نشرت مجلة ( شعر ) اللبنانية فى عددها 12 خريف 1959 " كتاب الشعر للفيلسوف ابى نصر الفارابى ، وهو ينشر للمرة الاولى . وقد حققه لها الدكتور محسن مهدى ، استنادا الى المخطوط رقم 812 فى المكتبة الحميدية في القسطنطينية . وهذا المخطوط يحوى جوامع الفارابي لكتب ارسطوطاليس المنطقية ( ما عدا كتاب السفسطة ) بما في ذلك كتاب الخطابة وكتاب الشعر الذي يرد في آخره ( ورقة 1122-1123 )
وراينا تتميما للفائدة نقله للقراء : ان للعرب من العناية بنهايات الابيات التى فى الشعر اكثر مما لكثير من الامم التى عرفنا اشعارهم . فاذا (1) انما تصير أكمل وأفضل بالفاظ ما محدودة ( اما غريبة واما مشهورة ) ، وان تكون المعاني المفهومة عن الفاظها أمورا تحاكى الامور التى فيها القول ، وان تكون بايقاع ، وان تكون مقسومه الاجزاء ، وان تكون أجزاؤها فى كل ايقاع سلابات ( 2 ) واسباب واوتاد محدودة العدد ، وان يكون ترتيبها فى كل وزن ترتبيا محدودا ، وان يكون ترتيبها فى كل جزء هو ترتيبها فى الآخر ( فان بهذا تصير أجزاؤها متساويه فى زمان النطق بها ) ، وان تكون الفاظها في كل وزن مرتبة ترتيبا محدودا وان تكون نهاياتها محدودة ( اما بحروف بأعيانها او بحروف متساوية في زمان النطق بها ) ، وان تكون الفاظها ايضا كالمحاكية للامر الذى فيه القول ، ثم تكون ملحنة . فبعض الامم يجعلون النم التى يلحنون بها الشعر أجزاء للشعر كبعض حروفه حتى ان وجد القول دون اللحن بطل وزنه كما لو نقص منه حرف من حروفه بطل وزنه ، وبعضهم لا يجعل النغم كبعض حروف القول ولكن يجعلون القول بحروفه وحدها وذلك مثل اشعار العرب ، وهذه اذا لحنت فربما خالف ايقاع اللحن ابقاع القول فيزول عندما يلحن ايقاع القول نفسه واولئك ( 3 ) انما جعلوا النغم كبعض حروف القول حذرا من ان يبطل وزن القول اذا لحن به . والجمهور وكثير من الشعراء انما يرون ان القول شعر متى كان موزونا مقسوما باجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية ، وليس يبالون ( 122 ب ) كانت مؤلفة مما يحاكى الشئ أولا ، ولايبالون بالفاظه كيف كانت بعد ان تكون فصيحة في ذلك اللسان بل يؤثرون منها ما كان مشهورا سهلا . وكثير منهم يشترطون فيها مع ذلك تساوى نهايات أجزائها ، وذلك اما ان تكون حروفا واحدة باعيانها او حروفا ينطق بها فى ازمان متساوية . ويبين من فعل او ميروش ( 4 ) شاعر اليونانيين انه لا يحتفظ بتساوى النهايات
والقول اذا كان مؤلفا مما يحاكى الشئ ولم يكن موزونا بايقاع فليس يعد شعرا ولكن يقال هو قول شعرى فاذا وزن مع ذلك وقسم اجزاء صار شعرا فقوام الشعر وجوهره عند القدماء هو ان يكون قولا مؤلفا مما يحاكى الامر وان يكون مقسوما بأجزاء ينطق بها فى أزمنة متساوية ، ثم سائر ما فيه فليس بضرورى فى قوام جوهره وانما هي أشياء يصير بها الشعر افضل . واعظم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة وعلم الاشياء التى بها المحاكاة ، واصغرهم الوزن . والخطاية قد تستعمل شيئا من المحاكاة يسيرا ، وهو ما كان قريبا جدا واضحا مشهورا عند الجميع . وربما غلط كثير من الخطباء الذين لهم من طبائعهم قوة على الاقاويل الشعرية فيستعمل المحاكاة ازيد مما شأن الخطابه أن تستعمله ، غير انه لايونق به . فيكون قوله ذلك عند كثير من الناس خطبة( 1 ) بالغة (2) وانما هو في الحقيقة قول شعري قد عدل به عن طريق الخطابة الى طريق الشعر . وكثير من الشعراء الذين لهم ايضا قوة على الاقاويل المقنعة ويزنونها فيكون ذلك عند كثير من الناس شعرا وانما هو قول خطبي عدل به عن منهاج ( 3 ) الخطابة . وكثير من الخطباء يجمع فى خطبته الامرين جمعا وكذلك كثير من الشعراء وعلى هذا يوجد أكثر الشعر ( 4 ) .
