الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

كتاب :النقد الأدبى

Share

نقد وتعريف

نستطيع ان نقول ، وكلنا ثقة ، بأن المكتبة العربية الزاخرة بأشتات من التواليف

والتصانيف في كل باب من ابواب العربية كان ينقصها حتى هذه اللحظة كتاب للقراء والنقاد على السواء .

شامل لبيان طرائقالنقد   في القديم والحديث كهذا الكتاب الذي نعرضه اليوم

ولانكون مغالين او مجاوزين الصواب إذا قلنا إنه مؤلف فريد فى بابه جديد في لبابه يمهد للناقد الاديب  طريق النقد الصحيح المبنى على قواعد وأسس علمية فنية نفسية فى آن .

فالمؤلف لم يترك بابا من أبواب الادب العربي إلا ولجه وخاض فيه الخوض الوافى بالغرض الذي من اجله الف كتابه ، فهو ينتقل من بيان القيم الشعورية والقيم التعبيرية فى العمل الادبي بيانا شافيا قائما على الروية والاتزان ، إلى الكلام على ادب القصة والاقصوصة والتمثيلية وبيان مزايا كل وخصائصه وسماته فى دقة وعناية فائقتين ، ويحمله هذا الى البحث فى الخاطرة والمقالة والبحث ، مبينا ماهية كل وطريقة السير فيه ومعالجته ، حتى اذا انتهى منه اخذ فى الموازنة بين النقد الادبي

القائم على الفلسفة من جهة ، والعلم من جهة اخرى ممهدا " للخلوص الي المنهج الادبي التكاملي بنواحيه الفنية والتاريخية والنفسية.

ولقد قدم الاستاذ كتابه القيم بكلمة تحدث فيها عن النقد الادبي ، فأبان أن وظيفته هى " العمل الادبى من الناحية الفنية وبيان قيمته الموضوعية ، وقيمته التعبيرية والشعورية وتعيين مكانه من سير الادب ، وقياس مدى تأثره بالمحيط وتأثيره فيه ، وتصوير سمات صاحبه وخصائصه الشعورية والتعبيرية وكشف العوامل النفسية التى اشتركت في تكوينه والعوامل الخارجية كذلك " وأفاض فى بيان ذلك كله بطريقة واضحة غير ملتوية وبيان سهل - غير منحل - وديباجة مشرقة وعبارة جزلة ، ممثلا لما يحتاج منها الى تمثيل بالبيت أو البيتين أو الابيات التى تثبت القاعدة ولا تشذ عن المقصود.

وأما ان النقد الادبي ومعظم ما كتب فيه وما يكتب لا يخرج عن اجتهاد وااعتقاد كما يقول ، فذلك حق وصدق مادامت الاصول والقواعد والاسس الصحيحة والمناهج المقررة لم تحدد التحديد الذى يعرف الناقد كيف ينقد ويسير فيه ولا يخرج به عن هذه القواعد والاصول .

ولكن ليس معنى هذا أن المكتبة العربية لا تحتوى من كتب النقد وأصوله وقواعده ومناهجه شيئا على الاطلاق ، وإنما معناه ان اكثر المؤلفات ، وبخاصة فى هذا الباب قد قام بتصنيفها نفر من رجال الغرب وهم بالطبيعة والسليقة والاحساس دخلاء على العربية لا يتذوقونها تذوق اهلها والمفطورين عليها ، فهى بالنسبة لهؤلاء لغة الاصل والعرق والدم والوراثة ، على مدى الزمن من يوم وجد شىء اسمه اللغة وشىء اسمه الضاد :

هذه الاسباب مجتمعة هى التى دفعت الاستاذ المؤلف إلى تأليف هذا الكتاب ومحاولة وضع اصول ثابتة وقواعد راسخة واحكام مقررة تقوم على مناهجها طرائق النقد الادبى الحديث .

ولقد بين الأستاذ المؤلف في صدر الكتاب أن النقد الادبى موضوعه هو ( العمل الادبي ) فما المراد بالعمل الادبى ليكون موضوعا للبحث والدراسة

والاستقصاء ؟ لاشك أنه ( التعبير عن تجربة شعورية فى صورة موحية ) . وعلى ذلك فكل عمل أدبى لا يمس الشعور ولا يوحى الى القارئ او السامع بالتأثير والانفعال الوجدانى لا يحسب من العمل الادبى فى شىء ، لأن الشعور فى العمل الادبي هو قلبه الخافق ودمه الدافق ، والانفعال جزء منه ودليل عليه ، فاذا جاوز العمل الادبى منطقة الشعور أو العاطفة الى منطقة العقل أو التفكير فحسب ، فقد تعدى إلى الناحية الموضوعية القائمة على قواعد العلم النظري البحت وفقد بذلك اهم ميزة من ميزاته وهى التجربة الشعورية التى يجب توافرها فى العمل الادبى على العموم.

ومناط الحكم على قيمة العمل الادبي ، ليس موضوعه - أيا كان الموضوع - وإنما التصوير المعبر الموحى ؛ والانفعال الناشئ عن هذا التصوير هما القصد والغاية المرجوة منه أولا وأخيرا .

على أنه لا يجب أن يفهم من هذا ان الادب عدو للحقائق الثابتة التى لا تحتمل الانكار ، وإنما المهم أن تصبح هذه الحقائق بحيث تتجاوز منطقة العقل الباردة الى منطقة الشعور الحارة الزاخرة بفيوض الاحساسات والانفعالات .

