الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كتاب " تونس في مواكب الحضارات والعصور "، تاليف الاستاذ : محمد الهادى العامرى

Share

التعريف بالمؤلف :

هو من كبار أعلام الكتاب الباحثين المشهورين ببلادنا ، شارك فى التحرير بالصحافة التونسية منذ شبابه الباكر ، وقد نشرت جريدة " لسان الشعب " عددا ضخما من المقالات تحت عنوان سانحة بحث فيها كتب من القضايا السياسية والاجتماعية ، مما لو جمع لتكون منه سفر كبير . وكانت جريدة " البلاغ " المصرية الوفدية تنشر سائحات الاستاذ العامري في القسم المخصص منها لتونس كما زود الصحف التونسية الاخرى كالزهرة والنهضة بمقالات فى اغراض مختلفة ، اما مجلة " المباحث " فإنها نشرت له عدة دراسات عن تاريخ الادب العربي في تونس وفي الاندلس ، أتى فيها بالطريف المبتكر ، وبالتحليل الممتع النفيس ، وأبان فيها عن قوة عقل فى الاستنباط والاستنتاج ، والتقصى في الدراسة والتحليل ، والاحاطة باطراف الموضوع . وهى لوضم شتاتها في كتاب لكان من أنفس واطرف ما كتب في هذا الجانب من التاريخ الادبى

وقل أن يخلو عدد من مجلة " الفكر " من دراسة له فى تاريخ الأدب بتونس في مختلف العصور ، او ترجمة لاحد اعلام الفكر والادب التونسيين

وقد ساهم فى امداد الإذاعة التونسية ببحوث متنوعة فى الادب والتاريخ والنظم الإسلامية ، منذ ان تولى كتابتها العامة صديقه الاستاذ عثمان الكعاك الى الآن ، ولم ينقطع عنها الا في عهد حاول فيه احد عملاء الاستعمار استغلاله لخدمة الركاب ، فانقطع غضبا لكرامته ووطنه ، ونشر ضد العميل مقالات نارية في جريدة " الزهرة " أدت إلى فصل الدعي عن الإذاعة

وله تأليفان - عدا التاليف الذي سنتحدث عنه - وهما : كتاب عن المدنية الإسلامية ، ضاع له بمصر عند بعض الجماعات المغضوب عليهم من النظام القائم الآن هناك . وما زال يحمل عنه لوعة وأسى لانه من خير ما كتب وأنتج ، وكتاب " ذكريات الجلاء " ترجم فيه لاحد عشر بطلا من أبطال الجلاء فى المغرب العربي الكبير ، وخصص الخاتمة لترجمة البطل الحادى عشر من ابطال الجلاء فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة .

التعريف بالكتاب :

اما كتابه " تونس فى مواكب الحضارات والعصور " فإنه أعد منه جزأين ضخمين للطبع ، سيبرزان بحول الله قبل انصرام السنة الجارية ، والجزء الثالث منه مازال بصدد التحضير والإعداد . وفي هذا الكتاب تناول المؤلف التاريخ العام لتونس منذ أقدم العصور الى الآن . وهو احفل واجمع كتاب باللغة العربية عن تاريخ تونس ، لم يدع فيه المؤلف - حفظه الله - ناحية من نواحى النشاط الإنسانى الحضارى إلا بحثه بحثا جامعا مستوفى كافيا شافيا .

والكتاب ثمرة طيبة يانعة لمجهود متواصل ، وسعى دائب ، وكد متلاحق فى البحث والتنقيب والتنقيح من الاستاذ محمد الهادى العامرى

اما الاسلوب فانه طلى ، ممتع ، شيق ، جذاب ، يشعر المطالع بأنه صادر عن كاتب ممتلك لناصية البيان ، متمكن من عبقرية اللغة ، طويل الممارسة للفن ، هذبه طول المران ، وصقلته التجربة ، حتى صار قادرا على ابراز صوره ، وتوضيح اغراضه ، فى بيان صاف نقى من شوائب الضعف والاضطراب والحشو .