والاقاويل الشعرية هى التى شأنها ان تؤلف من أشياء محاكية للامر الذي فيه القول ، فان محاكاة الامور قد تكون بفعل ، وقد تكون بقول . فالذى بفعل ضربان احدهما ان يحاكي الانسان بيده شيئا ما ) مثل ان يعمل تمثالا يجاكي به انسانا بعينه او شيئا غير ذلك ( او يفعل فعلا يحاكى به انسانا ما او غير ذلك . والمحاكاة بقول هو ان يؤلف القول الذى يضعه او يخاطب به من امور تحاكى الشئ الذى فيه القول وهو ان يجعل القول دالا على امور تحاكي ذلك الشئ . ويلتمس بالقول المؤلف مما يحاكى الشىء تخييل ذلك الشئ ، اما تخييله فى نفسه ، واما تخييله فى شىء آخر ، فيكون القول المحاكى ضربين ضرب يخيل الشىء ( 5 ) نفسه وضرب يخيل وجود الشئ فى شئ آخر كما تكون الاقاويل العلمية فان احدهما يعرف الشئ فى نفسه مثل الحد والثاني يعرف وجود الشيء في الشيء آخر مثل البرهان . والتخييل ههنا مثل العلم في البرهان والظن في الجدول والاقناع في الخطابة . فان افعال الانسان كثيرا ما تتبع تخيلاته ، وذلك انه قد يتخيل شيئا فى أمر ( أمر)( 6) فيفعل في ذلك ما كان يفعله لو اتفق بالحس او بالبرهان وجود ذلك الشىء فى
هو مر لايرد فى وسالة الفارابى " فى قوانين صناعة الشعراء " .
ذلك الامر ، وان اتفق ان يكون الذى خيل له ليس كما خيل ، مثل ما يقال ( 7 ) الانسان اذا نظر الى شىء يشبه بعض ما يعاف فانه يخيل اليه من ساعته في ذلك الشئ انه مما يعاف فتقوم نفسه منه وتتجنبه وان اتفق انه (1123) ليس فى الحقيقة كما خيل له . كذلك يعرض للانسان عندما يسمع الاقاويل التى تحاكى فتخيل فى الشىء امرا ما . وذلك ان الذى يراه ببصره فيخيل اليه امرا ما في ذلك الشئ ولوصف له ذلك بعينه بقول فان ذلك القول كان يخيل له فى ذلك الشئ الامر بعينه الذى خيل فيه ما رآه يبصره ، وذلك مثل الاقاويل التى تخيل الحسن فى الشىء او القبح فيه أو الجور او الخسة أوالجلاله فان الانسان كثيرا ما تتبع افعاله تخيلاته ( 8 ) وكثيرا ما تتبع ظنه او علمه وكثيرا ما يكون ظنه او علمه مضادا لتخيله فيكون فعله بحسب تخيله لا بحسب ظنه به او علمه . فلذلك صار الغرض المقصود بالاقويل المخيلة ان تنهض بالسامع نحو فعل الشئ الذى خيل له فيه امر ما ( من طلب له او هرب عنه ومن نزاع او كراهة له او غير ذلك من الافعال من اساءة او احسان ) سوا صدق ما يخيل اليه من ذلك ام لا ، كان الامر في الحقيقة على ما خيل او لم يكن
وكما ان الانسان اذا حاكى بما يعمله شيئا ما ربما عمل ما يحاكى به نفسه وربما عمل مع ذلك شيئا يحاكي ما يحاكيه ( فانه ربما عمل تمثالا يحاكى زيدا وعمل مع ذلك مرآة يرى فيها تمثال زيد ) كذلك ( 9 ) نحن ربما لم نعرف زيدا فنرى ( 10 ) تمثاله فنعرفه بما يحاكيه لنا لا بنفس صورته ، وربما لم نر تمثالا له نفسه ولكن نرى صورة في المرآة فتكون قد عرفناه بما يحاكى ما يحاكيه فنكون قد تباعدنا عن حقيقته يرتبتين . وهذا بعينه يلحق الاقاويل المحاكية فانا ربما الفت عن اشياء تحاكي الامر نفسه ، وربما الفت عما تحاكى الاشياء التى تحاكى الامر نفسه ، وعما تحاكى تلك الاشياء فتبعد فى المحاكاة عن الامر يرتب كشرة . وكذلك التخيل للشئ عن تلك الاقاويل فانه يلحق تخيلة هذا الرتب . فانه يتخيل الشئ بما يحاكيه بلا توسط ويتخيل بتوسط شى واحد ويتوسيط شيئين على حسب القول الذى يحاكى الشىء . وكثير من الناس يجعلون محاكاة الشئ بالامر الابعد اتم وافضل من محاكاة بالامر الاقرب ويجعلون الصانع للاقاويل التى بهذه الحال احق بالمحاكاة وادخل فى الصناعه واجرى على مذهبها .
