من تراثنا القديم الذي تنشره المكتبة العتيقة ، نتحدث اليوم عن كتاب نفيس هو من أهم المراجع لتاريخنا القومى الى أواخر القرن الرابع الهجرى وهو من الكتب التى كانت تعد مفقودة فى السوق الى عهد قريب ، والتى لم تحظ الى حد الآن رغم قيمتها بطبعة جيدة - هذا الكتاب هو المؤنس فى أخبار افريقية وتونس لمحمد بن أبى دينار القيروانى - وقد طبعته الحكومة التونسية للمرة الاولى بالرائد الرسمى سنة 1286 ه . ثم أعادت طبعه مطبعة النهضة فى عام 1350 والذين وقعت فى أيديهم هذه الطبعة الاخيرة يعرفون ما فيها من نقص من الناحيتين المادية والعلمية . وقد قدم لهذه الطبعة الجديدة السيد محمد شمام
أما المؤلف فحياته يشوبها كثير من الغموض ولد بالقيروان وولى القضاء بها وبسوسة ، ويثبت السيد محمد شمام أن كتاب المؤنس فى أخبار افريقية وتونس مستمد من كتب ابن الشماع والزركشى لا يعرف المؤرخون تاريخ ولادة ابن أبى دينار ولا تاريخ وفاته ، فغاية ما يعرف عنه أنه عاش فى أواخر القرن الحادى عشر ه . أما أما ابن الشماع السند الاول للمؤلف فهو من أبناء القرن الثامن وأواخر القرن التاسع وقد طبع له فى تونس كتابه المعروف بالادلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية . والسند الثانى لصاحب المؤنس هو الزركشى من رجال القرن التاسع وله تاريخ للدولتين الموحدية والحفصية والكتاب مطبوع بتونس أيضا .
وقد ذكر ابن أبى دينار فى المقدمة السبب الذى حمله على التأليف فلم يكن إلا موت أحد أبنائه وأراد أن يتعزى بالكتابة فجمع ( ما كان متفرقا بالرواية والسند ) ، وجعله ( مقام تبريد اشتعال الكبد بموت الولد ) . ويشتمل الكتاب على سبعة أبواب : الباب الاول فى التعريف بتونس ( العاصمة ) والباب الثانى فى التعريف بافريقية ، والباب الثالث كيف فتحتها الجيوش الاسلامية ، والباب الرابع كيف استولى عليها الخلفاء العبيدية ، والباب الخامس فى الامراء الصنهاجية والباب السادس فى الدولة الحفصية ، والباب السابع فى الدولة العثمانية .
وللوقوف على طريقة المؤلف رأينا أن ننظر فى أحد هذه الابواب . كيف أرخ ابن أبى دينار للدولة الحفصية ؟ لقد بدأ الفصل الاول من الباب السادس
بخلاصة تاريخية قصيرة حتى وصل . فربط بين فساد الاحوال السياسية والاجتماعية وظهور المرابطين الملثمين بالمغرب وهم من بربرلمتونة ، ولم يتسم سلطانهم يوسف بن تاشفين بأمير المؤمنين إلا عندما قام عليه المهدى ، ثم أوصى يوسف بالخلافة لعبد المؤمن وبقيت فى أحفاده حتى ظهور دولة بنى مرين ، ثم ضعفت هذه الدولة فاستقل بنو حفص بافريقية وكانوا عمالا لبنى عبد المؤمن وتتخلل سطور هذه الخلاصة السريعة ملاحظات بعيدة عن الموضوع كرأيه فى بنى أمية ، والحكم عليهم لخروجهم فى الفتنة الكبرى عما سماه بالجماعة ، ويفاجأ القارىء باستطراد يؤدى به الى الاندلس وتاريخ امرائها واستيلاء الروم على مدنها وحتى أقوال بعض الشعراء فى أحوالها حينذاك . وبعد أمويى الاندلس يؤرخ ابن أبى دينار فى هذا الفصل للادارسة حتى يصل الى يوسف بن تاشفين من المرابطين فلا تعرف عنه مما قال الا النزر القليل وهو زهده ولباسه الصوف ، وقد يلفت نظر القارىء فى هذا الفصل دعوة أهل الاندلس ليوسف عندما قويت عليهم شوكة النصارى فاستغاثوا بمسلمى المغرب . فلم يذكر ابن أبى دينار هذه الدعوة التى وصلت الى يوسف من أمراء الطوائف كما تذكرها الكتب الاندلسية وغيرها من الامهات ، ومعروف أن المعتمد بن عباد أمير اشبيلية لم يلتق بيوسف الا فى المرة الثانية . وزيارته الى المغرب لمقابلة الامير المرابطى فيها كثير من الاخبار والاشعار التى تبين لنا تخوف بعض الاندلسيين من جند يوسف وأوصاف شيقة لدخول المسلمين الى الموانى الاندلسية .
