الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

كتاب تاريخ مدينة جدة

Share

فى تاريخنا القديم يلاحظ الباحثون - دواما - فراغا هائلا من حيث قلة المؤلفات عن هذا التاريخ خلافا لبعض الاقطار حيث حظيت بعشرات الكتب تصور ماضيها فى اسهاب يعطى القارئ صورة ، ان لم تكن كاملة كما ينبغى لما يتخلل معظمها من مغالاة . . او من نقص فى بعض المواطن . . او عدم شمول فى مواطن اخرى ، فهى على الاقل تزود القارئ بالكثير من المعلومات ، وخاصة عن الأحداث السياسية ، وهى ناحية رئيسية من نواحى التاريخ لا شك فى اعميتها .

والحق اننا فيما يختص بالحرمين الشريفين نجد بعض المؤرخين من رجالهما ، وبعض الرحالة من الخارج قد عنوا عناية ملحوظة بتدوين تاريخهما فوضعوا عنهما اشتاتا من الكتب . . ومنهم من اكتفوا بوصف جانب من جوانب الحياة فى كل منهما كاصحاب الرحلات القديمة والحديثة ، وكبعض الاوربيين . . لكنا مع ذلك نفتقد فى هذه الكتب العرض الشامل الدقيق لتاريخ الحرمين:

فاذا ما التفتنا إلى باقى انحاء جزيرتنا العربية ، نجد امامنا هذا الفراغ فى صورته المجسمة . . نعم ان هنالك بعض الكتب المؤلفة عن قلب الجزيرة وعن شمالها وجنوبها ، ولكنها مع ذلك لا تشفى الغليل !

وحديثنا هنا خاص بمدينة جدة بمناسبة صدور هذا الكتاب عن تاريخها للاستاذ عبد القدوس الانصارى فاذا ما اردنا ان نبحث عن الكتب القديمة او الحديثة المؤلفة عنها لا نجد امامنا عنها سوى كتيب صغير - ولعله الوحيد - ونعنى به كتاب " السلاح والعدة فى فضل ثغر جدة ، ومع ذلك فهو قاصر على ايراد المأثور من فضائلها كما نفهم ذلك من عنوان الكتاب . . وطبعى ان هذا النوع من الكتب لا يمكن ان يندرج فى عداد الكتب التاريخية !

عن أجل ذلك ظلت الحاجة هامة جدا الى ظهور كتاب شامل مستوف عن تاريخ مدينة جدة يتناول بالشرح المستوعب ماضيها الطويل العريق .

والواقع ان هنا ما قام به مؤلف " تاريخ مدينة

جدة " بل قام باكثر من ذلك وهو ان كتابه هذا الضخم لم يقتصر على التاريخ الماضى ، وانما اضاف اليه بالنسبة لهذه المدينة لمحات من تاريخها الحديث .

ولست اشك فى اننا إذا نظرنا إلى ضخامة هذا الكتاب والى موضوعاته الكثيرة المنوعة . . ثم نظرنا إلى انعدام المصادر الخاصة بمدينة جدة بالذات ، والى ضآلة ما ذكره عنها المؤرخون والرحالة فى كتبهم العامة ، وفى رحلاتهم ، إذا نظرنا إلى كل ذلك ، ادركنا اى جهد شاق ، واى ارهاق تحملهما مؤلف الكتاب .

ثم ان نظرة عابرة الى قائمة المصادر الواردة فى آخر الكتاب ، وقد تجاوزت مائة كتاب . . عدا ما احتاج المؤلف إلى مراجعته من وثائق ومن تقارير رسمية ، ومن صحف ومجلات ، ومن كتب باللغات الأخرى ، الى جانب من استفاد من معلوماتهم من رجال موثوقين اورد لنا اسماءهم فى كتابه - هذه النظرة تزيدنا يقينا بان الكتاب بذل فيه مؤلفه من العناء ما يمكن ان يتوزع على عدد من الباحثين ويبقى بعد ذلك هذا العناء ظاهرا وملموسا . .

