كنها .

وهكذا تتجلى لك خلال الكتاب فلسفة خاصة تكشف عن بعض سر الماضى والحاضر ، فلسفة عمادها خلط الزمني بالروحى ووضع الامور كلها على بساط واحد سوى غير ذى عوج لا تبرز على سطحه فكرة تنير وتهدى ، ما سوى فكرة واحدة تشل فى الحقيقة اكثر مما تجذب . لقد آمن الطرطوشى ومن  سبقة ومن لحقه من الفقهاء بأن العصر الذهبى وراء ظهورنا . فكل " تطور يجب اذن ان يكون رجوعا وعودا على بدء . وقد فهموا هذا الرجوع الى طهارة الحياة الاولى أسذج فهم . ارادوه رجوعا لا الى القيم الروحية الخالدة التى تجعل كل أمة تحافظ على الامانة التى تكون روحها وميزتها بل الى طريقة لف العمامة حول الدماغ  والاستباك غير عرض . فنشأ عن هذا الاتجاه الفكرى حرص بليغ على وزن كل شئ فى الحياة بميزان الايمان والتقوى حتى الدقائق حرص أجف الدين وقصره على الشكليات ونزل به الى تتبع كل تافه من دون ان ينجح في اقامة سد لا يدك ضد تيار الحياة وان عاق وعطل المجرى واعان على الاستقرار والركود وعدم الايمان بالرقى من دون ان يمنع الفساد

فهذا الكتاب يهم المشتغل بالتشريع الاسلامى كما يهم المؤرخ والباحث الاجتماعى . فهو كتاب اصلاح يستمد معينه من نظرية الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ويدعو الى الرجوع الى السلف لا غنى لمن اراد ان يؤرخ يوما لحركة الاصلاح فى الاسلام عنه ) * ( .

اشترك في نشرتنا البريدية