وبما تجمع فى الكتاب من مزايا البحث العلمي الرصين ، والفن الادبى الرفيع ، وما تميز به من جاذبية في العرض . تجعل المطالع لا يسأم ولا يمل من التنقل بين رياضه النضرة الانيقة ، ومن اجالة النظر فى طرائفه وبدائعه .

وقد خصص المؤلف الجزء الجزء الاول من كتابه بتاريخ موجز عن

العصور السابقة للاسلام ، ثم اخذ بتحدث باستفاضة عن العصور الاسلامية من بداية نشأتها الى قدوم الخلافة الناصر بن المنصور الموحدى مطاردا للثائر يحيى بن غانية الميورقى .

والجزء الثاني خصصه للحديث بداية من الدولة الحفصية الى اوائل عهد الحماية الفرنسية

والجزء الثالث خصصه للحديث عن الطور الاخير من حياة دولة البايات المنقرضة ، منذ عهد الاستسلام والاستخذاء للغزاة المستعمرين إلى عهد المقاومة الشعبية ، والثورة العارمة التى اططاحت بالنظام الاستعمارى الفرنسي وركيزته دولة البايات ، واعلان النظام الجمهورى بتونس

والمنهج الذي سار عليه المؤلف في كتابه هو انه يقيم كل عصر من العصور السياسية الى اطوار ثم ياخذ في الدرس المستفيض لكل طور من الاطوار ، مبينا الخصائص والمميزات ، متقصيا لاسباب القوة والعظمة ، واسباب الضعف والانحطاط والانهيار

تم يتناول بالتحليل الاوضاع والنظم السياسية والادارية والاقتصادية والإجتماعية . واعتني بوجه خاص بتاريخ الحركة الفكرية العلمية والأدبية ، مترجما لاشهر أعلام كل فترة ترجمة وافية ، تعتمد على ابرز شخصية المترجم له ، والبيئة التي نشا فيها ، والظروف التى ساعدت تكوينه ونبوغه وتفوقه .

والشئ المبتكر الذى انفرد به المؤلف . ولم يسبقه به أحد ، هو انه يتابع بدقة وأناة وطول نفس نظم التربية والتعليم في كل عصر من العصور ، ونسق المتفرقات المنشورة هنا وهناك ، الموزعة بددا في عديد من المصادر التى فيها شذرات ولمحات عن هذه النظم ، وحللها ، وعرضها عرضا يتسم بالجاذبية والاغراء والطرافة والابتكار

حتى الأدب الشعبي لم يخل من عناية به ، ولمحات عنه فى بعض المناسبات . مما زاد في روعة الكتاب وطرافته ، واضفى عله ظلالا زاهية من الجمال والاشراق

وقد حاول المؤلف جهده ان يفسر الاحداث تفسيرا مقبولا يعتمد على الوثائق والاسانيد ، وان يربط الاسباب بمسبباتها ، حتى تتكون لدى القارىء فكرة صحيحة عن كل عصر من العصور ، وعن جوانب المجد والعظمة ، فتنبعث في نفسه نشوة الاعتزاز والفخر ، وعن جوانب الضعف والانحطاط ، فيتاسف . ويتعظ ، ويعتبر ، ويدرك سر تاخرنا ، وابتلاءنا بالواغل الدخيل ردحا من الزمن . ويستنتج بان النكسات والنكبات التى امتحن بها هذا الشعب الطيب المنبت ، الكريم النجار ، ما زادته الا توهجا ولمعانا ، واصابه النوم والخدر فترات ، ولكنه لم يمت ، ولن يموت ، رغم كيد الاعداء المتامرين . الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين

هذا عرض مقتصب موجز وتعريف بالكتاب لا ارى نفسي وفيته ما يستحق ، لكنه يعطى القارىء الكريم فكرة صادقة عنه بينة لا غلو فيها ولا اسراف .

اشترك في نشرتنا البريدية