ونحن حينما نطالع هذا الكتاب فى صفحاته السبعمائة . . مستعرضين فصوله فصلا فصلا ، تلفت نظرنا لاول وهلة هذه الطريقة الفاحصه والناقدة فى كل فصل من هذه الفصول ، ولو اراد المؤلف ان يريح نفسه بعض الشئ لا كتفى بمجرد السرد للاحدث والوقائع برواباتها المتعددة ، ونصوصها المتباينة .

وحسب الكتاب بعد هذا ميزة وأهمية ، انه الكتاب البكر فى موضوعه الذى جال فيه . وله فى ذلك اسوة واية اسوة بالكثيرين من المؤرخين !

ولكنه فى حرصه على ان يلتزم المنهج التاريخى الحديث مضى فى كتابه يبحث ويستقصى ويوازن ويستنتج ويفحص ويرجح . . . وهو حين يرجح رواية من الروايات لا يكتفى بمجرد الترجيح وانما يبدى لك ترجيحه ومعه الدليل .

شئ اخر حرص عليه مؤلف كتاب " تاريخ مدينة جدة " ايضا مما زاد كتابه طرافة وجدة وشمولا ، وهو انه لم يقصر تاريخه على احداث السياسة واخبار الوقائع والحروب والفتن وما اليها ، وما يستتبع ذلك من الاقتصار على تواريخ الحكام . . كما هو العهد فى اغلب كتب التاريخ ، وخاصة القديمة منها . . وانما حرص المؤلف كل الحرص على أن يؤرخ لنا - إلى جانب التاريخ السياسى لمدينة جدة - تاريخها الاقتصادى والاجتماعى والعلمى والعمرانى ، هذا عدا ما أفاض فيه حديثه عن عادات المدينة وتقاليدها وعن الآثار والفنون فيها ، وعن تشكيلاتها الحكومية الحاضرة ، وغير ذلك مما تزخر به فصول الكتاب . .

ولعل من اطرف بحوث الكتاب : بحثه عن الاسماك . . وما ذكره من انواعها ، واثبته من صورها . . مما لم يسبق ان ضده كتاب آخر من كتب العلم او كتب  التاريخ . .

وفى أول فصول الكتاب يبدأ المؤلف بالبحث عن الوضع الجغرافى لمدينة جدة . . فى اربع عشرة صفحة ، وفى عرض شائق ومستوعب ، بعيدا عن اى جفاف يصحب عادة امثال هذه الموضوعات . ثم يتبعه بفصل عن التطور العمرانى لمدينة جدة منذ أول نشاتها حتى اليوم ، ففصل عن اصل تسمية مدينة جدة يورد لنا فيه الاقوال المختلفة عن هذه التسمية لبعض القدماء والمعاصرين .

وفى فصل يعقده عن دلائل قدم جدة ، يستخلص من اقوال المؤرخين انها من اقدم المدن ، فهى من بناء

الفرس وكانت معروفة وماهولة منذ القرن الثانى قبل الميلاد .

كما يستنتج هما وجد فيها من اصنام وتماثيل ، انها - أى جدة - شهدت منذ القدم ازدهارا عمرانيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا اصابه ما اصاب سواه من الاندثار - لعوامل قد يكون من بينها الجفاف العام الذى سيطر على بلاد العرب فى سالف الحقب او اجتياح الغزاة الطاءعين فى ثرائها ، أو احدى الآفات السماوية التى يسلطها الله عز وجل على من طغي وبقي من عباده من الامم السالفة والخالفة . وبذلك اصبحت جدة القديمة ذات المدنية الزاهرة اثرا بعد عين . ولكن صيتها بقي عالقا فى الاذهان الى عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

ثم ينتقل بنا المؤلف إلى فصل آخر عنوانه : " مرآة التاريخ ، يستعرض لنا فيه ما صور به المؤرخون والجغرافيون " جدة " كل من زاويته منذ القرن  الهجرى الثالث حتى اليوم . . .