وقد أجمل ابن أبى دينار فى فقرة ما كان جديرا بأن نستشف منه الكثير من المعاملات الدالة على أخلاق الامراء المؤرخ لهم واختلاف طبائع الامم وخاصة مسلمى الاندلس ومرابطى المغرب جاء فى ذلك قوله ( ولما شاع ذكره فى الوجود يعنى يوسف بن تاشفين ، بعث اليه أهل الاندلس لنصرتهم لان عدو الدين تغلب على أهل الجزيرة وكان رسولهم المعتمد بن عباد فقيه فى أحواز طنجة فشكا اليه بحال أهل الجزيرة وما عليها من الخوف والذل فوعده بالمسير اليهم وبعث الى جميع عماله يرغبهم فى الجهاد ويستفزهم معه فاجتمع له خلق عظيم ودخل الى الاندلس بجيوش المرابطين بقصد الجهاد سنة تسع وسبعين وأربعمائة وكانت له بها الواقعة المشهورة بواقعة ( الزلاقة ) هذا كل ما قاله صاحب المؤنس فى دخول المرابطين الى الاندلس والتحامهم بالنصارى فى معركة الزلاقة وغير خاف على أهل العلم أن هذه المعركة كانت من مفاخر المسلمين بالاندلس وأن الاشعار التى قيلت فيها كثيرة ، ناهيك أن من المؤرخين من يزعم أن المسلمين جمعوا رؤوس القتلى وأذنوا فوقها . وخلع المعتمد بن عباد جدير وحده بأن يستوقف المؤرخ والاديب فى نفس الوقت ، ولا نظن أن تاريخ الادب حفظ للمعتمد فيما حفظ أحسن من شعره فى السجن بأغمات فلم يذكر ابن أبى دينار من هذا الشعر بيتا واحدا
هذا ما أثبته أخذا عن المصادر القديمة الا أننا نستطيع أن نحكم عليه من
خلال تاريخه لعصره وقد أرخ فعلا للبايات وشهد بعض الفتن ومدح مراد باى فى واقعة الملاسين . ويذكر ابن أبى دينار عن هذه الواقعة أن الداى شاء افتكاك الحكم من الباى سنة ثلاث وثمانين وألف ، ، وقامت إثر ذلك فتنة كبيرة استعملت فيها المدافع ، وقد دخل الاعراب تونس فى هذه الواقعة وعاثوا فيها فسادا حتى تبعهم الباى واسترجع ما نهب من أمواله ، وقد مدحه المؤلف بقصيدة تزيد على المائة بيت ذكر بعضها كقوله :
فقالوا تؤم لبعض الملوك فقلت أصبتم فهذا مراد
بتونس آنسها قدره فصارت كما قيل ذات العماد
له همة بلغت للسها وصورته عن ظهور الجياد
إذا ما علا أظهر الصاخنات يزحزح فى الارض صم الجماد
وهو كما ترى شعر سخيف لا روح فيه إلا أن هذا القسم من الكتاب هو أهم ما فيه . فالمعلومات التى يجمعها الباحث من تاريخ البايات نفيسه وقول المؤلف حجة لأنه عاش هذه الفترة . ولا يخلو المؤنس من فوائد أخرى رغم العيوب المذكورة آنفا فقد ذكر بعض العادات فى مدينة تونس كالاحتفالات الدينية والاعياد وكذلك بعض التراجم
ولنا بعد هذا كله أن نتساءل عن عمل السيد محمد شمام الذى حقق الكتاب وعلق عليه . لا شك أن الذين لم يسعفهم الحظ ليقتنوا نسخة من طبعة النهضة لكتاب المؤنس يبتهجون بطبعة جديدة فى السوق ، واذا كانت هذه الطبعة لا تمتاز بشىء يذكر عن سابقتها من الناحية المادية فان فهرست الكتاب قد تغرى باقتنائها رغم عيوبها . والفهارس الموجودة فهرست الاعلام وفهرست القبائل والطوائف وفهرست البلدان والاماكن وفهرست التصويت أما فهرست الموضوعات فهو لا يسمن ولا يغنى من جوع ، اذ أنه لا يعدو وضع عناوين لفقرات وأحيانا لاشارة سريعة فى سياق الحديث كوضع هذا العنوان الفخم فى الصفحة الواحدة والتسعين بعد المائتين : ابن خلدون مع تيمورلنك لسطرين جاء فيهما ذكر ابن خلدون وتيمورلنك ، فما الفائدة من هذه العناوين ألا يكفى فهرس الاعلام واذا كان لا بد من تقسيم الكتاب فلتذكر فصوله الكبرى بطريقة واحدة . هذا نقوله لصاحب المكتبة العتيقة الذى أخذ على عاتقه احياء التاريخ حتى لا تضيع الجهود وتدرك الغاية