ولاشك فى أن التجربة الشعورية سابقة للتعبير فهى مادته الادبية ، وكل تجربة لا يلازمها التعبير الموحى لا تعد من العمل الادبى او انها تعد كذلك ولكن من وراء قضبان كثيفة ، تمنعها عن الانطلاق والايحاء المسبب للتأثر والانفعال .

وإذا كانت غاية العمل الأدبى ؛ كما قلنا ، هى مجرد التعبير عن تجربة شعورية سابقة تعبيرا موحيا مسببا للإثارة والانفعال ، فهل تراه يستحق من الكاتب بل من الانسانية ان تشغل به نفسها عن عالمها المادى المحسوس؟

الجواب : لاشك بالاثبات كالثابت الوارد فى كتاب المؤلف حيث يقول : ( نعم ) فليس بالقليل ان يضيف الفرد الفانى المحدود الافاق الى حياته صورا من الكون والحياة ، كما تبدو فى نفس انسان ملهم ممتاز هو الاديب .

وكل تجربة شعورية يصورها أديب تصبح ملكا لكل قارئ مستعد للانفعال بها ، فإذا انفعل بها فقد أصبحت ملكه وأضاف بها الى رصيده من المشاعر صورة جديرة ممتازة .

ولحسن حظ الانسانية التى لا تملك من العالم المادى المحسوس الا حيزا ضئيلا محدودا أن فى استطاعتها أن تملك من العوالم الشعورية آمادا وأنماطا لا عداد لها وكلما ولد اديب عظيم ولد معه كون عظيم ، لأنه سيترك للإنسانية في ادبه نموذجا من الكون لم يسبق أن رآه إنسان .

وكل لحظة يمضيها القارئ المتذوق مع اديب عظيم ، هى رحلة فى عالم تطول أو تقصر ، ولكنها رحلة فى كوكب متفرد الخصائص ، متميز السمات .

والمؤلف لكي يدلل على مقدار الأثر الذي يتركه الأديب فى كل قلب ، والصدى الذي يخلفه فى كل أذن ، يضرب أمثلة متنوعة من اقوال تاجور والخيام وتوماس هاردى ، والمعرى والمتنبى وابن الرومى وغيرهم ثم يقول فى مقام التدليل : " فنحن مع تاجور فى عالم راض سمح ودود متجاوب متجاذب حنون ، وفي كون تمسك أطرافه وتجمع عناصره خيوط رفيقة عميقة ساربة كأنغام الموسيقى فى اللحن الكبير . ونحن مع الخيام فى عالم حائر ملهوف معجل يخبط فى الظلام ، فلا تهديه شعاعة من نور ، ولا بصيص من ضياء . ونحن مع توماس هاردى في عالم بائس قانط لارجاء فيه ولا عزاء ، عالم تقسو فيه النظم الكونية على البشر فتحطم آمالهم وتعبث بمطامحهم ولا تدع لهم حتى عزاء العواطف والمشاعر . . الخ

وهكذا نجدا لكل عالم طعمه وجوه وطابعه وسماته ، ولكن تختلف آفاق هذا العالم سعة وضيقا وارتفاعا وانخفاضا ، ويتسم كل عالم بخصائص صاحبه ومميزاته "

ومهما يكن الأمر فإنه يجب على الناقد النزيه والأديب الأريب ان يتفهم جيدا هذه الحقيقة وهى أن كل عمل أدبى لابد أن يكون " تعبيرا لتجربة شعورية بصورة موحية ؛ فإن لم يكن  كذلك فقد فقد قيمته الأصيلة وخاطب العقل لا القلب ولم يترك الأثر المرجو فى المخاطب وهو الاستجاشة والانفعال . وعليه فقد وجب على القارئ او الناقد حين يتناول العمل الأدبى أن ينظر بادئ ذى بدء هل هو نتيجة تجربة شعورية ؟ وهل هذه التجربة موحية تثير الانفعال وتحرك فى النفس الكوامن بالفرح أو الترح ، وباللذة أو الألم ؟ فإن كان الجواب

بالإثبات فهو عمل أدبى يستأهل النظر والتقدير ويستحق تسميته الأدب كما يستحق تسمية صاحبه بالأديب .

وبعد : فقد امتد حبل المقال ونحن لانزال على الشاطئ - كما يقولون - وفى جانب واحد من جوانب الكتاب المتعددة ، ومهما حاولنا الإلمام بجوانبه الأخرى فلن يغني القارئ ذلك عن قراءة هذا الكتاب المشحون بالطريف الصحيح من قواعد النقد وأصوله ، هذه القواعد والأصول التى بدأت منذ ظهوره ، تأخذ مكانها من باب النقد على انها أحكام واقيسة يعمل بها ويقاس عليها فى مقام النقد الادبى عموما .

ولا يفوتنا أن نقول : إن الكتاب فيه مواضع قد عبث بها للتطبيع حينا والتصنيع احيانا ، ونرجو آملين ان تتاح لنا الفرصة بالعودة إلى هذه المواضع وتصحيح مالحق بها من هنات حتى يستوفى الكتاب كماله المنشود.

وختاما ، نقدم التهنئة الخالصة للأستاذ المؤلف تلقاء ما بذله . من جهد فى إتمام كتابه القيم " النقد الأدبي " تحفة المكتبة العربية الحديثة . . كما نقدم الشكر الخالص والتحية العاطرة للأستاذ الكاتب الأديب صاحب ( المنهل ) الغراء بنشر هذه الكلمة العابرة فى تضاعيف منهله العذب الكثير الزحام والسلام.

مصر : الزيتون

اشترك في نشرتنا البريدية