وفى فصل بعنوان : " بين عوامل الحرب والسياسة يذكر لنا كيف ان جدة خاضت معارك الحرب والسياسة فى الحجاز كلما دعاها داع . . وكيف انها كانت بالنسبة للاحداث والتقلبات فى الحرمين الشريفين خاصة ، والحجاز عامة ، مثل " الترمومتر " الذى يتأثر بتقلبات الجو بين انخفاض وارتفاع . . ويعقب على ذلك بقوله : كيف لا تكون - أى جدة - كذلك وهى رباط الحجاز وثغره الاول ؟

وفى فصله عن السكان يذكر ان أول من سكنها فى ايام الجاهلية فرس وعرب جاءوا من نواح مختلفة . . وربما كان معهم فيها اناس من الصومال ، والحبشة واليونان ، والرومان ، وغيرهم . .

ونحن مع المؤلف الفاضل فى هذا الذى اشار اليه عن الفرس والعرب . وكذلك عمن ورد الى جدة من الصومال والحبشة ، لقربهما . . ولكن بالنسبة لليونان والرومان لم يذكر لنا ما استند اليه فى ذلك ، وفقا لما تمشى عليه فى سائر فصول الكتاب . .

وليس من شك فى ان من امتع فصول الكتاب - مما لم يسبق ان ضمه كتاب آخر فيما نعلم - الفصل

الذى خصصه بالحديث عن قصة الماء فى جدة .

وقصة الماء فى مدينة جدة قصة اسطورية - ان جاز لنا هذا الوصف - ولذلك فهي خليقة بعناية المؤرخين والكاتبين . . ان هذه القصة تطلعنا إلى أى حد بعيد كان ايصال الماء إلى مدينة من وادى فاطمة المشهور فاتحة عهد مزدهر لهذه المدينة العريقة لم تشهد له فى أى عهد من عهود ازدهارها مثيلا ، والى أى حد كان ما اسداه الى هذه المدينة جلالة الملك الراحل عبد العزيز ، رحمه الله ، عملا ضخما ورائعا وجليلا .

وفى الفصل الذى عقده عن المجتمع فى جدة نقرا كيف كان هذا المجتمع يتأثر صعودا وهبوطا بالظروف السياسية المحيطة بها من قريب ومن بعيد . . شانه شأن اى مجتمع آخر لا بد له من ان يتأثر بما يجرى حوله من الأحداث.!

وفى هذا الفصل يتحدث الينا عن ابرز السمات والصفات التى تصاحب المجتمع فى جدة . فيذكر فيما يذكر ، انه مجتمع تغلب عليه النزعة التجارية فهي على الرغم من ندرة الماء العذب فيها قبلا . . ووقوعها على شاطئ بحر ملح اجاج ، لم يثن أهلها ذلك عن طلب الثراء بالكدح والسعى الحثيث عن طريق تعاطي التجارة المحلية ، والتجارة الخارجية ، وتوزيع سلع هذه التجارة الى الداخل والخارج ، مما يذكرنا - يقول المؤلف - بالفينيقيين ايام ازدهار تجارتهم ونشاطهم فى مختلف انحاء العالم القديم .

وهو عنا يصف المجتمع التجارى فى جدة بانه متحل بكل الصفات التى يتحلى بها كل مجتمع تجارى من تفكير عادى ، وصبر وحذر وتكتم . . الى آخره . . ومن رأيه ان المجتمع التجارى من هذه الناحية ، قريب من المجتمع الزراعي . ومن هنا تتشابه اوضاع ابناء المدينة المنورة وابناء جدة ، وتتقارب سماتهم وطباعهم .

ولنا تعليق على هذا الذى يراه الاستاذ المؤلف . . وتعليقنا هو انه ليس كل ابناء جدة يمارسون التجارة بل يوجد بينهم من يمارس مختلف الاعمال الاخرى من حكومية واهلية ، ومن اعمال صناعية ، ومن قيام

بخدمة الحجاج . وما يقال عن جدة من هذه الناحية يقال عن المدينة المنورة ايضا . . ويقال مثله كذلك عن مكة المكرمة . . اذن فهذا التشابه الذى ارتاه الاستاذ لا اظنه يخص جدة والمدينة المنورة فقط . بل لا مشاحة فى انه يسرى ايضا الى مكة ، نظرا لتشابه المدن الثلاث فى احتوائها على كل هذه الاصناف من الاعمال مع اختلافها وتباينها .

وبعد فسيطول بنا الحديث جدا إذا ما اردنا ان نشير الى البقية من فصول هذا الكتاب الممت واخص  بالذكر من هذه الفصول الفصل الممتع عن " العادات والتقاليد " وكذلك الفصل الخاص بالكيان الاقتصادى ولا انسي ايضا الفصل القيم عن الحكام ، وغيرها من فصول ، كل منها ممتع ، وكل منها مفيد .

ىنعم سيطول بنا الحديث ويطول ، ولا اظن الحيز المحدد لهذا المقال ، او الذى يجب ان يكون محددا له فى " قافلة الزيت " الغراء ، يسمح لنا بان نمضي فى هذا الحديث . . حسبى اذن انى المعت . . وما على القارى ، الكريم الا ان يرجع الى الكتاب نفسه ، وفى رأيي انه لابد لكل قارئ فى هذه البلاد من ان يطالع هذا الكتاب

" عن مجلة قافلة الزيت . . عدد ذى الحجة ٨٣ ه  " " المنهل " : مع تقديرنا الجم لما كتبه الاستاذ محمد سعيد العامودى عن كتاب تاريخ مدينة جدة رأينا ان ناتى بالتعليقين التاليين على ملاحظتيه ، شاكرين له ومقدرين كل التقدير . . ما صاغه من قلائد التحليل لكتاب " تاريخ مدينة جدة " ببيانه الناصع واسلوبه الرائع . . فنقول :

اولا - عن تساؤنه فى مستندنا عن سكنى جاليات او افراد من اليونان والرومان بجدة . . فى جاهليتها العريقة . . فلفت النظر اولا الى اننا لم نجزم بحدوث سكناهم بها . . وانما قلنا باحتمال حدوث ذلك فقط اذ قلنا : ( وربما كان معهم فيها اناس من الصومال والحبشة واليونان والرومان وغيرهم ) . . فصيغة  (ربما ) تورد لأمكان حدوث الشئ لا للجزم بحدوثه . . كما هو معروف فى علم اللغة والقواعد ومع ان امكان حدوث الشئ اعلى درجات الشك فى حدوثه . . فهي اى ( ربما ) تحمل عدم استبعاد الحدوث فقط ، وان

من القرائن التاريخية ما يؤيد حدوث هذا الاحتمال فكما كان بمصر اذ ذاك من ابناء اليونان والرومان لا يستبعد ان يوجد مثلهم ومنهم فى جدة المزدهرة وقد رأينا بعض افرادهم وجواليهم تقيم فيها وتتاجر . . منذ عصر مضي من عصور الاسلام حتى الآن . . ومن القرائن التاريخية ما ذكره كتاب العمارة والتاريخ من قدوم سفينة محملة بالتجارة فى بحر القلزم وانكسارها بالشعيبة وحدل النجار ( الرومى ) الذى كان بها مع من بها من الرومان . ومعلوم ان الشعيبة اتخذت ميناء لمكة بعد اتخاذ جدة . . اولا ، وقبل اتخاذها اخيرا . . وما صح على المثل يصح على المماثل . . والاصنام التى نبث عنها عمرو بن كحى بجدة " ربما " يكون ناحتوهاهم الرومانيين ابناء روما القدماء، . . والرومان هم اقدر الناس على النحت ولا يزال الايطاليون تقيم منهم جالية بجدة حتى الآن . . كمهندسين وكهربائيين . .

هذا من ناحية الرومانيين . اما اليونانيون فالحادث الذي رواه لنا كتاب " الاخبار الطوال " من قطع الإسكندرى المقدونى للبحر صوب بلاد المغرب من جدة تجعلنا لا نستبعد ان بعض اليونانيين كانوا بها يوم قدمها وبقوا بها بعده . . وقد يكون بعضهم هو الذى اغراه بالقدوم اليها واجتياز البحر الاحمر منها . . وقد راينا المستشرق بوركهارت بالقرن الثالث عشر الهجرى يتحدث لنا عن الجالية اليونانية المقيمة بجدة فى زمنه ولا يزال بعضهم بها حتى اليوم . .

وقصة ( بعد الشقة ) التى اشار اليها الاستاذ محمد سعيد العامودى لا تقف عائقا ولا حاجزا عن الاقامة بأى بلد . . فالفينيقيون واليونان والعرب اقاموا باماكن نائية بعيدة الشقة بالنسبة لمواطنهم الاصلية . .

ثانيا ويقول الاستاذ : ( انه ليس كل ابناء جدة يمارسون التجارة بل يوجد بينهم من يمارس مختلف الاعمال الاخرى من حكومية وأهلية ومن اعمال صناعية ومن قيام بخدمة الحجاج ، وما يقال عن جدة من هذه الناحية يقال عن المدينة المنورة ايضا ، ويقال مثله عن مكة المكرمة . . اذن فالتشابه الذى اثاره الاستاذ ( أى مؤلف الكتاب ) لا اظنه يخص جدة والمدينة

المنورة فقط ، بل لا مشاحة فى انه يسرى ايضا الى مكة نظرا لتشابه المدن الثلاث ، فى احتوائها على كل هذه الاصناف من الاعمال مع اختلافها وتباينها ) .

ونقول : اما انه ( ليس كل ابناء جدة يمارسون التجارة فقد احتواه الكتاب ونص عليه . . ففي انصفتة (١٨١ ) منه ها نصه : " ومن اهل جدة من ربط معيشته بعالم الوظائف الحكومية المختلفة ، فكان منهم محتسبون ورؤساء بلديات ، وموظفون عموعيون فى العهود الخالية ، وفى كتاب " حجاز ولايتي سالنامه سى ، التركي لسنة ١٣٠٦ ه اسماء كثير من أهل جدة الموظفين بالحكومة فى مختلف الأعمال ، وقد اثبتنا اسماءهم فى " فصل الحكام " . . ومن اهل جدة من اتخذوا المهن والحرف التقليدية طريقة لمعيشتهم ، وذلك كصناعة صيد السمك أو صناعة بناء السفن الشراعية ها بين كبيرة وصغيرة وعصر الزيوت وصنع الملابس والتنجيد والخياطة وطهو الاطعمة وصنع الحلوى . . " ومنهم من امتهن صنع العربات واتخاذ مراكب الحمير وغير ذلك هما كان يعتبر وسيلة المواصلات الوحيدة اذ ذاك " . . " ومنهم من اتخذ وكانة مطوفى مكة ، مهنة لهم ، يتعيش من دخلها . . وهذه الطائفة هم المعروفون بالوكلاء ، ولهم نظامهم وتقاليدهم . . وفى كتاب ) المكالمة ( لمحمد الطيب المكي المطبوع بالهند فى اواخر القرن الهجرى الماضي كثير من التعريف باوضاعهم وتقاليدهم واحوالهم . . " وهناك عمال البحر ومرشدوه وحماله . . وهم طائفة أو طوائف " . ووجود كل اولئك بجدة لا يعنى نفي غلبة النزعة التجارية على جدة عبر التاريخ " حسب ما ورد فى الكتاب أيضا . .

فمثلا : المدينة المنورة فيها مثل اولئك وغيرهم ولكن النزعة الغالبة عليها عبر التاريخ هى الزراعة ولم نقل ذلك من عندياتنا . . فقد اشار اليه احمد ابن سهل أبو زيد البلخي المتوفى عام ٣٢٢ ه فى فى كتابه المخطوط الاثرى : ( ذكر المسافات والأقاليم ) واشار اليه البشارى بعده ، وناصر خسرو على ، فى كتابه ( سفرنامه ) المترجم الى العربية حديثا واشار إليه ابن المجاور فى كتابه المطبوع باوروبا . . والحميرى

فى ( الروض المعطار ) . . ثم حدثنا المرحوم محمد صالح بن على باعشن فى مذكراته الخطية عن شئ من ذلك فى القرن الثالث عشر الهجرى نقلا عن وانده وايده هو . . وحدثنا البتنونى بعظم التجارة فى جدة حتى ان من تجارها من هو " مليونير " لا في الريالات ولا الدولارات ولكن في الجنيهات الذهبية البراقة . .

وكيف لا تغلب النزعة التجارية على أهل جدة وهى باب الحرمين . . وكل ما يرد الى هكة بحرا يردها من طريقها ، فتجار جدة بالنظر لهذا هم اساس تجارة مكة ومصدرها الأكبر منذ صدر الاسلام ، وهم منهم بمثابة

الاصل " من ( الفرع ) و ( الفرع ) من ( الاصل ) وفى فتاوى الشيخين عبد الحفيظ العجيمى ومحمد طاهر سنبل ما يدل ايضا على هذا .

ومعنى غلبة النزعة التجارية هي ميل ذوى الطموح وانثراء إلى استثمار طموحهم وثرائهم فى شؤون التجارة الاستيرادية الميسورة لهم من شتى بلاد العالم لا تصالها بحريا بهم . . ونغلبة هذه المنزعة التجارية على محيطهم رأينا بعض علمائها تجارا مرموقين . . مثل الشيخ ابراهيم عبد الفتاح فى القرن الهجرى الثالث عشر . ومثل الشيخ عبد الرحمن ابو حجر المانكي في هذا القرن . .

وكانت النزعة التجارية تغلب على مكة المكرمة فى

عصر الجاهلية . . وفى الاسلام راينا المهاجرين بالمدينة المنورة البلد الزراعي العريق ، رايناهم يمتهنون

لتجارة التي تغلب عليهم فى جاهليتهم فينجحون ويربحون ويثرون . . واستمر ذلك بمكة حتى عهد الاتراك فغلبت عليهم نزعة اغراهم بها القائمون بالأمر اذ ذاك كما اغروا بها أهل المدينة المنورة بسبب أو آخر . . وهي الاعتماد على الوظائف والمعاليم والصرر والتطويف والدلالة والمبرات . ولكن جدة خرجت من هذا النطاق . . فتمسكت فى اغلبية الطامحين بها بحبل التجارة فى ايراد او فى تصدير . . وبنت فى ضباب القرون الخالية اساطيل السفن الشراعية لتجوب البحار حاملة لاهلها ولمواطنيهم ، وحاملة عن أهلها

وعن مواطنيهم تجاراتهم . . عبر البحار . . ولا يزال زمام التجارة فى مكة والمدينة بيد تجار اهل جدة حتى اليوم . . وقد نافستها فى بعض السنين الغابرة ينبع البحر نوعاما ثم تأخرت عنها . وليس معنى غلبة التجارة على أهل جدة ، نفيها عن اهل مكة والمدينة . . ففي هاتين المدينتين قديما وحديثا تجار كبار . . ومكة اعرق بلاد الحجاز فى التجارة خاصة في ايام الجاهلية انقريبة من الاسلام . . وللمكيين رحلتان تجاريتان معروفتان الى شام ويمن . . واخيرا نكرر التقدير والشكر للاستاذ ازاء ما ابدى وزاء ما لاحظ والحقيقة دائما بنت البحث الصافى منبعا ومصبا . .

اشترك في نشرتنا البريدية